تفسير آخر سورة الليل
مدة الملف
حجم الملف :
4353 KB
عدد الزيارات 585

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء السادس والسبعون من اللقاء المعروف بلقاء الباب المفتوح، والذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الخامس عشر من شهر جمادى الأولى عام (1415هـ)، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل لقاءاتنا جميعاً لقاءات خير وبركة إنه على كل شيء قدير.

تفسير قوله تعالى: (إن علينا للهدى):

في هذا اللقاء نفتتحه بتفسير بقية سورة الليل، حيث قال الله -تبارك وتعالى-:﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ۞وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:12-13]. فقوله -عز وجل-:﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:12] فيه التزام من الله -عز وجل- أن يبين للخلق ما يهتدون به إليه، والمراد بالهدى هنا: هدى البيان والإرشاد، فإن الله -تعالى- التزم على نفسه بيان ذلك؛ حتى لا يكون للناس على الله حجة، وهذا كقوله تعالى:﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:163] إلى أن قال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء:165]. انتبهوا يا إخوان، لا يمكن للعقل البشري أن يستقل بمعرفة الهدى، ولذلك التزم الله -عز وجل- بأن يبين الهدى للإنسان: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:12]. وليعلم أن الهدى نوعان: 1- هدى توفيق فهذا لا يقدر عليه إلا الله. 2- هدى إرشاد ودلالة فهذا يكون من الله ويكون من الخلق؛ من الرسل والعلماء كما قال الله لنبيه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى:52]. أما هداية التوفيق فهي إلى الله، لا أحد يستطيع أن يوفق شخصاً إلى الخير، كما قال الله -تعالى-:﴿ إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:56]. إذا نظرنا إلى هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل:12] وجدنا أن الله -تعالى- بين كل شيء، بين ما يلزم الناس في العقيدة، وما يلزمهم في العبادة، وما يلزمهم في الأخلاق، وما يلزمهم في المعاملات، وما يجب عليهم اجتنابه في هذا كله، حتى قال أبو ذر -رضي الله عنه-: (لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر لنا منه علماً)، وقال رجل من المشركين لسلمان الفارسي : [علمكم نبيكم حتى الخراءة؟ قال: أجل، علمنا حتى الخراءة]. يعني: حتى آداب قضاء الحاجة علمها النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أمته، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ﴾ [المائدة:3].

تفسير قوله تعالى: (وإن لنا للآخرة والأولى): 

قال تعالى:﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:13] أي: لنا الآخرة والأولى، الأولى متقدمة على الآخرة في الزمن، لكنه في هذه الآية أخرها، فلماذا؟ نقول لفائدتين: الفائدة الأولى: معنوية، والفائدة الثانية لفظية. أما الفائدة المعنوية: فلأن الآخرة أهم من الدنيا؛ ولأن الآخرة يظهر فيها ملك الله -تعالى- تماماً، في الدنيا هناك رؤساء، وملوك، وأمراء يملكون ما أعطاهم الله -عز وجل- من الملك، لكن في الآخرة لا ملك لأحد: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾[غافر:16]؛ فلهذا قدم ذكر الآخرة من أجل هذه الفائدة المعنوية. أما الفائدة اللفظية: فيه مراعاة الفواصل أي: أواخر الآيات كلها ألف: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ۞وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ﴾[الليل:1-2] فلو قال: إن لنا للأولى والآخرة اختلفت رءوس الآيات، فمن ثم قال:﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:13]. هنا يتبين أن الله -سبحانه وتعالى- قال:﴿ إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى ۞وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:12-13] فما الفرق؟ الفرق أن الهدى التزم الله -تعالى- ببيانه، وإيضاحه للخلق، أما الملك فهو لله، ملك الآخرة والأولى؛ ولهذا قال:﴿ وَإِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَى﴾ [الليل:13].

تفسير قوله تعالى: (فأنذرتكم ناراً تلظى): 

ثم قال عز وجل: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى﴾ [الليل:14] ﴿أنذرتكم﴾ خوفتكم، والنار يعني بها نار الآخرة ﴿تلظى﴾ تشتعل، ولها أوصاف كثيرة في القرآن والسنة-أجارني الله وإياكم منها- .

تفسير قوله تعالى: (لا يصلاها إلا الأشقى): 

قال تعالى: ﴿لا يَصْلاهَا إِلاَّ الأَشْقَى﴾ [الليل:15] أي: لا يحترق بها إلا الأشقى، أي: الذي قدرت له الشقاوة -والعياذ بالله- والشقاوة ضد السعادة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود:106]،﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود:108]، فالمراد بالأشقى الذي لم تكتب له السعادة، هذا هو الذي يصلى النار التي تلظى،ثم بين هذا بقوله:﴿الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ [الليل:16]، التكذيب في مقابل الخبر، والتولي في مقابل الأمر والنهي، فهذا كذب الخبر ولم يصدق، قيل له: إنك سوف تبعث، قال: لا أبعث، قيل: في جنة ونار، قال: ما في جنة ونار، قيل: سيكون كذا وكذا، قال: لا يكون، هذا تكذيب، ﴿تولى﴾أي: أعرض عن طاعة الله، وأعرض عما جاءت به رسله، فهذا هو الأشقى -نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من الشقاوة- .

تفسير قوله تعالى: (وسيجنبها الأتقى): 

قال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الأَتْقَى﴾ [الليل:17] أي: يجنب هذه النار التي تلظى الأتقى؛ والأتقى: اسم تفضيل من التقوى، أي: الذي اتقى الله -تعالى- حق تقاته.

تفسير قوله تعالى: (الذي يؤتي ماله يتزكى): 

قال تعالى: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى ﴾[الليل:18] أي: يعطي ماله من يستحقه على وجه يتزكى به، أي: يتطهر به، قال الله -تعالى-: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [التوبة:103] فقوله: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:18] يفيد أنه لا يبذر، ولا يبخل، وإنما يؤتي المال على وجه يكون به التزكية، وضابط ذلك ما ذكره الله في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾ [الفرقان:67]، ونجد بعض الناس يعطيه الله مالاً ولكن يبخل ويقتر، حتى الواجب عليه لزوجته، وأولاده، وأقاربه لا يقوم به، ونرى بعض الناس قد قدر الله عليه الرزق، وضيق عليه بعض الشيء، ومع ذلك يذهب يتدين من الناس من أجل أن يكمل بيته حتى يكون مثل بيت فلان وفلان، أو من أجل أن يشتري سيارة فخمة كسيارة فلان وفلان، وكلا المنهجين والطريقين منهج باطل، الأول: قصر، والثاني: أفرط، والواجب على الإنسان أن يكون إنفاقه بحسب حاله ﴿يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ [الليل:18].

فإن قال قائل: هل يجوز أن يتدين الإنسان ليتصدق؟

الجواب: لا؛ لأن الصدقة تطوع، والتزام الدين خطر عظيم؛ لأن الدين ليس بالأمر الهين، الإنسان إذا مات فإن نفسه معلقة بدينه حتى يقضى عنه، وكثير من الورثة لا يهتم بدين الميت، تجده يتأخر يماطل وربما لا يوفيه -نسأل الله السلامة- وقد كان النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إذا قدمت إليه جنازة سأل: هل عليه دين له وفاء؟ فإن قالوا: لا قال: صلوا على صاحبكم ولم يصل عليه، وأخبر -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أن الشهادة في سبيل الله تكفر كل شيء إلا الدين، فالدين أمره عظيم، لا يجوز للإنسان أن يتهاون به.

تفسير قوله تعالى: (وما لأحد عنده من نعمة تجزى...): 

ثم قال: ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى ﴾[الليل:19] أي: أنه لا يعطي المال مكافأة على نعمة سابقة من شخص، ليس لأحد عليه فضل حتى يعطيه مكافأة، ولكنه يعطي ابتغاء وجه الله؛ولهذا قال:﴿ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الليل:20] فهو لا ينفق إلا طلب وجه الله، أي: طلب الوصول إلى دار كرامة الله التي يكون بها رؤية الله -عز وجل- .

تفسير قوله تعالى: (ولسوف يرضى): 

قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل:21] أي: سوف يرضيه الله -عز وجل- بما يعطيه من الثواب الكثير، وقد بين الله ذلك في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:261]. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من هؤلاء البررة الأطهار الكرام إنه على كل شيء قدير.