تفسير آيات من سورة العلق
مدة الملف
حجم الملف :
6914 KB
عدد الزيارات 1641

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني والثمانون بعد المائة المعبر عنه بلقاء الباب المفتوح، والذي يكون كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس العشرون من شهر رجب عام (1415هـ) وكان من عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آية من كتاب الله -عز وجل-؛ لأن كتاب الله -سبحانه وتعالى- نزل لعدة حكم:

منها: التعبد لله تعالى بتلاوته، فإن تلاوة كتاب الله مما يقرب إلى الله، والحرف الواحد منه ثوابه عشر حسنات.

ومنها: أنه نزل من أجل التدبر لمعانيه، حيث قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29] وهذه الحكمة غفل عنها كثيرٌ من الناس، لا أقول: من عامة الناس بل حتى من طلبة العلم، تجد بعض الطلاب يعتنون بشرح الأحاديث أو كلام الفقهاء أو غيرهم من علماء الشريعة لكنهم لا يعتنون بتفسير كتاب الله -عز وجل-، مع أن كتاب الله هو أم الكتب كلها، وإليه مرجع الكتب، وكتاب الله -عز وجل- هو الذي كلفنا بأن نتدبر آياته وأن نتعظ بها، لهذا نرى أنه لا يليق بطالب العلم أن يعرض عن تفسير كتاب الله وهو يعتني بتفسير كلام غير الله -عز وجل-.

وابتدأنا هذا التفسير بسورة النبأ؛ لأن هذا الجزء كثيراً ما يقرأ في الصلوات كصلاة المغرب والعشاء، فيسمعه العامة، فيحسن أن يعرفوا معاني هذا الجزء من كتاب الله -عز وجل-، وآيات الله -سبحانه وتعالى- في الكتاب العزيز متشابهة، ربما تجد بعض الآيات بنصها ولفظها في موضع آخر، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة:73] هذه الآية وردت بلفظها في مكان آخر في كتاب الله وردت في التوبة ووردت في سورة التحريم، فكتاب الله يشبه بعضه بعضاً.

وفي هذا اللقاء سوف نشرح سورة (اقرأ) إذ أننا ولله الحمد أكملنا ما سبق.

تفسير قوله تعالى:اقرأ باسم ربك الذي خلق:

يقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1] وفي البسملة بحث سبقت الإشارة إليه لكن لا مانع من إعادته وهو: هل البسملة آية من السورة التي تليها، أم هي آية مستقلة؟ الصحيح: أنها آية مستقلة، وليست من السورة التي تليها. فلا هي من الفاتحة ولا من البقرة ولا من آل عمران، بل هي آية مستقلة، ولهذا لو أن الإنسان في الصلاة قرأ الفاتحة بغير البسملة فصلاته صحيحة؛ لأن البسملة ليست منها، لكن سورة براءة لم تكتب فيها البسملة؛ لأنها لم تنزل البسملة بينها وبين سورة الأنفال، لكن اشتبه على الصحابة حين جمعوا القرآن فجعلوا فاصلاً بين سورة الأنفال وسورة براءة ولم يكتبوا البسملة.

يقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۞خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۞اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۞الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۞عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:1-5] هذه الآيات هي أول ما نزل على الرسول -عليه الصلاة والسلام- من القرآن، نزلت عليه وهو يتعبد في غار حراء، وكان -صلى الله عليه وسلم- أول ما بدئ بالوحي أنه يرى الرؤيا في المنام فتأتي مثل فلق الصبح، يعني: يحدث ما يُصدِّق هذه الرؤيا.

وأول ما كان يرى هذه الرؤيا في ربيع الأول، فبقي ستة أشهر يرى مثل هذه الرؤيا ويراها تجيء مثل فلق الصبح، وفي رمضان نزل الوحي الذي يكون في اليقظة، والمدة بين ربيع الأول ورمضان ستة أشهر، وزمن الوحي ثلاثٌ وعشرون سنة؛ ولهذا جاء في الحديث: «الرؤية الصالحة جزءٌ من ستة وأربعين جزءاً من النبوة». لما كان يرى هذه الرؤيا التي تجيء مثل فلق الصبح حبب إليه الخلاء، يعني: أن يخلو بنفسه، ويبتعد عن هذا المجتمع الجاهلي.

فرأى -عليه الصلاة والسلام- أن أحسن ما يخلو به هذا الغار الذي في جبل حراء: وهو غار في قمة الجبل، لا يكاد يصعد إليه الإنسان القوي إلا بمشقة، فكان يصعده -عليه الصلاة والسلام- ويتحنف ويتعبد لله -عز وجل- فيما فتح الله عليه في هذا الغار الليالي ذوات العدد -أي: عدت ليال- ومعه زاد أخذه يتزود به من طعام وشراب، ثم ينزل ويتزود بمثله من أهله ويرجع ويتحنف الله -عز وجل-.

إلى أن نزل عليه الوحي وهو في هذا الغار، أتاه جبريل وأمره أن يقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، ومعنى: ما أنا بقارئ، أي: لست من ذوي القراءة، وليس المراد المعصية لأمر جبريل، لكنه لا يستطيع، ليس من ذوي القراءة، إذ أنه -صلى الله عليه وسلم- كان أمياً، كما قال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ [الأعراف:158] وقال الله: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:2] فكان لا يقرأ ولا يكتب، وهذه من حكمة الله أنه لا يقرأ ولا يكتب، حتى تتبين حاجته وضرورته إلى هذه الرسالة، وحتى لا يبقى لشاكٍ شكٌ في صدقه، وقد أشار الله إلى هذا في قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:48]. قال له: ما أنا بقارئ، فغطه مرتين أو ثلاثاً، ثم قال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۞خَلَقَ الْأِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۞اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۞الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۞عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:1-5] خمس آيات نزلت، فرجع بها النبي -صلى الله عليه وسلم- يرجف فؤاده من الخوف والفزع، حتى أتى إلى خديجة.

وحديث الوحي وابتلائه موجود في أول صحيح البخاري فمن أحب أن يرجع إليه فليرجع، يقول الله -عز وجل-: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1] قوله: باسم ربك قيل معناه: متلبساً بذلك، وقيل: مستعيناً بذلك، أي: اقرأ مستعيناً باسم الله؛ لأن أسماء الله تعالى كلها خير، كلها إعانة يستعين بها الإنسان؛ ولذلك يستعين بها الإنسان على وضوئه، ويستعين بها على أكله، ويستعين بها على جِماعه، فهي كلها عون، باسم ربك الذي خلق إلى آخر، وقال: ﴿ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق:1] دون أن يقول: باسم الله؛ لأن المقام مقام ربوبية وتصرف وتدبير للأمور وابتداء رسالة، فلهذا قال: باسم ربك إشارة إلى أنه -عليه الصلاة والسلام- قد رباه الله تعالى تربية خاصة، قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1] خلق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [الفرقان:2] وقال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر:62] فما من شيء في السماء ولا في الأرض من خفي وظاهر، وصغير وكبير إلا وهو مخلوق لله -عز وجل-؛ ولهذا قال: (خلق) وحذف المفعول إشارة للعموم؛ لأن حذف المفعول يفيد العموم؛ إذ لو ذكر المفعول لتقيد الفعل به، أي: لو قال: خلق كذا تقيد الخلق بما ذكر فقط، لكن إذا قال: (خلق) وأطلق صار عاماً، فهو خالق كل شيء -جل وعلا-، ثم قال: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:2] فنص وخص، خلق الإنسان تكريماً للإنسان وتشريفاً له؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء:70] فلهذا نص على خلق الإنسان.

تفسير قوله تعالى: خلق الإنسان من علققال تعالى: ﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ﴾ [العلق:2] أي: ابتدأ خلقه ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:2] اسم جمع علقة كشجر اسم جمع شجرة، والعلق عبارة عن دودة حمراء من الدم صغيرة، وهذا المنشأ الذي به الحياة؛ لأن الإنسان دم ولو تفرغ من الدم لهلك، وقد بين الله -عز وجل- أنه خلق الإنسان من علق ولكنه يتطور، وبين في آيات أخرى أنه خلق الإنسان من تراب، وفي آية أخرى أن خلقه من طين، وفي آية أخرى من صلصال كالفخار، وفي آية أخرى من ماء داثر، وفي آية أخرى من ماء مهين، وفي هذه الآية من علق، فهل في هذا تناقض؟ الجواب: لا يمكن أن يكون في كلام الله أو ما صح عن رسوله شيء من التناقض أبداً، فإن الله يقول: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [النساء:82] لكنه -سبحانه وتعالى- يذكر أحياناً مبدأ الخلق من وجه ومبدأ الخلق من وجه آخر، فخلقه من تراب، أي: أول ما خلق الإنسان من التراب، ثم صب عليه الماء فكان طيناً، ثم استمر مدة فكان حمأً مسنوناً، ثم طالت مدته فصار صلصالاً، أي: إذا ضربته بيدك تسمع له صلصلة كالفخار.

ثم خلقه -عز وجل- لحماً وعظماً وعصباً إلخ، وهذا ابتداء الخلق المتعلق بآدم، والخلق الآخر من بنيه منشئهم من نطفة وهي الماء المهين: وهي الماء الدافق، هذه النطفة تبقى في الرحم أربعين يوماً، ثم تتحول شيئاً فشيئاً، وفي تمام الأربعين تتقلب بالتطور والتدريج حتى تكون دماً ثم علقة، ثم تبدأ بالنمو والثخونة وتتطور شيئاً فشيئاً، فإذا تمت ثمانين يوماً انتقلت إلى مضغة؛ وهي قطعة من اللحم بقدر ما يمضغه الإنسان، وتبقى كذلك أربعين يوماً، فهذه مائة وعشرون يوماً وهي بالأشهر أربعة أشهر، وبعد أربعة أشهر يبعث الله إليه الملك الموكل بالأرحام فينفخ فيه الروح، فتدخل الروح في الجسد بإذن الله -عز وجل-، والروح لا نستطيع أن نعرف كنهها وحقيقتها ومادتها، ولا ندري من أي مادة هي؟ الجسد عرفنا أن أصله من التراب ثم في أرحام النساء من النطفة لكن الروح لا نعلمها ولا نعرف من أي جوهرٍ هي، ولا من أي مادة ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:85] فينفخ الملك الروح في هذا الجنين فيبدأ يتحرك؛ لأن نموه الأول كنمو الأشجار بدون إحساس، وبعد أن تنفخ فيه الروح يكون آدمياً يتحرك، ولهذا إذا سقط الحمل من البطن قبل أربعة أشهر دفن في أي مكان من الأرض بدون تغسيل ولا تكفين ولا صلاة عليه ولا يبعث؛ لأنه ليس آدمياً، وبعد أربعة أشهر إذا سقط يجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في المقابر؛ لأنه صار إنساناً، ويسمى أيضاً؛ لأنه يوم القيامة سيدعى باسمه، ويعق عنه، لكن العقيقة عنه ليست في التأكيد كالعقيقة عمن بلغ سبعة أيام بعد خروجه.

وعلى كل حال: هذا الجنين في بطن أمه يتطور حتى يكون بشراً، ثم يأذن الله -عز وجل- له بعد المدة التي أكثر ما تكون عادة تسعة أشهر فيخرج إلى الدنيا، وبهذه المناسبة: أود أن أبين أن للإنسان أربعة دور:

الأولى: في بطن أمه.

الثانية: في الدنيا.

الثالثة: في البرزخ.

الرابعة: في الجنة أو النار، وهي المنتهى.

﴿خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ [العلق:2] العلق اسم جمع علقة، وهي دودة من الدم معروفة، وهذا أول نشأة الإنسان الذي يتكون منه مادة الحياة وهو الدم.

تفسير قوله تعالى: اقرأ وربك الأكرم:

قال تعالى: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ۞الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ۞عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق:3-5] (اقرأ) تكرار للأولى، لكن هل هي توكيد أم تأسيس؟ الصحيح: أنها تأسيس، وأن الأولى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق:1] قرنت بما يتعلق بالربوبية:وربك الأكرم الذي علم بالقلم فيما يتعلق بالشرع، فالأولى فيما يتعلق بالقدر والثاني بما يتعلق بالشرع؛ لأن التعليم بالقلم أكثر ما يعتمد الشرع عليه؛ إذ أن الشرع يكتب ويحفظ، القرآن يكتب ويحفظ، السنة تكتب وتحفظ، كلام العلماء يكتب ويحفظ، فلهذا أعادها الله مرة ثانية.