تفسير سورة العاديات
مدة الملف
حجم الملف :
4431 KB
عدد الزيارات 1477

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث من لقاء الباب المفتوح، والذي يتم كل يوم خميس، وهذا هو اليوم السادس عشر من شهر محرم عام (1416هـ) نبتدئ هذا اللقاء بما يسر الله تعالى من تفسير سورة العاديات يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً ۞فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً ۞فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً ۞فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً ۞فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات:1-5] إلى آخر السورة.

تفسير قوله تعالى: والعاديات ضبحاً:

ولا يخفى على الجميع أن هذا قسم ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً﴾ [العاديات:1] وأن العاديات صفة لموصوف محذوف، فما هو هذا الموصوف: هل المراد الخيل، يعني: والخيل العاديات.

أو المراد الإبل، يعني: والإبل العاديات؟ في هذا قولان للمفسرين: فمنهم من قال: إن الموصوف هي الإبل، والتقدير: والإبل العاديات، ويعني بها: الإبل التي تعدوا من عرفة إلى مزدلفة ثم إلى منى وذلك في مناسك الحج.

واستدلوا لهذا: بأن هذه السورة مكية، وأنه ليس في مكة جهاد على الخيل حتى يقسم بها.

أما القول الثاني من جمهور المفسرين وهو الصحيح: فإن المحذوف هو الخيل، والتقدير: والخيل العاديات، والخيل العاديات معلومة للعرب حتى قبل مشروعية الجهاد، هناك خيلٌ تعدوا على أعدائها سواء بحق أو بغير حق فيما قبل الإسلام.

أما بعد الإسلام فالخيل تعدوا على أعدائها بحق، يقول الله تعالى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ﴾ والعادي: اسم فاعل من العدو وهو سرعة المشي والانطلاق، وقول: ضَبْحاً الضبح: ما يسمع من أجواف الخيل حين تعدوا بسرعة يكون لها صوت يخرج من صدورها، وهذا يدل على قوة سعيها وشدته.

تفسير قوله تعالى: فالموريات قدحاً:

قال تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾ [العاديات:2] الموريات: من أورى أو ورى بمعنى قدح، ويعني بذلك: قدح النار حينما يضرب الأحجار بعضها بعضاً. كما هو مشهور عندنا في حجر المرو فإنك إذا ضربت بعضه ببعض انقدح، هذه الإبل لقوة سعيها وشدتها وضربها الأرض، إذا ضربت الحجر ضربت الحجر الثاني ثم يشعل ناراً؛ وذلك لقوتها وقوة سعيها وضربها الأرض ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً﴾.

تفسير قوله تعالى: فالمغيرات صبحاً:

قال تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً﴾ [العاديات:3] أي: فالتي تغير صباحاً على العدو، وهذا أحسن وقت يغار به على العدو أن يكون في الصباح؛ لأنه في غفلة ونوم، وحتى لو استيقظ من الغارة فسوف يكون على كسل وعلى إعياء، فاختار الله -عز وجل- للقسم بهذه الخيول أحسن وقت للإغارة وهو الصباح، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يغير على قوم في الليل، بل ينتظر فإذا أصبح إن سمع أذاناً كف وإلا أغار.

تفسير قوله تعالى: فأثرن به نقعاً:

قال تعالى: ﴿فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً﴾ [العاديات:4] أي: أثرن بهذا العدو، وهذه الإغارة (نقعاً): وهو الغبار الذي يثور من شدة السعي، فإن الخيل إذا سعت واشتد عدوها في الأرض صار لها غبار من الكر والفر.

تفسير قوله تعالى: فوسطن به جمعاً:

قال تعالى: ﴿فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً﴾ [العاديات:5] توسطن بهذا الغبار (جمعاً) أي: جموعاً من الأعداء، أي: أنها ليس لها غاية ولا تنتهي غايتها إلا وسط الأعداء، وهذا غاية ما يكون من منافع الخير، مع أن الخيل كلها خير كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».

أقسم الله تعالى بهذه العاديات من الخيل التي بلغت الغاية: وهو الإغارة على العدو، وتوسط العدو من غير خوف ولا تعب ولا ملل.

تفسير قوله تعالى: إن الإنسان لربه لكنود:

أما المقسم عليه فهو الإنسان فقال: ﴿إِنَّ الإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات:6] والمراد بالإنسان هنا الجنس، أي: أن جنس الإنسان إذا لم يوفق للهداية فإنه كفور لنعمة الله -عز وجل-، كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:72] وقيل المراد بالإنسان هو الكافر.

فعلى هذا يكون عاماً أريد به الخاص، والأظهر: أن المراد به العموم، وأن جنس الإنسان لولا هداية الله لكان كنوداً لربه -عز وجل-، والكنود: هو الكفور، أي: كافراً لنعمة الله -عز وجل-.

يرزقه الله -عز وجل- فيزداد بهذا الرزق عتواً ونفوراً، فإن من الناس من يطغى إذا رآه قد استغنى عن الله، وما أكثر ما أفسد الغنى من بني آدم، فهو كفور بنعمة الله -عز وجل- يجحد نعمة الله ولا يقوم بشكرها، ولا يقوم بطاعة الله؛ لأنه كنود لنعمة الله.

تفسير قوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ [العاديات:7] (إنه) الضمير قيل: يعود على الله، أي: أن الله تعالى يشهد على العبد بأنه كفور بنعمة الله. وقيل: إنه عائدٌ على الإنسان نفسه، أي: أن الإنسان يشهد على نفسه بكفر نعمة الله -عز وجل-.

والصواب: أن الآية شاملة لهذا وهذا، فالله شهيد على ما في قلب ابن آدم وشهيد على عمله، والإنسان أيضاً شهيدٌ على نفسه، لكن قد يقر بهذه الشهادة في الدنيا وقد لا يقر بها فيشهد على نفسه يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النور:24].

تفسير قوله تعالى: وإنه لحب الخير لشديد:

قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ﴾ [العاديات:8] أي: الإنسان ﴿لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات:8] الخير هو المال، كما قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة:180] أي: إن ترك مالاً كثيراً.

فالخير هو المال، والإنسان حبه للمال أمر ظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبّاً جَمّاً﴾ [الفجر:20] ولا تكاد تجد أحداً يسلم من الحب الشديد للمال.

أما مطلق الحب فهذا ثابت لكل أحد؛ ما من إنسان إلا ويحب المال، لكن الشدة ليست لكل أحد، بعض الناس يحب المال الذي تقوم به الكفاية ويستغني به عن عباد الله، وبعض الناس يريد أكثر، وبعض الناس يريد أوسع وأوسع، المهم أن كل إنسان فإنه محب للخير أي للمال، لكن الشدة يختلف فيها الناس من شخص لآخر.

تفسير قوله تعالى: أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور:

ثم إن الله تعالى ذكر للإنسان حالاً لا بد له منها فقال: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ [العاديات:9] فيعمل لذلك ولا يكون همه المال، أَفَلا يَعْلَمُ أي: يتيقن إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِأي: نشر وأظهر.

فإن الناس يخرجون من قبورهم لرب العالمين كأنهم جراد منتشر، يخرجون جميعاً بصيحة واحدة ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس:53].

تفسير قوله تعالى: وحصل ما في الصدور:

قال تعالى: ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:10] أي: ما في القلوب من النيات وأعمال القلب كالتوكل والرغبة والرهبة والخوف والرجاء وما أشبه ذلك.

وهنا جعل الله -عز وجل- العمدة ما في الصدور، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۞فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:9-10] لأنه في الدنيا يعامل الناس معاملة الظاهر، حتى المنافق يُعامَل كما يُعامَل المسلم حقاً، لكن في الآخرة العمل على ما في القلب، ولهذا يجب علينا أن نعتني بقلوبنا قبل كل شيء.

قبل الأعمال؛ لأن القلب هو الذي عليه المدار، وهو الذي سيكون الجزاء عليه يوم القيامة، ولهذا قال: وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ.

ومناسبة الآيتين بعضهما لبعض: أن بعثرة ما في القبور إخراج للأجساد من بواطن الأرض، وتحصيل ما في الصدور هو إخراج لما في الصدور مما تكنه، فالبعثرة بعثرة ما في القبور عما تكنه الأرض، وهنا عما يكنه الصدر، والتناسب بينهما ظاهر.

تفسير قوله تعالى: إن ربهم بهم يومئذٍ لخبير:

قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ [العاديات:11] أي: أن الله -عز وجل- (بهم) أي: بالعباد لخبير، وقال: بهم ولم يقل به مع أن الإنسان مفرد باعتبار المعنى، أي: أنه أعاد الضمير على الإنسان باعتبار المعنى؛ لأن معنى: (إن الإنسان) أي: أن كل إنسان، وعلق العلم في ذلك اليوم. ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾ لأنه يوم الجزاء والحساب، وإلا فإن الله تعالى عليم خبير في ذلك اليوم وفيما قبله، فهو -جل وعلا- عالم بما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.

هذا هو التفسير اليسير لهذه السورة العظيمة، ومن أراد البسط فعليه بكتب التفاسير التي تبسط القول في هذا، وإنما نحن نشير إلى المعاني إشارة موجزة، وقد بينا أول ما بدأنا في هذا الجزء المبارك أننا اخترنا هذا؛ لأنه كثيراً ما يسمعه الناس في الصلاة الجهرية في المغرب والعشاء والفجر.

نسأل الله لكم الهداية والتوفيق، وأن يجعلنا ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، إنه على كل شيء قدير.