تفسير سورة الفيل
مدة الملف
حجم الملف :
1906 KB
عدد الزيارات 1600

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الواحد بعد المائة والذي يتم في كل أسبوع في يوم الخميس، وهذا هو الخميس الثامن والعشرون من شهر ربيع الأول عام 1416هـ، نستعرض فيه استعراضاً خفيفاً لتفسير قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:1] إلى آخر السورة، لأنها السورة التي وقفنا عليها سابقاً. فيقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل:1] يخاطب النبي -صلى الله عليه وسلم-، أو يخاطب كل من يصح توجه الخطاب إليه، فعلى الأول يكون خطاب النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خطاباً له وللأمة؛ لأن أمته تابعة له، وعلى الثاني يكون الخطاب عاماً له ولأمته ابتداءً.

وعلى كل فإن الله يقرر ما فعل -سبحانه وتعالى- بأصحاب الفيل، وأصحاب الفيل هم أهل اليمن الذي جاءوا لهدم الكعبة بفيل عظيم، أرسله إليهم ملك الحبشة، وسبب ذلك أن ملك اليمن أراد أن يصد الناس عن الحج إلى بيت الله -عز وجل-، فبنى بيتاً يشبه الكعبة، ودعا الناس إلى حجه ليصدهم عن حج بيت الله، فغضب لذلك العرب وذهب رجل منهم إلى هذا البيت الذي جعله ملك اليمن بدلاً عن الكعبة، وتغوط فيه، ولطخ جدرانه بالقذر، فغضب ملك اليمن غضباً شديداً وأخبر ملك الحبشة بذلك، فأرسل إليه هذا الفيل العظيم قيل: وكان معه ستة فيلة لتساعده.

فجاء هذا الرجل -أعني ملك اليمن- بجنوده ليهدم الكعبة على زعمه، ولكن الله -سبحانه وتعالى- حافظ بيته، لما وصل إلى مكان يسمى المغمس وقف الفيل وأبى أن يتجه إلى الكعبة، فزجره سائسه ولكنه أبى، إذا وجهوه إلى اليمن انطلق يهرول، وإن وجهوه إلى مكة وقف، وهذه آية من آيات الله -عز وجل-، ثم بقوا حتى أرسل الله عليهم طيراً أبابيل: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ قال العلماء: طيراً أبابيل أي: جماعات متفرقة، كل طير في منقاره حجر صلب من سجيل؛ وهو الطين المحروق، لأنه يكون أصلب، وهذا الحجر ليس كبيراً، بل هو صغير يضرب الواحد من هؤلاء مع رأسه ويخرج من دبره والعياذ بالله: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل:5] أي: كزرع أكلته الدواب ووطأته بأقدامها حتى تفتت، هذا مجمل ما في هذه السورة العظيمة التي بين الله -سبحانه وتعالى- فيها ما فعل بأصحاب الفيل، وأن كيدهم صار في نحورهم، وهكذا كل من أراد الحق بسوءٍ؛ فإن الله تعالى يجعل كيده في نحره.

وإنما حمى الله -عز وجل- الكعبة عن هذا الفيل، مع أنه في آخر الزمان سوف يسلط عليها رجلاً من الحبشة يهدمها حجراً حجراً حتى تتساوى بالأرض؛ لأن قصة أصحاب الفيل مقدمة لبعثة محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- التي يكون فيها تعظيم البيت، ثم في آخر الزمان فإن أهل البيت إذا أهانوه وأرادوا به إلحاداً وظلماً ولم يعرفوا قدره حينئذٍ يسلط الله عليه من يهدمه حتى لا يبقى على وجه الأرض، ولهذا يجب على أهل مكة خاصة أن يحترزوا من المعاصي والذنوب والكبائر؛ لئلا يهينوا الكعبة فيذلهم الله -عز وجل-.

نسأل الله تعالى أن يحمي ديننا وبيته الحرام من كيد كل كائد إنه على كل شيء قدير.