توالي الطاعات بعد رمضان
مدة الملف
حجم الملف :
5605 KB
عدد الزيارات 1858

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على رسول الله وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فهذا هو اللقاء السادس والثمانون من اللقاءات التي يعبر عنها باللقاء المفتوح، يتم هذا في يوم الخميس الخامس عشر من شهر شوال من هذا العام، أسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل هذا اللقاء وما سبقه وما يلحقه إن شاء الله لقاء مباركاً نافعاً، وأبشركم -ولله الحمد- أن الله نفع به إذ يسر من يفرغ الأشرطة ويطبعها وينشرها في عباد الله، فنسأل الله أن يجزي الجميع خيراً، ويرزقنا وإياكم العلم النافع والعمل الصالح.

بعد شهر رمضان وبعد أن أدى المسلمون ما أدوا فيه من عبادة الله قد يلحق بعض الناس الفتور عن الأعمال الصالحة؛ لأن الشيطان يتربص بعباد الله الدوائر ويقعد لهم بكل صراط، وقد أقسم أن يأتي بني آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم وقال: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف:16] ولكن العاقل إذا تبصر واعتبر علم أنه لا انقطاع للعمل الصالح إلا بالموت؛ لقول الله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر:99] ولقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله» فلا ينقطع العمل إلا بالموت، ولهذا ينبغي لنا أن نغتنم فرص العمر ما دام الله تعالى قد أعطانا صحة وفراغاً، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك».

الصوم بعد رمضان: 

إذا انقضى شهر الصيام فلا يعني ذلك أن التعبد لله تعالى بالصيام قد انقضى، بل الصيام لا يزال مشروعاً في كل وقت، حتى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً» وهذا يلزم أن يكون الإنسان صائماً نصف الدهر بل أكثر؛ لأنه سيمر به رمضان يصومه شهراً كاملاً.

إذاً: فالصيام والحمد لله لا يزال عبادة مشروعة، وهناك أيام معينة يسن صيامها منها: يوم الإثنين ويوم الخميس، فإن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سئل عن صيام يوم الإثنين؟ فقال:  «ذاك يوم ولدت فيه، وبعثت فيه، أو أنزل علي فيه» وكان يصوم يوم الإثنين والخميس فقيل له في ذلك، فقال: «هما يومان تعرض فيهما الأعمال على الله تعالى؛ فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم».

ومما يسن صومه أيضاً: أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر من أوله، أو وسطه، أو آخره، فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، ولا يبالي أصامها من أول الشهر أو وسطه أو آخره، لكن الأفضل أن تكون في أيام البيض الثلاثة: الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر.

وكذلك يسن صيام تسع ذي الحجة؛ لأنه «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر» وصيام الأيام الصالحة، ويتأكد ذلك في يوم عرفة لغير الحجاج؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال فيه: «أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والباقية».

ومما يسن صومه أيضاً: يوم عاشوراء، ويصوم قبله يوماً أو بعده يوماً؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صام يوم عاشوراء ورغب فيه وقال: «أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبلها» ولما قدم إلى المدينة ووجد اليهود يصومونه فسألهم عن ذلك فقالوا: إنه يومٌ نجىّ الله فيه موسى وقومه، وأهلك فرعون وقومه، فنحن نصومه شكراً لله، فقال الرسول -عليه الصلاة والسلام-: «نحن أولى بموسى منكم» فصامه وأمر الناس بصيامه. والمهم أن التعبد لله تعالى بالصوم لا يزال مشروعاً والحمد لله، فلنحرص على الصيام حتى ننال أجره.

فإنه جاء في الحديث الصحيح أن الله تعالى قال: «كل عمل ابن آدم له، الحسنة بعشر أمثالها، إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به».

القيام بعد رمضان: 

أما القيام فما زال أيضاً مشروعاً، فإنه يسن القيام كل ليلة، والأفضل أن يكون بعد منتصف الليل إلى الثلث، ثم ينام السدس؛ لأن هذا هو قيام داود، وهو أفضل القيام: أن تنام نصف الليل الأول، ثم تقوم الثلث، ثم تنام السدس إلى أن يطلع الفجر؛ وذلك لأن هذا قيامٌ يشمل الراحة.

راحة البدن في أول الليل، وراحة البدن في آخر الليل، مع إدراك النزول الإلهي الذي يكون في الثلث الآخر من الليل، فإن ربنا -جل وعلا- ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: «من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» ولهذا يجد الإنسان لذة عظيمة في الصلاة في هذا الوقت، ومناجاة الله تعالى، حتى إنه يبقى طعمها في قلبه لا يزول أبداً، إلا أن يشاء الله.

فالقيام إذاً مشروع في كل وقت، لا تقل: انقضى رمضان فلا قيام، بل إن القيام في كل وقت وفي كل ليلة إلا أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نهى أن تخص ليلة الجمعة بقيام، أو يومها بصيام، فقال: «لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ولا يومها بصيام» ولهذا يكره أن يصوم الإنسان يوم الجمعة مفرداً له إلا لسبب، مثل أن يوافق يوم الجمعة يوم عرفة، أو يوم عاشوراء، أو يكون عليه قضاء من رمضان لا يتمكن من قضائه إلا في يوم الجمعة، فيصومه من أجل القضاء لا من أجل أنه يوم الجمعة فهذا لا بأس به.

الصدقة بعد رمضان: 

الصدقة مشروعة في كل وقت، وكل وقت تتقرب فيه إلى الله تعالى بالصدقة فإنك مأجور، غير مبتدع، ولا نشرع في دين الله ما ليس منه، بل إن إنفاقك اليومي على أهلك وعلى نفسك صدقة، كما ثبت ذلك عن رسول -صلى الله عليه وسلم-، إذاً فالمسلمون -ولله الحمد- يفعلون جميع ما يفعلون في شهر رمضان فلا ينبغي لهم أن يستحسنوا وأن يقولوا انتهى وقت العمل؛ فإن هذا من وساوس الشيطان وتثبيطه عن الخير.

نسأل الله تعالى أن يعيننا وإياكم على ذكره وشكره وحسن عبادته.

تفسير آيات من سورة البينة: 

بعد هذه الكلمة القصيرة التي أرجو من الله تعالى أن أكون أول من ينتفع بها وأن ينفعني وإياكم بما علمنا، بعدها نتكلم يسيراً على سورة البينة؛ لأننا انتهينا إليها، فيقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم، والكلام على البسملة قد تقدم كثيراً لنا في هذا المجلس وغيره، وبينا أن البسملة آية من كتاب الله، تكلم الله بها كما تكلم بالقرآن -جل وعلا-، ولكنها آية مستقلة، لا تعد من آية السورة التي بعدها، ولا من آية السور التي قبلها، بل هي مستقلة تبتدئ بها السور من الفاتحة إلى قل أعوذ برب الناسما عدا سورة براءة، فإنه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه افتتح سورة براءة بالبسملة؛ ولهذا أغفلها الصحابة -رضي الله عنهم-، لكن احتياطاً وخوفاً من أن تكون سورة مستقلة جعلوا بينها وبين سورة الأنفال فاصلة.

تفسير قوله تعالى: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب:

يقول الله -عز وجل-: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:1] أي: ما كان الكفار من أهل الكتاب والمشركين (منفكين) أي: تاركين لما هم عليه من الكفر حتى تأتيهم البينةوالذين كفروا من أهل الكتاب هم اليهود والنصارى سموا بذلك؛ لأن صحفاً بقيت عندهم إلى أن بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- مع ما فيها من التبديل والتحريف والتغيير، وإذا سمعتم في القرآن أهل الكتاب فالمراد بهم اليهود والنصارى، اليهود لهم التوراة، والنصارى لهم الإنجيل، أما المشركون فهم عبدة الأوثان من كل جنس، من بني إسرائيل ومن غيرهم.

يقول: لم يكنهؤلاء منفكين أي: تاركين لما هم عليه من الشرك والكفر ومنفكين عنه حتى تأتيهم البينةفما هي البينة؟

تفسير قوله تعالى: رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة:

قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنْ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ [البينة:2] البينة: كل شيء يبين به الحق فإنه يسمى بينة؛ ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «البينة على المدعي واليمين على المنكر» فكل ما بان به الحق فهو بينة، ويكون في كل شيء بحسبه، فما هي البينة التي ذكرها الله هنا؟ البينة قال: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً ۞ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:2-3] وهذا الرسول هو النبي محمد بن عبد الله الهاشمي القرشي -صلوات الله وسلامه عليه-، وجاء بصيغة نكرة رسولتعظيماً له؛ لأنه -عليه الصلاة والسلام- جديرٌ بأن يعظم التعظيم اللائق به دون نقص ولا غلو.

﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [البينة:2] أي: أن الله أرسله إلى العالمين بشيراً ونذيراً، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً﴾ [النساء:79] وقال الله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان:1] فهو محمد -عليه الصلاة والسلام-، مرسل من عند الله بواسطة جبريل -عليه الصلاة والسلام-؛ لأن جبريل هو رسول رب العالمين إلى رسله موكل بالوحي ينزل به على من يشاء الله من عباده.

إذاً: من المراد بالرسول؟ محمد، من أرسله؟ الله؛ لقوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ من هو الواسطة بين الرسول وبين الله؟ جبريل؛ لأن جبريل موكل بالوحي ينزل به على من يشاء من عباد الله.

﴿ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ يعني: يقرأ لنفسه وللناس صحفاً جمع صحيفة وهي الورقة، أو اللوح، أو ما أشبه ذلك مما يكتب به.

مطهرة;أي: منقاة من الشرك، ومن رذائل الأخلاق، ومن كل ما يسوء؛ لأنها نزيهة مقدسة.

تفسير قوله تعالى: فيها كتب قيمة:

قال تعالى: ﴿فِيهَا﴾ [البينة:3] أي: في هذه الصحف. 

﴿كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ [البينة:3] كتب أي: مكتوبات قيمة، فكتب: جمع كتاب، بمعنى: مكتوب.

والمعنى: أن في هذه الصحف مكتوبات قيمة كتبها الله -عز وجل-، ومن المعلوم أن الإنسان إذا تصفح القرآن وجده كذلك، أي: وجد أنه يتضمن كتباً أي مكتوبات قيمة.

انظر إلى ما جاء به القرآن من توحيد الله -عز وجل-، والثناء عليه وحمده وتسبيحه تجده مملوءاً بذلك، انظر لما في القرآن من وصف النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ووصف أصحابه المهاجرين والأنصار، ووصف التابعين لهم بإحسان، انظر إلى ما جاء به القرآن من الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وغير ذلك من الأخلاق الفاضلة، تجد أن كل ما جاء به القرآن فهو قيم، أي: قيم بنفسه، وكذلك هو مقيم لغيره.

تفسير قوله تعالى: وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة:

قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة:4] إذاً: أخبر الله بهذه الآية أنه لا يمكن أن ينفك هؤلاء الكفار من أهل الكتاب والمشركين حتى تأتيهم البينة، فلما جاءتهم بينة هل انفكوا عن دينهم؟ يعني: عن كفرهم وشركهم؟ استمع للجواب: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ يعني: لما جاءتهم البينة هل آمنوا؟ لا، ولكنهم اختلفوا، منهم من آمن ومنهم من كفر، فمن النصارى من آمن مثل النجاشي ملك الحبشة ، ومن اليهود من آمن أيضاً مثل عبد الله بن سلام -رضي الله عنه-، فمنهم من آمن ومنهم من كفر.

فمن علم الله منه أنه يريد الخير ويريد الدين لله آمن ووفق للإيمان، ومن لم يكن كذلك وفق للكفر، كذلك أيضاً من المشركين من آمن، وما أكثر المشركين من قريش الذين آمنوا، فصار الناس قبل بعثة الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يزالوا على ما هم عليه من الكفر حتى جاءتهم البينة، ثم لما جاءتهم البينة ما الذي حصل؟ تفرقوا واختلفوا، هنا قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران:105].

وسيأتي -إن شاء الله- بقية الكلام على هذه السورة؛ لأنه جاء وقت الأسئلة الآن.