تفسير آيات من سورة الليل
مدة الملف
حجم الملف :
6919 KB
عدد الزيارات 1999

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الخامس والسبعون من لقاءات الباب المفتوح الذي يتم في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن من شهر جمادى الأولى عام (1415هـ). ونفتتح هذا اللقاء بتفسير سورة الليل.

تفسير قوله تعالى: (والليل إ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَذا يغشى ...):

قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ۞وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ۞وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى ۞إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:1-4]. فأقسم الله -تبارك وتعالى- بالليل﴿إذا يغشى ﴾أي: حين يغشى الأرض، ويغطيها بظلامه؛لأن الغشاء بمعنى الغطاء.

تفسير قوله تعالى: (والنهار إذا تجلى):

قال تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل:2] أي: إذا ظهر وبان؛ وذلك بطلوع الفجر الذي هو النور الذي هو مقدمة طلوع الشمس، والشمس هي آية النهار كما أن القمر آية الليل.

تفسير قوله تعالى: (وما خلق الذكر والأنثى):

قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [الليل:3] أي: وخلق الذكر والأنثى على أحد التفسيرين، حيث جعلت ما هنا مصدرية، أو والذي خلق الذكر والأنثى وهو الله -عز وجل- على التفسير الآخر، فعلى المعنى الأول يكون الله -سبحانه وتعالى- أقسم بخلق الذكر والأنثى، وعلى الثاني يكون الله -تعالى- أقسم بنفسه؛ لأنه هو الذي خلق الذكر والأنثى.

تفسير قوله تعالى: (إن سعيكم لشتى):

﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل:4] أي: إن عملكم لشتى أي: لمتفرق تفرقاً عظيماً، فأنت ترى الآن أن الله أقسم بأشياء متضادة، الليل ضد النهار، الذكر ضد الأنثى، السعي متضاد صالح وسيئ، فتناسب المقسم به والمقسم عليه، وهذا من بلاغة القرآن، فكأن الله -عز وجل- يقول: إن اختلاف الليل والنهار والذكر والأنثى أمر ظاهر لا يخفى، فكذلك أعمال العباد متباينة متفاوتة، منها الصالح، ومنها الفاسد، ومنها ما يخلط صالحاً، وفاسداً، كل ذلك بتقدير الله -عز وجل- والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

تفسير قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقى ...):

ثم فصل هذا السعي المتفرق فقال:﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾[الليل:5-7].﴿أما من أعطى﴾ أي: أعطى ما أمر بإعطائه من مال أو جاه أو علم. ﴿واتقى﴾ أي: اتقى ما أمر باتقائه من محرمات. ﴿وصدق بالحسنى﴾ أي: صدق بالقولة الحسنى وهي قول الله -عز وجل- وقول رسوله؛ لأن أصدق الكلام وأحسن الكلام كلام الله -عز وجل- . ﴿ فسنيسره لليسرى ﴾، السين هنا للتحقيق أي: أن من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسييسره الله -عز وجل- لليسرى في أموره كلها، في أمور دينه ودنياه؛ ولهذا تجد أيسر الناس عملاً هو من اتقى الله -عز وجل-: من أعطى واتقى، وصدق بالحسنى، وكلما كان الإنسان أتقى لله كانت أموره أيسر له قال الله -تعالى-:﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق:4]، وكلما كان الإنسان أبعد عن الله كان أشد عسراً في أموره.

تفسير قوله تعالى: (وأما من بخل واستغنى):

ولهذا قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ ﴾[الليل:8] فلم يعط ما أمر بإعطائه. ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ [الليل:8] أي: عن الله -عز وجل- ولم يتق ربه بل رأى أنه في غنىً عن رحمة الله. نسأل الله العافية والسلامة.

تفسير قوله تعالى: (وكذب بالحسنى..): 

قال تعالى:﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾[الليل:9] أي: بالقولة الحسنى وهي قول الله ورسوله.﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾[ الليل:10] أي: ييسر للعسرى في الأمور كلها. ولكن قد يأتي الشيطان للإنسان فيقول: نجد أن الكفار أمورهم تتيسر فيقال: نعم، قد تتيسر أمورهم لكن قلوبهم تشتعل ناراً، وضيقاً، وحرجاً، كما قال تعالى:﴿ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام:125]، ثم ما ينعمون به فهو تنعيم جسد فقط، لا تنعيم روح، ثم هو أيضاً وبال عليهم؛ لقول الله -تعالى- فيهم:﴿ فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ ۞وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [القلم:44-45]، وقال النبي -صلى الله عليه آله وسلم-:«إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته»، وتلا قوله تعالى:﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:102]، وهؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ومع ذلك فإن هذه الدنيا جنة لهم بالنسبة للآخرة. وقد ذكروا عن ابن حجر العسقلاني شارح البخاري بالشرح الذي سماه فتح الباري وكان قاضي القضاة في مصر: أنه مر ذات يوم وهو على عربة تجره البغال والناس حوله برجل يهودي سمَّان -أي: يبيع السمن والزيت- وأنتم تعلمون أن بيّاع السمن والزيت تكون ثيابه وسخة وحاله سيئة، فأوقف العربة وقال لابن حجر: إن نبيكم يقول:«الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر»،فكيف أكون أنا بهذا الحال وأنت بهذه الحال؟! قال له ابن حجر على البديهة: أنا في سجن بالنسبة لما أعد الله تعالى للمؤمنين من الثواب والنعيم؛ لأن الدنيا بالنسبة للآخرة ليست بشيء كما قال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها»، وأما أنت -يقول لليهودي- فأنت في جنة بالنسبة لما أعد لك من العذاب إن مت على الكفر، فاقتنع بذلك اليهودي وصار ذلك سبباً في إسلامه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله واشهد أن محمداً رسول الله!!

تفسير قوله تعالى: (وما يغني عنه ماله إذا تردى): 

ثم قال -عز وجل-:﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل:11] يعني: أي شيء يغني عنه ماله إذا بخل به وتردى هو أي هلك، أي شيء يغني المال؟ لا يغني شيئاً.