تفسير سورة الإخلاص
مدة الملف
حجم الملف :
6977 KB
عدد الزيارات 1253

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء السابع بعد المائة من اللقاءات التي تتم كل أسبوع في كل يوم خميس، وهذا هو الخميس التاسع من شهر جمادى الثانية عام (1416هـ).

نبتدئ هذا اللقاء بالكلام على سورة الإخلاص وما تيسر من السورة التي بعدها، يقول الله -تبارك وتعالى- للنبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] وهذا الخطاب للرسول -عليه الصلاة والسلام- وللأمة أيضاً.

(هو الله أحد) ضمير الشأن مبتدأ عند المعربين، ولفظ الجلالة (الله) هو خبر المبتدأ و(أحد) خبر ثان و(الله الصمد) جملة ثانية، ذكروا في سبب نزول هذه السورة: أن المشركين أو اليهود، قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: صف لنا ربك؟ من أي شيء هو؟ فأنزل الله هذه السورة، أي: (قل هو الله أحد) أي: هو الله الذي تتحدثون عنه وتسألون عنه هو أحد، أي: متوحد بجلاله وعظمته ليس له مثيل، وليس له شريك، بل هو متفرد بالجلال والعظمة -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: الله الصمد:

قال تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص:2] جملة مستقلة، بين الله تعالى أنه الصمد، فما معنى: (الصمد)؟ أجمع ما قيل في معناه: أنه الكامل في صفاته الذي افتقرت إليه جميع مخلوقاته، فقد روي عن ابن عباس أن الصمد: هو الكامل في علمه، الكامل في حلمه، الكامل في عزته، الكامل في قدرته، إلى آخر ما ذكر في الأثر، وهذا يعني أنه مستغنٍ عن جميع المخلوقات؛ لأنه كامل، وورد -أيضاً- في تفسيرها: أن الصمد: هو الذي تصمد إليه الخلائق في حوائجهم، وهذا يعني: أن جميع المخلوقات مفتقرة إليه، وعلى هذا فيكون المعنى الجامع للصمد هو: الكامل في صفاته التي افتقرت إليه جميع مخلوقاته.

تفسير قوله تعالى: لم يلد ولم يولد:

قال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص:3] (لم يلد) لأنه -جل وعلا- لا مثيل له، والولد مشتق من والده، وجزء منه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في فاطمة: «إنها بضعة مني» والله -جل وعلا- لا مثيل له، ثم إن الولد إنما يكون للحاجة إليه؛ إما في المعونة على مكابدة الدنيا، وإما في الحاجة إلى بقاء النسل، والله -عز وجل- مستغنٍ عن ذلك، فلهذا (لم يلد) لأنه لا مثيل له، ولأنه مستغنٍ عن كل أحد -عز وجل-. وقد أشار الله -عز وجل- إلى امتناع ولادته -أيضاً- في قوله تعالى: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:101] فالولد يحتاج إلى صاحبة تلده، وكذلك هو خالق كل شيء، فإذا كان خالق كل شيء، فكل شيء منفصل عنه (ولم يلد) وفي هذه الجملة رد على ثلاث طوائف منحرفة من بني آدم، وهم: المشركون واليهود والنصارى؛ لأن المشركين جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً وقالوا: إن الملائكة بنات الله.

واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله (ولم يولد) لأنه -عز وجل- هو الأول الذي ليس قبله شيء.

تفسير قوله تعالى: ولم يكن له كفواً أحد:

قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:4] أي: لم يكن له أحد مساوياً في جميع صفاته، فنفى الله -سبحانه وتعالى- عن نفسه أن يكون والداً أو مولوداً أو له مثيل، هذه السورة لها فضل عظيم.

قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إنها تعدل ثلث القرآن» لكن لا تقوم مقام ثلث القرآن، بدليل: أن الإنسان إذا كررها في صلاة الفريضة ثلاث مرات لم تكفه عن الفاتحة، مع أنه إذا قرأها ثلاث مرات فكأنما قرأ القرآن كله، لكنها لا تجزئ عنه، ولا تستغرب أن يكون الشيء معادلاً للشيء ولا يجزئ عنه، فهاهو النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن من قال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له الملك وله الحمد, وهو على كل شيء قدير فكأنما أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل» ومع ذلك لو كان عليه رقبة كفارة وقال هذا الذكر لم يكفه عن الكفارة، فلا يلزم من معادلة الشيء للشيء أن يكون قائماً مقامه في الإجزاء.

هذه السورة كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يقرأ بها في الركعة الثانية في سنة الفجر، وفي سنة المغرب، وفي ركعتي الطواف، وكذلك يقرأ بها في الثالثة في الوتر؛ لأنها مبنية على الإخلاص التام لله؛ ولهذا تسمى: سورة الإخلاص.

تفسير سورة الفلق:

يقول الله -عز وجل-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:1] ورب الفلق هو الله، والفلق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعم من ذلك، أن الفلق كل ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:95] وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:96].

تفسير قوله تعالى: قل أعوذ برب الفلق:

يقول الله -عز وجل-: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ [الفلق:1] ورب الفلق هو الله، والفلق: الإصباح، ويجوز أن يكون أعم من ذلك، أن الفلق كل ما يفلقه الله تعالى من الإصباح والنوى والحب كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ [الأنعام:95] وقال: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام:96].

تفسير قوله تعالى: من شر ما خلق:

قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق:2] أي: من شر جميع المخلوقات، حتى من شر نفسك؛ لأن النفس أمارة بالسوء، فإذا قلت: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ فأول ما يدخل فيه نفسك، كما جاء في خطبة الحاجة «نعوذ بالله من شرور أنفسنا» وقوله: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ يشمل شياطين الإنس والجن والهوام وغير ذلك.

تفسير قوله تعالى: ومن شر غاسق إذا وقب:

قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق:3] الغاسق: قيل: إنه الليل، وقيل: إنه القمر.

والصحيح: أنه عام لهذا وهذا، أما كونه الليل فلأن الله تعالى قال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [الإسراء:78] وكما نعلم جميعاً أن الليل تكثر فيه الهوام والوحوش، فلذلك استعاذ من شر الغاسق، أي: الليل، وأما القمر فقد جاء في الحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرى عائشة القمر وقال: «هذا هو الغاسق» وإنما كان غاسقاً؛ لأن سلطانه يكون في الليل.

وقوله: ﴿ وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ هو معطوف على من شر ما خلقمن باب عطف الخاص على العام؛ لأن الغاسق من مخلوقات الله -عز وجل-. وقوله: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾ أي: إذا دخل، فالليل إذا دخل في ظلامه غاسق وكذلك القمر إذا أضاء بنوره فإنه غاسق، ولا يكون ذلك إلا في الليل.

تفسير قوله تعالى: ومن شر النفاثات في العقد:

قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق:4] النفاثات في العقد: هن الساحرات، يعقدن الحبال وغيرها، وتنفث بقراءة مطلسمة فيها أسماء الشياطين على كل عقدة، تعقد ثم تنفث، تعقد ثم تنفث، تعقد ثم تنفث.

وهي بنفسها الخبيثة تريد شخصاً معيناً، فيؤثر هذا السحر بالنسبة لهذا المسحور، وذكر الله النفاثات دون النفاثين؛ لأن الغالب أن الذي يستعمل هذا النوع من السحر هن النساء، فلهذا قال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ ويحتمل أن يقال: ﴿النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ أي: الأنفس النفاثات فيشمل الرجال والنساء.

تفسير قوله تعالى: ومن شر حاسد وإذا حسد:

قال تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ [الفلق:5] الحاسد: هو الذي يكره نعمة الله عليك، فتجده يضيق ذرعاً إذا أنعم الله على هذا الإنسان بمال أو جاه أو علم أو غير ذلك فيحسده، ولكن الحساد نوعان:

نوع: يحسد ويكره في قلبه نعمة الله على غيره، لكن لا يتعرض للمحسود بشيء، تجده مهموماً مغموماً من نعم الله على غيره، لكن لا يعتدي على صاحبه.

والشر والبلاء إنما هو بالحاسد إذا حسد، ولذا قال: إِذَا حَسَدَ ومن حسد الحاسد العين التي تصيب المعان، يكون هذا الرجل -نسأل الله العافية- يكون عنده كراهة لنعم الله على الغير.

فإذا أحس بنفسه أن الله أنعم على فلان بنعمة خرج من نفسه الخبيثة معنىً لا نستطيع أن نصفه؛ لأنه مجهول، فيصيب بالعين من تسلط عليه، أحياناً يموت وأحياناً يمرض وأحياناً يجن، حتى الحاسد يتسلط على الحديد فيوقف اشتغاله، ربما يصيب السيارة بالعين وتنكسر أو تتعطل، أو ربما يصيب رفاعة الماء أو حراثة الأرض، المهم أن العين حق تصيب بإذن الله -عز وجل-.

ذكر الله -عز وجل-: الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد؛ لأن البلاء كله في هذه الأحوال الثلاثة يكون خفياً، الليل ستر وغشاء.

قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:1] يكمن فيه الشر، ولا يعلم به، النفاثات في العقد -أيضاً- كذلك السحر خفي لا يعلم.

الحاسد إذا حسد العائن -أيضاً- خفي، تأتي العين من شخص تظن أنه من أحب الناس إليك، وأنت من أحب الناس إليه ومع ذلك يصيبك بالعين؛ لهذا السبب خص الله هذه الأمور الثلاثة: الغاسق إذا وقب، والنفاثات في العقد، والحاسد إذا حسد، وإلا فهي داخلة في قوله: مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَفإذا قال قائل: ما هو الطريق إلى التخلص من هذه الشرور الثلاثة؟ قلنا: الطريق أن يعلق الإنسان قلبه بربه، ويفوض أمره إليه، ويحقق التوكل على الله، ويستعمل الأوراد الشرعية التي بها يحصن نفسه ويحفظها من شر هؤلاء.

وما كثر الأمر في الناس في الآونة الأخيرة من السحرة والحساد وما أشبه ذلك إلا بسبب غفلتهم عن الله، وضعف توكلهم على الله -عز وجل-، وقلة استعمالهم للأوراد الشرعية التي بها يتحصنون، وإلا فنحن نعلم أن الأوراد الشرعية حصن منيع أشد من سد يأجوج ومأجوج، لكن مع الأسف أن كثيراً من الناس لا يعرف عن هذه الأوراد شيئاً.

ومن عرف فقد يغفل كثيراً، ومن قرأها فقلبه غير حاضر، وكل هذا نقص، ولو أن الناس استعملوا الأوراد على ما جاءت بها الشريعة لسلموا من شرور كثيرة.

تفسير سورة الناس: 

أما السورة الثالثة فهي: سورة الناس: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ۞مَلِكِ النَّاسِ ۞إِلَهِ النَّاسِ ۞مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۞الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۞مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:1-6].

تفسير قوله تعالى: قل أعوذ برب الناس:

قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس:1] وهو الله -عز وجل-، وهو رب الناس وغيرهم، رب الناس، ورب الملائكة، ورب الجن، ورب السماوات، ورب الأرض، ورب الشمس، ورب القمر، ورب كل شيء، لكن للمناسبة خص الناس.

تفسير قوله تعالى: ملك الناس:

قال تعالى: ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس:2] أي: الملك الذي له السلطة العليا على الناس، والتصرف الكامل هو الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: إله الناس:

قال تعالى: ﴿ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس:3] أي: مألوههم ومعبودهم، فالمعبود حقاً الذي تألهه القلوب وتحبه وتعظمه هو الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى:من شر الوسواس الخناس:

قال تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ ۞ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ ۞ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:4-6] الوسواس قال العلماء: إنها مصدر يراد به اسم الفاعل، أي: الموسوس، والوسوسة: هي ما يلقى في القلب من الأفكار والأوهام والتخيلات التي لا حقيقة لها.

(الخناس) الذي يخنس وينهزم ويولي ويدبر عند ذكر الله -عز وجل-، وهو الشيطان، ولهذا إذا أذن المؤذن انصرف الشيطان وهرب، وله ضراط من شدة ما وجد من الضيق، فإذا انتهى الأذان رجع -نسأل الله العافية- ولهذا جاء في الأثر: «إذا تغولت الغيلان فبادروا بالأذان» والغيلان: هي الشياطين التي تتخيل للمسافر في سفره، وكأنها أشياء مهولة أو عدو أو ما أشبه ذلك، فإذا كبر الإنسان انصرفت.

فقوله -عز وجل-:الخناس أي: الذي يخنس، أي: ينصرف ويدبر ويولي ويذل أمام ذكر الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: من الجنة والناس:

قال تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس:6] أي: أن الوساوس تكون من الجن وتكون من بني آدم، أما وسوسة الجن فظاهر؛ لأنه يجري من بني آدم مجرى الدم، وأما وسوسة بني آدم فما أكثر الذين يأتون للإنسان يوحون إليه بالشر، ويزينونه في قلبه حتى يأخذ هذا الكلام بلبه وينصرف إليه.

هذه السور الثلاث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أوى إلى فراشه نفث في كفه ومسح بذلك وجهه وما استطاع من بدنه، وربما قرأها خلف الصلوات الخمس.

فينبغي للإنسان أن يتحرى السنة في تلاوتها في مواضعها، كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وبهذا نختم آخر جزء في القرآن وهو جزء النبأ، لكنه قد فاتنا سورة وهي سورة الإنفطار.