تفسير سورة الزلزلة
مدة الملف
حجم الملف :
6239 KB
عدد الزيارات 1147

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو يوم الخميس التاسع من شهر محرم (عام 1416هـ) وهو اللقاء الثاني من هذا العام نبدؤه بتفسير قول الله تبارك: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:1].

يقول الله -عز وجل-: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا ۞ وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا ۞ وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا ۞ يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:1-4] هذا هو جواب الشرط.

تفسير قوله تعالى: إذا زلزلت الأرض زلزالها:

قال تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة:1] والمراد بذلك ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۞ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:1-2] وقوله: زلزالها أي: الزلزال العظيم الذي لم يكن مثله قط.

ولهذا يقول الله -عز وجل-: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج:2] من شدة ذهولهم وما أصابهم تجدهم كأنهم سكارى وما هم بسكارى بل هم صحاة لكن لشدة الهول صار الإنسان كأنه سكران، لا يدري كيف يتصرف ولا كيف يفعل.

تفسير قوله تعالى: وأخرجت الأرض أثقالها:

قال تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة:2] والمراد بهم أصحاب القبور، فإنه إذا نُفِخَ فِي الصُّورِ ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر:68] يخرجون من قبورهم لرب العالمين -عز وجل-، كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:6].

تفسير قوله تعالى: وقال الإنسان مالها:

قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة:3] (قال الإنسان) المراد به الجنس، أي: أن الإنسان البشر يقول: ما لها؟! أي شيء لها هذا الزلزال؛ ولأنه يخرج وكأنه كما قال الله تعالى: كأنه سكران، فيقول: ما الذي حدث لها وما شأنها؟ لشدة الهول.

تفسير قوله تعالى: يومئذٍ تحدث أخبارها:

قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة:4] أي: في ذلك اليوم إذا زلزلت ﴿تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزلزلة:4] أي: تخبر عما فعل الناس عليها من خير أو شر، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:  «أن المؤذن إذا أذن فإنه لا يسمع صوته شجر ولا مدر ولا حجر ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة» فتشهد الأرض بما سمع عليها من خير أو شر، وهذه الشهادة من أجل بيان عدل الله -عز وجل-، وأنه -سبحانه وتعالى- لا يؤاخذ الناس إلا بما عملوه، وإلا فإن الله بكل شيء محيط، ويكفي أن يقول لعباده -جل وعلا-: عملتم كذا وعملتم كذا، لكن من باب إقامة العدل وعدم إنكار المجرم؛ لأن المجرمين ينكرون أن يكونوا مشركين، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام:23] لأنهم إذا رأوا أهل التوحيد قد خلصوا من العذاب ونجوا منه أنكروا الشرك لعلهم ينجون، ولكنهم يختم على أفواههم وتتكلم الأيدي وتشهد الأرجل والجلود أيضاً والألسن كلها تشهد على الإنسان بما عمل، وحينئذٍ لا يستطيع أن يبقى على إنكاره بل يقر ويعترف، إلا أنه لا ينفع الندم في ذلك الوقت.

تفسير قوله تعالى: بأن ربك أوحى لها:

وقوله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:5] أي: بسبب أن الله أوحى لها، يعني: أذن لها في أن تحدث أخبارها، وهو -سبحانه وتعالى- على كل شيء قدير، إذا أمر شيئاً بأمر فإنه لا بد أن يقع، يخاطب الله الجماد، فيتكلم الجماد كما قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11] «وقال الله تعالى للقلم: اكتب، قال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيام» وقال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يس:65] فالله -عز وجل- إذا وجه الكلام إلى شيء ولو جماداً فإنه يخاطب الله ويتكلم ولهذا قال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا ۞ بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة:4-5].

تفسير قوله تعالى: يومئذٍ يصدر الناس أشتاتاً:

قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ [الزلزلة:6] يعني: يوم تزلزل الأرض زلزالها ﴿يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً﴾ [الزلزلة:6] أي: جماعات متفرقين، كل يتجه إلى مأواه، فأهل الجنة جعلنا الله وإياكم منهم يتجهون إليها، وأهل النار والعياذ بالله يساقون إليها ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْداً ۞ وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً ۞ لا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ [مريم:85-87] فيصدر الناس جماعات وزمراً على أصناف متباينة تختلف اختلافاً كبيراً كما قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:21].

تفسير قوله تعالى: ليروا أعمالهم:

قال تعالى: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:6] أي: يصدرون أشتاتاً فيروا أعمالهم، يريهم الله تعالى أعمالهم إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وذلك بالحساب وبالكتاب، فيعطى الإنسان الكتاب إما بيمينه، وإما بشماله، ثم يحاسب على ضوء ما في هذا الكتاب، يحاسبه الله -عز وجل-.

أما المؤمن فإن الله تعالى يخلو به وحده ويقرره بذنوبه ويقول: فعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا وفعلت كذا حتى يقر ويعترف، فإذا رأى أنه هلك قال الله -عز وجل-: «إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» وأما الكافر والعياذ بالله فإنه لا يعامل بهذه المعاملة بل ينادى على رءوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود:18] وقوله: ﴿لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ﴾ [الزلزلة:6] هذا مضاف، والمضاف يقتضي العموم، وظاهره: أنهم يرون الأعمال الصغيرة والكبيرة، وهو كذلك إلا ما غفره الله من قبل بحسنات أو دعاء أو ما أشبه ذلك فهذا يمحى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود:114] فيرى الإنسان عمله يرى عمله القليل والكثير، حتى يتبين له الأمر جلياً ويُعطى كتابه ويقال: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:14] ولهذا يجب على الإنسان ألا يقدم على شيء لا يرضي الله -عز وجل-؛ لأنه يعلم أنه مكتوب عليه، وأنه سوف يحاسب عليه.

تفسير قوله تعالى: فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره:

قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ۞ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8] (من) شرطية تفيد العموم، يعني: أي إنسان يعمل مثقال ذرة فإنه سيراها، سواء من الخير أو من الشر، ومثقال ذرة، يعني: وزن ذرة، والمراد بالذرة صغار النمل كما هو معروف، وليس المراد بالذرة الذرة المتعارف عليها اليوم كما ادعاه بعضهم؛ لأن هذه الذرة المتعارف عليها اليوم ليست معروفة في ذاك الوقت، والله -عز وجل- لا يخاطب الناس إلا بما يفهمون، وإنما ذكر الذرة؛ لأنها مضرب المثل في القلة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء:40] وإن من المعلوم أن من عمل ولو أدنى من الذرة فإنه سوف يجده، لكن لما كانت الذرة مضرب المثل في القلة قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7].

وقوله -تبارك وتعالى-: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:7] يفيد أن الذي يوزن هو الأعمال، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: فمن العلماء من يقول: إن الذي يوزن هو العمل، ومنهم من يقول: إن الذي يوزن هي صحائف الأعمال، ومنهم من يقول: إن الذي يوزن هو العامل نفسه، ولكل دليل، أما من قال: إن الذي يوزن هو العمل فاستدل بهذه الآية: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [الزلزلة:7] لأن تقدير الآية: فمن يعمل عملاً مثقال ذرة، واستدلوا أيضاً بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان» وهذا القول كما ترى له دليل من القرآن ومن السنة، لكن يشكل على هذا: أن العمل ليس جسماً يمكن أن يوضع في الميزان بل العمل عمل انتهى وانقضى، ولكن يجاب عن هذا:

أولاً: بأن يقال: على المرء أن يصدق بما أخبر الله به من أمور الغيب، وإن كان عقله قد يحار فيه ويتعجب ويقول: كيف يكون هذا؟ فعلينا التصديق؛ لأن قدرة الله تعالى فوق ما نتصور.

ثانياً: أن الله تعالى يجعل هذه الأعمال أجساماً توضع في الميزان وتثقل وتخف، والله تعالى قادر على أن يجعل الأمور المعنوية أجساماً كما صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في أن الموت يؤتى به على صورة كبش ويوقف بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة فيشرئبون ويطلعون لماذا نودوا، ويقال: يا أهل النار فيشرئبون ويطلعون لماذا نودوا، فيقال لهم: هل تعرفون هذا؟ فيقولوا: نعم هذا الموت مع أنه في صورة كبش، والموت معنىً ليس جسماً، ولكن الله تعالى يجعله جسماً يوم القيامة فيقال: «هذا الموت فيذبح أمامهم ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» وبهذا يزول الإشكال الوارد على هذا القول.

أما من قال: إن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، فاستدلوا بحديث صاحب البطاقة (الذي يؤتى يوم القيامة به ويقال: «انظر إلى عملك، فتمد له السجلات مكتوب بها العمل السيئ» -سجلات عظيمة- «فإذا رأى أنه قد هلك، أوتي بالبطاقة الصغيرة فيها: لا إله إلا الله، فيقول: يا رب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال له: إنك لا تظلم شيئاً، ثم توزن البطاقة في كفة والسجلات في كفة فترجح بهن البطاقة» وهي: لا إله إلا الله، قالوا: فهذا دليل على أن الذي يوزن هو صحائف الأعمال، وأما الذين قالوا: إن الذي يوزن هو العامل نفسه، فاستدلوا بحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنه كان ذات يوم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- فهبت ريح شديدة، فقام عبد الله بن مسعود فجعلت الريح تكفأه -لأنه نحيف القدمين والساقين-فجعل الناس يضحكون، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مم تضحكون؟» أو: «مم تعجبون؟ والذي نفسي بيده! إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد» وهذا يدل على أن الذي يوزن هو العامل.

فيقال: نأخذ بالقول الأول: أن الذي يوزن العمل، ولكن ربما يكون بعض الناس توزن صحائف أعماله، وبعض الناس يوزن هو بنفسه، فإن قال قائل: على هذا القول أن الذي يوزن هو العامل هل ينبني هذا على أجسام الناس في الدنيا؟ وأن صاحب الجسم الكبير العظيم يثقل ميزانه يوم القيامة؟

فالجواب: لا، لا ينبني على إنسان الدنيا، يؤتى بالرجل السمين الغليظ الكبير الواسع الجسم يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وهذا عبد الله بن مسعود يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن ساقيه في الميزان أثقل من أحد» فالعبرة ليست بثقل الجسم أو عدم ثقله يوم القيامة وإنما بما كان معهم من أعمال صالحة.

يقول الله -عز وجل-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ۞وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ [الزلزلة:7-8]. وفي هذه السورة كلها: التحذير والتخويف من زلزلة الأرض. وفيها: الحث على الأعمال الصالحة، وفيها: أن العمل لا يضيع مهما قلَّ حتى لو كان مثقال ذرة أو أقل فإنه لا بد أن يراه الإنسان ويطلع عليه يوم القيامة.

نسأل الله تعالى أن يختم لنا ولكم بالخير والسعادة والصلاح والفلاح، وأن يجعلنا ممن يحشرون إلى الرحمن وفداً، إنه على كل شيء قدير.