تفسير سورة القدر
مدة الملف
حجم الملف :
6657 KB
عدد الزيارات 2978

الحمد لله والشكر لله على نعمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الخامس والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل خميس، وهذا هو الخميس الحادي عشر من شهر شعبان عام (1415هـ).

نبتدئه -كالمعتاد- بتفسير ما انتهينا إليه من الجزء الثلاثين من كتاب الله -عز وجل-، وقد انتهينا إلى سورة القدر حيث يقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ۞وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ۞لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:1-3].

تفسير قوله تعالى: إنا أنزلناه في ليلة القدر:

قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [القدر:1] الضمير هنا يعود إلى الله -عز وجل-، والهاء في قوله: (أنزلناه) يعود إلى القرآن، وذكر الله تعالى نفسه بالعظمة: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ دون أن يقول: إني أنزلته؛ لأنه -سبحانه وتعالى- العظيم الذي لا شيء أعظم منه، والله تعالى يذكر نفسه أحياناً بصيغة العظمة، مثل هذه الآية الكريمة ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9] ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس:12] وأحياناً يذكر نفسه بصيغة الواحد، مثل: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه:14] وذلك لأنه واحد عظيم، وباعتبار الصفة يأتي ضمير العظمة، وباعتبار الوحدانية يأتي ضمير الواحد، والضمير في قوله: أَنْزَلْنَاهُأعني ضمير المفعول به، وهي الهاء يعود إلى القرآن، وإن لم يسبق له ذكر؛ لأن هذا أمر معلوم، ولا يمكن لأحد أن يشك في أن المراد بذلك إنزال القرآن الكريم.

أنزله الله تعالى في ليلة القدر، فما معنى: إنزاله في ليلة القدر؟ الصحيح أن معناها: ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر، وليلة القدر في رمضان لا شك في هذا، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185] فإذا جمعت هذه الآية أعني ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ إلى هذه الآية التي نحن بصدد الكلام عليها، تبين لك أن ليلة القدر في رمضان، وبهذا نعرف أن ما اشتهر عند العامة من أن ليلة القدر هي ليلة النصف من شهر شعبان لا أصل له ولا حقيقة له، فإن ليلة القدر في رمضان، وليلة النصف من شعبان كليلة النصف من رجب وجمادى وربيع وصفر ومحرم وغيرهن من الشهور، لا تختص بشيء.

حتى ما ورد في فضل القيام فيها فهي أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، وكذلك ما ورد من تخصيص يومها وهو يوم النصف من شعبان بالصيام فإنها أحاديث ضعيفة لا تقوم بها حجة، لكن بعض العلماء -رحمهم الله- يتساهلون في ذكر الأحاديث الضعيفة فيما يتعلق بالفضائل، فضائل الأعمال أو الشهور أو الأماكن، وهذا أمر لا ينبغي؛ وذلك لأنك إذا سقت الأحاديث الضعيفة في فضل شيء ما، فإن السامع سوف يعتقد أن ذلك صحيحاً وينسبه إلى الرسول -عليه الصلاة السلام-، وهذا شيء كبير.

فالمهم أن يوم النصف من شعبان وليلة النصف من شعبان لا يختصان بشيء دون سائر الشهور، فليلة النصف لا تختص بفضل قيام، وليلة النصف ليست ليلة القدر ويوم النصف لا يختص بصيام، نعم شهر شعبان ثبت في السنة بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يكثر الصيام فيه حتى لا يفطر منه إلا قليلاً، وما سوى ذلك مما يتعلق بصيامه لم يثبت عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إلا ما لسائر الشهور، كفضل صوم ثلاثة أيام من كل شهر وأن تكون في الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وهي أيام البيض.

وقوله تعالى: ﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ ما معنى: (القدر) هل هو الشرف كما يقال: فلان ذو قدر عظيم أو ذو قدر كبير، أي: ذو شرف كبير.

أو المراد بالقدر التقدير؛ لأنه يقدر فيها ما يكون في السنة؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ ۞ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان:3-4] أي يفصل ويبين؟ من العلماء من قال هذا، ومن العلماء من قال بهذا، والصحيح: أنه شامل للمعنيين، فليلة القدر لا شك أنها ذات قدر عظيم وشرف كبير، وأنه يقدر فيها ما يكون في تلك السنة من الإحياء والإماتة والأرزاق وغير ذلك.

تفسير قوله تعالى:  وما أدراك ما ليلة القدر:

ثم قال -جل وعلا-: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ [القدر:2] وهذه جملة بهذه الصيغة يستفاد منها التعظيم والتفخيم وهي مطردة في القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ۞ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾ [الانفطار:17-18]، وقال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ ۞ مَا الْحَاقَّةُ﴾ [الحاقة:1-2] وقال تعالى: ﴿الْقَارِعَةُ ۞ مَا الْقَارِعَةُ ۞ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ [القارعة:1-3] فهذه الصيغة تعني التفخيم والتعظيم، فهنا قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ أي: ما أعلمك ليلة القدر وشأنها وشرفها وعظمها، ثم بين هذا بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:3] وهذه الجملة كالجواب؛ للاستفهام الذي سبقها، وهو قوله: ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ﴾ .

تفسير قوله تعالى:ليلة القدر خير من ألف شهر:

قال تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر:3] أي: من ألف شهر ليس فيه ليلة القدر، والمراد بالخيرية هنا: ثواب العمل فيها، وما ينزل الله تعالى فيه من الخير والبركة على هذه الأمة، ثم ذكر ما يحدث في تلك الليلة.

تفسير قوله تعالى: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر:

وقال تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾ [القدر:4] (تنزَّل) أي: تَنْزِلُ شيئاً فشيئاً؛ لأن الملائكة سكان السماوات -والسماوات سبع- تنزل الملائكة إلى الأرض شيئاً فشيئاً حتى تنزل الأرض، ونزول الملائكة في الأرض، عنوانٌ على الرحمة والخير والبركة، ولهذا إذا امتنعت الملائكة من دخول شيء كان ذلك دليلاً على أن هذا المكان التي امتنعت الملائكة من دخوله قد يخلوا من الخير والبركة: كالمكان الذي فيه الصور «فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة» يعني: صورة محرمة؛ لأن الصورة إذا كانت ممتهنة في فراش أو وسادة فأكثر العلماء على أنها جائزة، وعلى هذا فلا تمتنع الملائكة من دخول المكان؛ لأنه لو امتنعت لكان ذلك ممنوعاً.

فالملائكة تتنزل في ليلة القدر بكثرة ونزولهم خيرٌ وبركة، وقوله: بِإِذْنِ رَبِّهِمْأي: بأمره، والمراد به الإذن الكوني؛ لأن إذن الله أي أمره ينقسم إلى قسمين: إذنٌ كوني، وإذنٌ شرعي، فقوله تعالى: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21] أي: ما لم يأذن به شرعاً؛ لأنه قد أذن به قدراً فقد شرع من دون الله لكنه ليس بإذن الله الشرعي، وإذن قدري كما في هذه الآية: بِإِذْنِ رَبِّهِمْأي: بأمره القدري، وقوله: مِنْ كُلِّ أَمْرٍقيل: إن (من) بمعنى الباء، أي: بكل أمر مما يأمرهم الله به وهو مبهم لا نعلم ما هو لكننا نقول: إن تنزل الملائكة إلى الأرض عنوان على الخير والرحمة والبركة.

تفسير قوله تعالى: سلام هي حتى مطلع الفجر:

قال تعالى: ﴿ سَلامٌ هِيَ﴾ [القدر:5] الجملة هنا مكونة من مبتدأ وخبر والخبر فيها مقدم والتقدير: هي سلام، أي: هذه الليلة سلام، ووصفها الله تعالى بالسلام لكثرة من يسلم فيها من الآثام وعقوباتها، قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر ما تقدم من ذنبه» ومغفرة الذنوب لا شك أنها سلامة من وبائها وعقوباتها.

حتى مطلع الفجرأي: تتنزل الملائكة في هذه الليلة حتى مطلع الفجرأي: إلى مطلع الفجر، وإذا طلع الفجر انتهت ليلة القدر.

تحري ليلة القدر: 

سبق أن قلنا: أن ليلة القدر في رمضان لا شك، لكن في أي جزءٍ من رمضان أفي أوله أو وسطه أو آخره؟ نقول للجواب على هذا: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- اعتكف العشر الأول ثم العشر الأوسط تحرياً لليلة القدر، ثم قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكف العشر الأواخر.

إذاً: فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، وفي أي ليلة منها؟ الله أعلم، قد تكون في ليلة إحدى وعشرين، أو في ليلة ثلاثين، أو فيما بينهما، لم يأتِ تحديدٌ لها في ليلة معينة كل عام، ولهذا أوري النبي -صلى الله عليه وسلم- ليلة القدر ليلة إحدى وعشرين، ورأى في المنام أنه يسجد في صبيحتها في الماء والطين، فأمطرت السماء تلك الليلة، أي: ليلة إحدى وعشرين فصلى النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مسجده، وكان مسجده من عريش، لا يمنع تسرب الماء من السقف فسجد النبي -صلى الله عليه وسلم صباحها- أي: في صلاة الفجر في الماء والطين، ورأى الصحابة -رضي الله عنهم- على جبهته أثر الماء والطين، ففي تلك الليلة كانت في إحدى وعشرين، ومع ذلك قال: «التمسوها في العشر الأواخر» وفي رواية: «في الوتر من العشر الأواخر».

ورآها الصحابة ذات سنة من السنين في السبع الأواخر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر» يعني: في تلك السنة، أما في بقية الأعوام فهي في كل العشر، فليست معينة لكن أرجى ما تكون ليلة سبعٍ وعشرين، وقد تكون مثلاً في هذا العام ليلة سبعٍ وعشرين، وفي العام الثاني ليلة إحدى وعشرين، وفي العام الثالث ليلة خمس وعشرين وهكذا.

سبب إبهام الله لهذه الليلة: 

وإنما أبهمها الله -عز وجل- لفائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولى: بيان الصادق في طلبها من المتكاسل؛ لأن الصادق في طلبها لا يهمه أن يتعب عشر ليالٍ من أجل أن يدركها، والمتكاسل قد يكسل ويقول: ما دام لا أدري أي ليلة هي يكسل أن يقوم عشر ليالي من أجل ليلة واحدة.

الفائدة الثانية: كثرة ثواب المسلمين بكثرة الأعمال؛ لأنه كلما كثر العمل كثر الثواب.

وبهذه المناسبة: أود أن أنبه إلى غلط كثير من الناس في الوقت الحاضر حيث يتحرون ليلة سبع وعشرين في أداء العمرة، فإن في ليلة سبع وعشرين تجد المسجد الحرام قد غص بالناس وكثروا، وتخصيص ليلة سبع وعشرين بالعمرة من البدع؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يخصصها بعمرة في فعله، ولم يخصصها أي: ليلة سبع وعشرين بعمرة في قوله، فلم يعتمر ليلة سبع وعشرين من رمضان مع أنه كان في عام الفتح ليلة سبع وعشرين من رمضان كان في مكة ولم يعتمر، ولم يقل للأمة: تحروا ليلة سبع وعشرين في العمرة أو بالعمرة، وإنما أمر أن نتحرى ليلة سبعٍ وعشرين بالقيام فيها لا بالعمرة، وبه يتبين خطأ كثير من الناس، وبه أيضاً: أن الناس ربما يأخذون دينهم كابراً عن كابر على غير أساس من الشرع.

فاحذر أن تعبد الله إلا على بصيرة، بدليل من كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو عمل الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم.

وبهذا انتهى الكلام على سورة القدر، نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يبلغنا وإياكم إياها في هذا العام وفيما بعده على خير وسلام، وأن يتقبل منا ومنكم إنه على كل شيء قدير.