تفسير آيات من سورة الانفطار
مدة الملف
حجم الملف :
4561 KB
عدد الزيارات 1947

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثامن بعد المائة من لقاء الباب المفتوح، الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو السادس عشر من شهر جمادى الثانية عام (1416هـ) نستدرك فيه ما نسيناه من الكلام على سورة الانفطار. 

تفسير قوله تعالى: إذا السماء انفطرت:

قال الله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ ۞ وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ ۞ وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ ۞ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:1-5] هذه أربعة أشياء إذا حصلت علمت النفس ما قدمت في أول عمرها وما أخرت، فقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار:1] أي: انشقت، كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ۞ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:1-2]

﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ﴾ أي: أن النجوم صغيرها وكبيرها تنتثر وتتفرق وتتساقط؛ لأن العالم انتهى.

﴿وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ﴾ أي: فجر بعضها على بعض، وملأت الأرض.

﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ﴾ أي: أخرج ما فيها من الأموات حتى قاموا إليه -عز وجل-، في حصول هذه الأمور الأربعة.

تفسير قوله تعالى: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم:

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6] المراد بالإنسان قيل: هو الكافر، وقيل: الإنسان من حيث هو إنسان؛ لأن الإنسان من حيث العموم هو إنسان ظلوم جهول.

ظلوم كفار: ﴿إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم:34] فيقول الله -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ﴾ [الانفطار:6] ويخاطب الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن ديانته.

﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6] يعني: أي شيء غرك بالله حتى تكذبه في البعث، تعصيه في الأمر والنهي، بل ربما يوجد من ينكر الله -عز وجل-.

فما الذي أغرك؟ قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6] إشارة إلى الجواب، وهو أن الذي غر الإنسان كرم الله عز وجل, وإمهاله، وحلمه؛ لكنه لا يجوز أن يغتر الإنسان بذلك: «فإن الله يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته» إذاً: ﴿مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾ [الانفطار:6]؟ الجواب: كرمه وحلمه، هذا هو الذي غر الإنسان، وصار يتمادى في المعصية، يتمادى في التكذيب، يتمادى في المخالفة.

تفسير قوله تعالى: الذي خلقك فسواك فعدلك:

قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار:7] (خلقك) وأوجدك من العدم و(سوّاك) جعلك مستوي الخلقة، ليست يد أطول من يد، ولا رِجل أطول من رِجل، ولا إصبع أطول من إصبع، بحسب اليدين والرجلين، فتجد الطويل في يد هو الطويل في اليد الأخرى، والقصير هو القصير, وهلم جراً، سوى الله -عز وجل- الإنسان من كل ناحية.

من ناحية الخلقة: ﴿فَعَدَلَكَ﴾ وفي قراءة سبعية: (فعدَّلك) أي: جعلك معتدل القامة، مستوي الخلقة، لست كالبهائم التي لم تكن معدلة، بل تسير على يديها ورجليها، أما الإنسان فإنه خصه الله بهذه الخصيصة.

تفسير قوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك:

قال تعالى: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار:8] أي: أن الله ركبك في أي صورة شاء، من الناس من هو جميل، ومنهم من هو قبيح، ومنهم المتوسط, ومنهم الأبيض، ومنهم الأحمر، ومنهم الأسود، ومنهم ما بين ذلك.

أي صورة يركبك الله -عز وجل- على حسب مشيئته، ولكنه -عز وجل- شاء للإنسان أن تكون صورته أحسن الصور.

تفسير قوله تعالى: كلا بل تكذبون بالدين:

قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ﴾ [الانفطار:9] (كلا) حرف ردع، (بل) للإضراب، أي: مع هذا الخلق والإمداد والإعداد تكذبون بالدين، أي: بالجزاء، وتقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون:37] فتكذبون بالدين أي: بالجزاء.

وربما نقول: وتكذبون أيضاً بالدين نفسه، فلا تقرون بالدين الذي جاءت به الرسل، والآية شاملة لهذا وهذا؛ لأن القاعدة في التفسير وعلم شرح الحديث: أنه إذا كان النص يحتمل معنيين لا ينافي أحدهما الآخر فإنه يحمل عليهما.

تفسير قوله تعالى: وإن عليكم لحافظين:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۞كِرَاماً كَاتِبِينَ ۞يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:12] التأكيد بمؤكدين: إنَّ واللام: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ﴾ الإنسان عليه حافظ يحفظه ويكتب كل ما عمل.

قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18] فعلى كل إنسان حفظة، يكتبون كل ما قال، وكل ما فعل، وهؤلاء الحفظة كرام ليسوا لئاماً، بل عندهم من الكرم ما ينافي أن يظلموا أحداً فيكتبوا عليه ما لم يعمل، أو يهدروا ما عمل؛ لأنهم موصوفون بالكرم.

قال تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ إما بالمشاهدة إن كان فعلاً، وإما بالسماع إن كان قولاً، بل إن عمل القلب يطلعهم الله عليه فيكتبونه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من همّ بالحسنة فلم يعملها كتبت حسنة، ومن همّ بالسيئة ولم يعملها كتبت حسنة كاملة» لأنه تركها لله -عز وجل-، والأول يثاب على مجرد الهم بالحسنة.

تفسير قوله تعالى: إن الأبرار لفي نعيم:

قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار:13] هذا بيان للنهاية والجزاء (إن الأبرار) جمع بر، وهم كثيرو فعل الخير، المتباعدون عن الشر، لَفِي نَعِيمٍ، أي: نعيم في القلب، ونعيم في البدن؛ ولهذا لا نجد أحداً أطيب قلباً ولا أنعم بالاً من الأبرار، حتى قال بعض السلف: "لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف".

وهذا النعيم الحاصل يكون في الدنيا والآخرة: أما في الآخرة فالجنة، وأما في الدنيا فنعيم القلب وطمأنينته، ورضاه بقضاء الله وقدره، فإن هذا هو النعيم حقيقة، ليس النعيم في الدنيا أن تترف بدنيا، النعيم نعيم القلب.

تفسير قوله تعالى: وإن الفجار لفي جحيم:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:14] (الفجار) هم الكفار ضد الأبرار ﴿لَفِي جَحِيمٍ﴾ أي: في نار حامية والعياذ بالله ﴿يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الانفطار:15] أي: يحترقون بها ﴿يَوْمَ الدِّينِ ﴾ أي: يوم الجزاء، وذلك يوم القيامة ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار:16] أي: لن يغيبوا عنها فيخرجوا منها, كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:48] لأنهم مخلدون فيها أبداً والعياذ بالله.

تفسير قوله تعالى: وما أدراك ما يوم الدين:

قال تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۞ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:17-18] هذا الاستفهام للتفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أعلمك بيوم الدين؟ أي: اعلم هذا اليوم، واقدره قدره.

تفسير قوله تعالى: يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله:

قال تعالى: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار:19] في يوم القيامة لا أحد يملك لأحد شيئاً لا بجلب خير ولا بدفع ضر إلا بإذن الله -عز وجل- لقوله: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ في الدنيا هناك أناس يأمرون من الأمراء والوزراء والرؤساء والآباء والأمهات لكن في الآخرة لا يمكن، الأمر لله -عز وجل-: ﴿لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً﴾ إلا بإذن الله؛ ولهذا كان الناس في ذلك اليوم يلحقهم من الغم والكرب ما لا يطيقون، ثم يطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى، حتى تنتهي إلى نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيشفع بإذن الله.

فيريح الله العالم من الموقف: ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ فإن قال قائل: أليس الأمر لله في ذلك اليوم وفي غيره؟ قلنا: بلى، الأمر لله تعالى في يوم الدين وفيما قبله، لكن ظهور أمره في ذلك اليوم أكثر بكثير من ظهور أمره في الدنيا؛ لأنه في الدنيا يخالف الإنسان أوامر الله -عز وجل-، ويطيع أمر سيده، فلا يكون الأمر لله بالنسبة لهذا.

لكن في الآخرة ما في إلا أمر لله -عز وجل-، وهذا كقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر:16] والملك لله في الدنيا والآخرة، لكن في ذلك اليوم يظهر ملكوت الله -عز وجل- وأمره، ويتبين أنه ليس هناك آمر في ذلك اليوم إلا الله -عز وجل-.

وإلى هنا انتهى ما تيسر من الكلام على سورة الإنفطار.