تفسير آية من سورة البينة
مدة الملف
حجم الملف :
7689 KB
عدد الزيارات 988

الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثامن والثمانون من لقاءات الباب المفتوح التي تتم في كل خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس السادس من شهر ذي القعدة عام (1415هـ) وأرى أن نتكلم عما يتعلق بالمناسك لقرب وقته، ولكن ذكر لي الأخ موسى أنه قد سقط تفسير آية من سورة البينة هي قوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5].

تفسير قوله تعالى: وما أمروا إلا ليعبدوا الله:

قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [البينة:5] أي: أن الناس لم يؤمروا بشيء يتعلق بأمور الدنيا، أو بشيء يكلفهم، بل هو بشيء سهل عليهم وهو: عبادة الله -عز وجل-: ﴿لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة:5] فما هي العبادة؟ العبادة تطلق على معنيين:

المعنى الأول: التعبد، ويقال: هذا الرجل تعبد لله عبادة.

والمعنى الثاني: المتعبد به، فيقال: الصلاة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، وهكذا.

فعلى المعنى الأول: يكون معنى العبادة: تذلل العبد لربه -عز وجل- محبة وتعظيماً بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وعلى المعنى الثاني تكون العبادة هي: المتعبد به، يكون معناها كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في قوله: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال، فالصلاة عبادة، والطهارة عبادة، والزكاة عبادة، والصوم عبادة، والحج عبادة، وبر الوالدين عبادة، وصلة الأرحام عبادة، وكل عمل يقرب إلى الله تعالى فإنه عبادة، ولكن الله تعالى ذكر أن هذا الأمر مقرون بشيئين:

الأول: الإخلاص لله تعالى، أي: أن يقصد الإنسان بعبادته وجه الله والدار الآخرة، لا يقصد دنيا يصيبها، ولا امرأة يتزوجها، ولا جاهاً يشهره به عند الناس، ولا غير هذا من الأمور الدنيوية، فمن قصد سوى الله بعبادته فهو مشرك، حابط عمله، ودليل هذا قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ ۞ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [هود:15-16] وفي الحديث القدسي الصحيح «أن الله تعالى قال: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» وفي الحديث النبوي الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه» هذه أدلة وجوب الإخلاص للعبادة.

وأما الثاني: فهو الاتباع، يعني: اتباع شريعة الله؛ ودليله قوله تعالى: ﴿حُنَفَاءَ﴾ [البينة:5] والحنيف: هو المائل عما سوى شريعة الله -عز وجل-، مأخوذ من الحنف وهو ميل الإصبع.

فلا بد من اتباع الشريعة والدليل على ذلك قول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وقوله: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» فلا بد في العبادة من الإخلاص والمتابعة.

تفسير قوله تعالى: ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة:

وقوله -عز وجل-: ﴿وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة:5] هذه معطوفة على قوله: (يعبدوا) أي: ما أمروا إلا بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ونص عليهما؛ لأنهما أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين، والصلاة أوكد من الزكاة، ولهذا كان ترك الصلاة كفراً ولم يكن البخل بالزكاة كفراً.

تفسير قوله تعالى: وذلك دين القيمة:

قال تعالى: ﴿وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة:5] ذلك المشار إليه مما ذكر من عبادة الله على الوجه المذكور، الإخلاص والمتابعة، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، هو دين القيمة، أي: دين الملة القيمة؛ لأنها شريعة الله التي جاء بها رسوله محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

هذا هو تفسير الآية الكريمة ونرجو من الأخ موسى أن يلحقها في التفسير الذي سبق.

مسائل تتعلق بالحج: منزلة الحج في الدين الإسلامي: 

مسألة: ما منزلة الحج في الدين الإسلامي؟ الجواب: منزلته أنه أحد أركان الإسلام؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت الحرام».

وهو فرض بإجماع المسلمين المستند على كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97] وقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا». فمن تركه مع وجوبه عليه، فإن كان جاحداً لوجوبه فهو كافرٌ لجحده وجوبه، إلا إذا كان حديث عهدٍ بإسلام ولم يعرف أحكام الإسلام فهذا يعذر بجهله ويعلم، فإن أصر على الجحد بعد أن علم فهو كافر، وأما إذا تركه تهاوناً وتكاسلاً فإن القول الراجح: أنه لا يكفر؛ لأنه لا كفر بترك الأعمال إلا الصلاة فقط.

قال عبد الله بن شقيق -رحمه الله- وهو من التابعين: كان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة.

فمن تهاون في الحج حتى مات فإنه لا يكفر على القول الراجح، وإنما قلت على القول الراجح؛ لأن بعض العلماء يقول: إنه يكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران:97] أي: من كفر فلم يحج.

وهذا القول رواية عن الإمام أحمد -رحمه الله-، لكن القول الراجح هو ما فسرت لكم: أنه لا يكفر.

الزمن الذي فرض فيه الحج: 

مسألة: متى فرض الحج؟ نقول: فرض الحج في السنة التاسعة من الهجرة.

أما قبل ذلك فلم يفرض، والحكمة -والله أعلم- أن ما قبل السنة التاسعة كان البيت تحت ولاية المشركين؛ لأن مكة فتحت في السنة الثامنة من الهجرة وبقي النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد الفتح هناك آخر رمضان وأول شوال ثم قاتل ثقيفاً ولم ينته من قتاله إلا في أثناء ذي القعدة، ثم فرض الحج في السنة التاسعة، هذا هو القول الراجح من أقوال العلماء، وإن كان بعضهم يقول: إنه فرض في السنة السادسة; لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة:196] ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الآية أمر بالإتمام ليست بالابتداء، والكلام على الفرض ابتداءً.

حكم الحج على من تمت شروط الوجوب عليه: 

مسألة: هل يجب على الإنسان إذا تمت شروط الوجوب عليه أن يبادر بالحج، أو له أن يؤخر؟

الجواب: في هذا خلاف بين العلماء: منهم من يقول: إن له أن يؤخر، والصحيح: أنه ليس له أن يؤخر، وأنه يجب أن يبادر؛ لأن جميع الواجبات تجب على المبادرة إلا بالدليل، فإن قيل: كيف يصح أن نقول: إنه على الفور، وأنه يجب المبادرة به ونقول: أنه فرض في السنة التاسعة ولم يحج النبي -صلى الله عليه وسلم-؟ قلنا الجواب عن ذلك: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يحج في السنة التاسعة؛ لأن وفود المسلمين كثرت في تلك السنة، ولهذا تسمى هذه السنة: عام الوفود.

ومعلوم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا بقي بالمدينة يتلقى الوفود ويعلمهم الإسلام كان خيراً من أن يذهب إلى مكة ويحج، ومن ناحية أخرى: في السنة التاسعة حج المشركون مع المسلمين قبل أن يحرم عليهم قربان المسجد الحرام، وحجوا عراة، فأذن مؤذن المسلمين وأعلم الناس: ألا يحج بعد هذا العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان، فاختار الله لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن تكون حجته مع المسلمين خاصة، ليس فيها مشرك، ولا من يطوف بالبيت عريان.

شروط وجوب الحج:

المبحث الرابع: من الذي يجب عليه الحج؟ هل كل إنسان يجب عليه الحج؟ لا، بل قيد الله ذلك بقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران:97] فلا بد لوجوب الحج من شروط:

الأول: الإسلام.

والثاني: البلوغ.

والثالث: العقل.

والرابع: الحرية.

والخامس: القدرة وهي: الاستطاعة. خمسة شروط، فمن لم تتم في حقه هذه الشروط الخمسة فإن الحج لا يجب عليه.

أما شرط الإسلام: فالإسلام ضده الكفر، والكافر لا يجب عليه الحج، بل لو حج الكافر لم يقبل منه؛ لأن الإسلام شرط لصحة العبادات. الثاني: البلوغ، فمن هو دون البلوغ لا يجب عليه الحج، فلو فرض أن شاباً مات قبل أن يبلغ فإنه لا يُحج عنه على سبيل الوجوب؛ لأنه لم يجب عليه الحج، ولكن هل يجزئ أن يحج قبل أن يبلغ؟ بمعنى: هل يصح حجه قبل أن يبلغ؟ الجواب: نعم. يصح حجه قبل أن يبلغ؛ لحديث ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أن امرأة رفعت إلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صبياً فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم. ولك أجره» فيصح حج الصغير، ولكنه لا يجزئ عنه، إذا بلغ وجب عليه أن يعيد الحج، بل وجب عليه أن يؤدي الفريضة.

فإن قال قائل: هل تشيرون على الناس في هذه الأوقات أن يحرم صغارهم بالحج أو بالعمرة، أم تشيرون بعدم ذلك؟ فالجواب: أننا نشير بعدم ذلك، وألا يكلفوا صبيانهم الحج؛ لما في ذلك من الزحام الشديد الذي يكاد يهلك به البالغ والكبير؛ ولأنه يشغل أهله، فالإنسان إذا ذهب -مثلاً- للطواف في الموسم في هذا الزحام فإنه لا يدري أيشتغل بحفظ ولده، أو يشتغل بطوافه، فيؤدي إلى الإخلال بالطواف، لكن لو بقي الولد بالخيمة أو في المقر لكان الأب يؤدي طوافه بطمأنينة، والابن لا يتكلف، وما دامت المسألة ليست واجبة فلنأخذ برخصة الله -عز وجل-، فهذا هو الذي نشير به في هذه الأزمان للمشقة الشديدة على الصبي وعلى ولي الصبي.

الشرط الثالث: العقل. فمن ليس بعاقل لا يصح حجه، فلو أصيب الإنسان في عقله بحادث طرأ عليه، أو بجنون -نسأل الله العافية- أو بكبر وصل إلى حد الهذرات فإنه لا يصح حجه؛ لأنه ليس بعاقل.

والشرط الرابع: الحرية. هي ألا يكون الإنسان رقيقاً، أي: مملوكاً؛ لأن المملوك لا يستطيع أن يحج إذ هو مملوك لسيده، لكن لو حج الرقيق فهل يصح؟ الجواب: نعم. يصح حجه، ويكتب له أجر، لكن إذا أعتق وجب عليه أن يؤدي الفريضة؛ لأن حجه قبل أن يتحرر لا يجزئ عن الفرض، وقال بعض أهل العلم: إنه إذا حج بإذن سيده أجزأه عن الفريضة؛ لأن عدم وجوب الحج على الرقيق ليس بمعنى فيه، ولكن لحق سيده، فإذا أذن سيده بذلك فلا بأس، ونظير هذا الفقير لا يجب عليه الحج، لكن لو حج أجزأه عن الفريضة، وهذا القول هو الراجح، أي: أن الرقيق إذا حج بإذن سيده أجزأه عن الفريضة ما دام عاقلاً.

الشرط الخامس: الاستطاعة بالمال والبدن، فمن ليس عنده مال فلا حج عليه، كما أن الفقير الذي لا مال له ليس عليه زكاة، فالفقير الذي لا يستطيع الحج ليس عليه حج، ولو مات للقي الله -عز وجل- غير آثم؛ لأنه لا يستطيع، وأما العاجز بالبدن الذي لا يستطيع ببدنه فينظر إن كان عجزه طارئاً يرجى زواله قلنا: انتظر حتى يعافيك الله وتحج بنفسك، وإن كان عجزه دائماً كالمريض بالمرض الذي لا يرجى برؤه، أو الكبير الذي لا يستطيع فهذا يجب عليه أن ينيب من يحج عنه ويعتمر عنه، ومن الاستطاعة: أن يكون للمرأة محرم، فإن لم يكن لها محرم فلا حج عليها، فلو أنها ماتت وعندها أموال كثيرة ولم تحج لعدم وجود المحرم، فإنها تلقى الله تعالى غير آثمة؛ لأن هذه المرأة لا تستطيع من الناحية الشرعية، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى أن تسافر المرأة بدون محرم، أعلن ذلك في خطبة له في المدينة، فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال له النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «انطلق فحج مع امرأتك» فأمره أن يدع الغزوة وأن يذهب ويحج مع امرأته، وهذا دليل على أنه لا يمكن أن تحج المرأة بلا محرم، وما نراه اليوم من تهاون الناس في هذا فهو من الأمور التي نسأل الله -سبحانه وتعالى- ألا يصيبنا ببلاء بسببها.

فإنه إذا كان النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى أن تسافر المرأة بلا محرم وسأله هذا الرجل: أنه اكتتب في الغزوة، فأمره النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يدع الغزوة ويذهب ويحج مع امرأته.

وهذا دليل على تأكد المحرم، ولا سيما في أزماننا هذه حيث غلبت الشهوات على النفوس إلا من عصم الله.

الأول: الإسلام.

الثاني: البلوغ.

والثالث: العقل.

والرابع: الحرية.

والخامس: الاستطاعة.

فمتى تمت هذه الشروط وجب على الإنسان أن يذهب إلى الحج فوراً بدون تأخير؛ لأنه لا يدري ماذا يحدث له، فقد يكون عاجزاً بعد القدرة، وقد يكون فقيراً بعد الغنى، وقد يموت، وقد وجب عليه الحج، ثم يفرط الورثة في قضائه عنه، فالواجب على الإنسان إذا تمت شروط الوجوب في حقه أن يبادر.