تفسير سورة التين
مدة الملف
حجم الملف :
3659 KB
عدد الزيارات 1134

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الحادي والثمانون الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، ولقاؤنا هذا في يوم الخميس الثالث عشر من شهر رجب عام 1415هـ ونفتتحه كالعادة بتفسير كلام الله -عز وجل-.

وقد انتهينا من سورة الانشراح، وسنبدأ الآن بمعونة الله تعالى وتوفيقه بسورة التين.

تفسير قوله تعالى:والتين والزيتون:

يقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۞وَطُورِ سِينِينَ ۞ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين:1-3] إلى آخر السورة.

فقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ۞وَطُورِ سِينِينَ ۞وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين:1-3] إقسام بهذه الأشياء الأربعة، حيث أقسم الله تعالى بالتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين; يعني: مكة لأن السورة مكية، فالمشار إليه قريب وهو مكة، والتين هو الثمر المعروف، وكذلك الزيتون، وأقسم الله بهما ;لأنهما يكثران في فلسطين، و طور سينين أقسم الله به؛ لأنه الجبل الذي كلم الله عنده موسى -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وهذا البلد الأمين أقسم الله به أعني مكة؛ لأنها أحب البقاع إلى الله وأشرف البقاع عند الله -عز وجل-.

قال بعض أهل العلم: أقسم الله بهذه الثلاثة؛ لأن الأول التين والزيتون أرض فلسطين التي فيها الأنبياء وآخر أنبياء بني إسرائيل هو عيسى بن مريم -عليه الصلاة والسلام-، و بطور سينين ؛ لأنه الجبل الذي أوحى الله تعالى إلى موسى حوله، وأما البلد الأمين فهو مكة الذي بعث الله منه محمداً -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قال العلماء: ومعنى قوله:وطور سينين أي: طول البركة؛ لأن الله تعالى وصفه أو وصف ما حوله بالوادي المقدس.

تفسير قوله تعالى: لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم:

قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4] هذا هو المقسم عليه، أقسم الله تعالى أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وإذا تأملت الجملة التي فيها المقسم عليه تبين لك أنها مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، فأقسم الله أنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، في أحسن تقويم هيئة وخلقة، وفي أحسن تقويم: فطرة وقصداً؛ لأنه لا يوجد أحدٌ من المخلوقات أحسن من بني آدم خلقة، فالمخلوقات الأرضية كلها دون بني آدم في الخلقة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4].

تفسير قوله تعالى: ثم رددناه أسفل سافلين:

ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين:5] هذه الردة التي ذكرها الله -عز وجل- تعني: أن الله تعالى يرد الإنسان أسفل سافلين خلقة. كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [النحل:70] فكلما ازدادت السن في الإنسان يتغير إلى أردأ، لا في القوة الجسدية، ولا في الهيئة الجسدية، ولا في نضارة الوجه، ولا في غير ذلك، يرد أسفل سافلين، وإذا قلنا: أن أحسن تقويم تشمل حتى الفطرة التي جبل الله الخلق عليها، والعبادة التي تترتب أو تنبني على هذه الفطرة، فإنها إشارة إلى أن من الناس من تعود به حاله -والعياذ بالله- إلى أن يكون أسفل سافلين بعد أن كان في أعلى القمة من الإيمان والعلم، والآية تشمل المعنيين جميعاً.

تفسير قوله تعالى: إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون:

ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين:6] هذا استثناء من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ يعني: إلا المؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنهم لا يردون إلى أسفل السافلين؛ لأنهم متمسكون بإيمانهم وأعمالهم، فيبقون عليها إلى أن يموتوا، وقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ أي ثواب غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ غير مقطوع، ولا ممنون به أيضاً، فكلمة ممنون صالحة لمعنى القطع، وصالحة لمعنى المنة، فهم لهم أجرٌ لا ينقطع ولا يمن عليهم به، يعني: أنه إذا استوفوا هذا الأجر لا يمن عليهم فيقال: أعطيناكم وفعلنا وفعلنا، وإن كانت المنة لله -عز وجل- عليهم بالإيمان والعمل الصالح والثواب كلها منة من الله، لكن لا يمن عليهم به، أي: لا يؤذون بالمن كما يجري ذلك في أمور الدنيا، إذا أحسن إليك أحدٌ من الناس فربما يؤذيك بمنه عليك في كل مناسبة، يقول: فعلت بك وأعطيتك وما أشبه ذلك.

تفسير قوله تعالى: فما يكذبك بعد بالدين:

ثم قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:7] انتقل الله تعالى من الكلام على وجه الغيبة إلى الكلام على وجه المقابلة والخطاب، وقال: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ﴾ [التين:7] أي شيء يكذبك -أيها الإنسان- بعد هذا البيان بالدين، أي: بما أمر الله به من الدين؟ ولهذا كلما نظر الإنسان لنفسه وأصله وخلقته، وأن الله اجتباه وأحسن خلقته وأحسن فطرته، فإنه يزداد إيماناً بالله -عز وجل- وتصديقاً بكتابه وبما أخبرت به رسله.

تفسير قوله تعالى: أليس الله بأحكم الحاكمين:

ثم قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:8] وهذا الاستفهام للتقرير. يقرر الله -عز وجل- أنه أحكم الحاكمين، وأحكم هنا اسم تفضيل، وهو مأخوذ من الحكمة ومن الحكم، فالحكم الأكبر الأعظم الذي لا يعارضه شيء هو حكم الله -عز وجل-، والحكمة العليا البالغة هي حكمة الله -عز وجل-، فهو -جل وعلا- أحكم الحاكمين قدراً وشرعاً وله الحكم وإليه يرجع الأمر كله، فنحن حرصنا على أن يكون التفسير في آخر أجزاء القرآن؛ لأنه تكثر القراءة بها في الصلوات، والذي ينبغي لكل مؤمن أن يحرص على معرفة معاني كتاب الله -عز وجل-؛ لأنه لا يستقيم العمل بالقرآن إلا بمعرفة معناه، بل إن الله تعالى وصف الذين لا يعلمون المعنى بأنهم أميون، فقال: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78] يعني: إلا قراءة. وكثير من الناس اليوم إن لم أقل أكثرهم لا يعرفون من القرآن إلا اللفظ فقط، وحري بطلبة العلم أن يحرصوا في كل مناسبة إذا اجتمعوا بالعامة أن يأتوا بآية من كتاب الله ثم يفسرونها لا سيما ما يكثر تعداده على العامة مثل الفاتحة.

الفاتحة لو تأتي بكثير من الناس تريد أن تسأله عن معناها لا يعرف شيئاً منها.

نسأل الله أن يرزقنا العلم بكتابه وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، إنه على كل شيء قدير.