تفسير آيات من سورة العلق
مدة الملف
حجم الملف :
3798 KB
عدد الزيارات 1859

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اتبع هداه، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثالث والثمانون من اللقاءات الأسبوعية التي تتم كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس السابع والعشرون من شهر رجب عام (1415هـ).

نبتدئ هذا اللقاء بما يسر الله -سبحانه وتعالى- من تفسير سورة اقرأ، سورة العلق، انتهينا فيها إلى قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:5].

تفسير قوله تعالى: كلا إن الإنسان ليطغى:

قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الإِنْسَانَ لَيَطْغَى ۞أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:6-7] (كلا) في القرآن الكريم ترد على عدة معاني، منها: أن تكون بمعنى حقاً كما في هذه الآية، فكلا بمعنى حقاً، يعني: أن الله تعالى يثبت هذا إثباتاً لا مرية فيه.

تفسير قوله تعالى: أن رآه استغنى:

قال تعالى: ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق:7] الإنسان ليس شخصاً معيناً، بل المراد الجنس، كل إنسان من بني آدم إذا رأى نفسه استغنى فإنه يطغى من الطغيان: وهو مجاوزة الحد، إذا رأى أنه استغنى عن رحمة الله طغى ولا يبالي، إذا رأى أنه استغنى عن الله -عز وجل- في كشف الكربات وحصول المطلوبات صار لا يلتفت إلى الله ولا يبالي، وإذا رأى أنه استغنى بالصحة نسي المرض، وإذا رأى أنه استغنى في الشبع نسي الجوع، وإذا رأى أنه استغنى في الكسوة نسي العري، وهكذا.

فالإنسان من طبيعته الطغيان والتمرد متى رأى نفسه في غنى، ولكن هذا يخرج منه المؤمن؛ لأن المؤمن لا يرى أنه استغنى عن الله طرفة عين، فهو دائماً مفتقر إلى الله -سبحانه وتعالى- يسأل ربه كل حاجة، ويلجأ إليه عند كل مكروه، ويرى أنه إن وكله الله إلى نفسه وكله إلى ضعف وعجز وأنه لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، هذا هو المؤمن، لكن الإنسان من حيث هو الإنسان من طبيعته الطغيان، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب:72].

تفسير قوله تعالى: إن إلى ربك الرجعى:

ثم قال الله تعالى مهدداً هذا الطاغية: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:8] أي: المرجع، مهما طغيت وعلوت واستكبرت واستغنيت فإن مرجعك إلى الله -عز وجل-، كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ۞فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ۞إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ۞ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:23-26] وإذا كان المرجع إلى الله في كل الأمور فإنه لا يمكن لأحد أن يفر من قضاء الله أبداً، ولا من ثواب الله وعدله.

وقوله: إن إلى ربك الرجعىربما نقول: إنه أعم من الوعيد والتهديد، أي: أنه يشمل الوعيد والتهديد لكنه ربما يشمل ما هو أعم، فيكون المعنى: إن إلى الله المرجع في كل شيء، في الأمور الشرعية التحاكم إلى أي شيء؟ إلى الكتاب والسنة ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء:59] والأمور الكونية المرجع فيها إلى من؟ إلى الله: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ[الأنفال:9] فلا رجوع للعبد إلا إلى الله، كل أمور ترجع إلى الله -عز وجل- يفعل ما يشاء، حتى ما يحصل بين الناس من الحروب والفتن والشرور، فإن الله هو الذي قدرها لكنه قدرها لحكمة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:253] إذاً: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:8] يكون فيها تهديد لهذا الإنسان الذي طغى حين رأى نفسه مستغنياً عن ربه، وفيها أيضاً ما هو أشمل وأعم: وهو أن المرجع إلى الله تعالى في كل الأمور.

تفسير قوله تعالى: أرأيت الذين ينهى:

ثم قال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى ۞ عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:9-10] أي: أخبرني عن حال هذا الرجل، وتعجب من حال هذا الرجل الذي ينهى عبداً إذا صلى، فعندنا الآن ناهٍ وعندنا منهي، فمن هو الناهي؟ هو طاغية قريش أبو جهل، وكان يسمى في قريش أبا الحكم؛ لأنهم يتحاكمون إليه ويرجعون إليه، فاغتر بنفسه -والعياذ بالله- وشمت بالإسلام، ومات على الكفر كما هو معروف، هذا الرجل سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا جهل، ضد تسميتهم إياه أبا الحكم، وأما المنهي فهو محمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهو العبد: ﴿عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:10] أبو جهل قيل له: إن محمداً يصلي عند الكعبة أمام الناس فيفتنهم، ويصدهم عن أصنامهم وآلهتهم، فمر به ذات يوم وهو ساجد فنهى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقال: لقد نهيتك فلماذا تفعل؟ فانتهره النبي -عليه الصلاة والسلام-، فرجع، ثم قيل لأبي جهل: إنه -أي: محمداً -صلى الله عليه وسلم- ما زال يصلي، فقال: والله لئن رأيته لأطأن عنقه بقدمي، ولأرغمن وجهه بالتراب، فلما رآه ذات يوم ساجداً تحت الكعبة وأقبل عليه يريد أن يبر بيمينه وقسمه، لما أقبل عليه وجد بينه وبينه خندق من نار، وأهوال عظيمة، فنكص على عقبيه، وعجز أن يصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، هذا العبد الذي ينهى عبداً إذا صلى تتعجب من حاله كيف يفعل هذا؟! ولهذا جاء في آخر الآيات: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14] وأنه سيجازيه.

تفسير قوله تعالى: أرأيت إن كان على الهدى:

ثم قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ۞ أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ۞ أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ۞ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:11-14] (أرأيت) أي: أخبرني -أيها المخاطب- إن كان على الهدى من يعني به؟ الناهي أبو جهل، أو الساجد محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ يعني به الثاني، يقول: أرأيت إن كان هذا الساجد على الهدى فكيف تنهاه عنه؟ ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [العلق:12] قال بعض المفسرين: (أو) هنا بمعنى (الواو) يعني: وأمر بالتقوى، ولكن الصحيح: أنها على بابها للتنويع، أي: أرأيت إن كان على الهدى بما فعل من السجود والصلاة، أو أمر غيره بالتقوى؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأمر بالتقوى بلا شك، فهو صالح بنفسه مصلح لغيره ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14] يرى المنهي وهو الساجد محمدٌ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، الآمر بالتقوى، ويرى هذا العبد الطاغية الذي ينهى ﴿عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق:10].

تفسير قوله تعالى: ألم يعلم بأن الله يرى:

قال تعالى: ﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق:14] يرى سبحانه وتعالى علماً ورؤية، فهو -سبحانه وتعالى- يرى كل شيء مهما خفي ودق، ويعلم كل شيء مهما بعد ومهما كثر أو قل، فيعلم الآمر والناهي، ويعلم المصلي والساجد، ويعلم من طغى ومن خضع لله -عز وجل-، وسيجازي كل إنسان بعمله، والمقصود من هذا: تهديد هذا الذي ينهى عبداً إذا صلى، وبيان أن الله تعالى يعلم بحاله وحال من ينهاه، وسيجازي كلاً منهما بما يستحقه.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا وإياكم من الساجدين لله الآمرين بتقوى الله، على هدى من الله ونور إنه على كل شيء قدير.