تفسير آيات من سورة البلد
مدة الملف
حجم الملف :
4922 KB
عدد الزيارات 1170

الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى، ودين الحق؛ ليظهره على الدين كله، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو المجلس الحادي والسبعون من المجالس بل من اللقاءات التي تعرف بـ(لقاء الباب المفتوح) وهذا هو يوم الخميس، الخامس والعشرون من شهر ربيع الأول عام (1415هـ). نبتدئ هذا اللقاء بتكميل الكلام على سورة البلد حيث وقفنا على قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۞وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۞فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:11-13] إلى آخر السورة.

تفسير قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة):

قال تعالى: ﴿فَلا اقْتَحَمَ﴾ [البلد:11] أي: الإنسان الذي كان يقول:﴿ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً﴾ [البلد:6] ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:11] أي: هلا اقتحم العقبة، والاقتحام: هو التجاوز بمشقة، تجاوز الشيء بمشقة يسمى اقتحاماً، والعقبة: هي الطريق في الجبل الوعر، ولا شك أن اقتحام هذه العقبة صعب، شاق على النفوس، لا يتجاوزه أو لا يقوم به إلا من كان عنده نية صادقة في تجاوز هذه العقبة.

تفسير قوله تعالى: (وما أدراك ما العقبة):

قال تعالى:﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ [البلد:12] هذا الاستفهام للتشويق، والتفخيم أيضاً، أي: ما الذي أعلمك شأن هذه العقبة التي قال الله عنها: ﴿فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد:11]؟ بينها الله بقوله:﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ ۞أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ۞يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ۞أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ ۞ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا ....﴾ [البلد:16-17] الخ.

تفسير قوله تعالى: (فك رقبة):

قال تعالى:﴿ فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ [البلد:13] هي خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير هي فك رقبة، وفك الرقبة لها معنيان:

المعنى الأول: فكها من الرق، بحيث يعتق الإنسان العبيد المملوكين سواء كانوا في ملكه فيعتقهم، أو كانوا في ملك غيره فيشتريهم ويعتقهم، هذا نوع.

المعنى الثاني: فك رقبة من الأسر، فإن فكاك الأسير من أفضل الأعمال إلى الله -عز وجل- والأسير ربما لا يفكه العدو إلا بفدية مالية، وربما تكون هذه الفدية باهظة كثيرة، لا يقتحمها إلا من كان عنده إيمان بالله -عز وجل- بأن يخلف عليه ما أنفق، وأن يثيبه على ما تصدق.

تفسير قوله تعالى: (أو إطعام في يوم ذي مسغبة):

قال تعالى:﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾[البلد:14] وهذا من التنويع، وإما إطعام في يوم ذي مسغبة، أي: ذي مجاعة شديدة؛ لأن الناس قد يصابون بالمجاعة الشديدة؛ إما لقلة الحاصل من الثمار، والزروع، وإما لأمراض في أجسامهم يأكل الإنسان ولا يشبع، وهذا قد وقع فيما نسمع عنه في البلاد النجدية وربما في غيرها أيضاً، أن الناس يأكلون ولا يشبعون، يأكل الواحد مأكل العشرة ولا يشبع، ويموتون من الجوع فيتساقطون في الأسواق من الجوع، هذه من المساغب. أو قلة المحصول بحيث لا تثمر الأشجار، ولا تنبت الزروع؛ فيقل الحاصل وتحصل المسغبة؛ ويموت الناس جوعاً، وربما يهاجرون عن بلادهم، هذه إطعام في يوم ذي مسغبة.

تفسير قوله تعالى: (يتيماً ذا مقربة):

قال تعالى:﴿ يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ ۞أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:15-16] اليتيم: هو من مات أبوه قبل أن يبلغ سواء كان ذكراً أو أنثى، فإن بلغ فإنه لا يكون يتيماً؛ لأنه بلغ وانفصل، وكذلك أيضاً لو ماتت أمه فإنه لا يكون يتيماً خلافاً لما يظنه بعض العامة أن اليتيم من ماتت أمه وهذا ليس بصحيح، اليتيم من مات أبوه، لأنه لو مات أبوه لم يكن له كاسب من الخلق يكسب عليه، وقوله: ﴿ذا مقربة﴾ أي: ذا قرابة من الإنسان؛ لأنه إذا كان يتيماً كان له حظ من الإكرام، والصدقات، وإذا كان قريباً ازداد حظه من ذلك؛ لأنه يكون واجب الصلة، فمن جمع هذين الوصفين: اليتم، والقرابة فإن الإنفاق عليه من اقتحام العقبة، إذا كان ذلك في يوم مسغبة.

تفسير قوله تعالى: (أو مسكيناً ذا متربة):

قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد:16] المسكين: هو الذي لا يجد قوته، ولا قوت عياله، والمتربة: مكان التراب، والمعنى: أنه مسكين ليس بيديه شيء إلا التراب، ومعلوم أنه إذا قيل عن الرجل: ليس عنده إلا التراب فالمعنى: أنه فقير جداً، ليس عنده طعام، ولا كساء، ولا مال، فهو مسكين ذو متربة.

تفسير قوله تعالى: (ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة):

قال تعالى:﴿ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:17] ﴿ثم كان﴾ أي: ثم هو بعد ذلك ليس محسناً على اليتامى وعلى المساكين بل هو ذو إيمان بالله﴿ ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [البلد:17] ﴿الذين آمنوا﴾ بمن؟ آمنوا بكل ما يجب الإيمان به، وقد بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الذي يجب الإيمان به حين سأله جبريل عن الإيمان: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره». وكذلك من الإيمان بالله الأعمال الصالحات، والأعمال الصالحات هي: كل عمل يقرب إلى الله -عز وجل-، وهو مبني على الإخلاص، والمتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فلا يكون العمل عملاً صالحاً إلا بنية ومتابعة؛ بنية: أن يكون عملاً خالصاً لله، ومتابعة: بأن يكون العمل على وفق شريعة الله -سبحانه وتعالى- . فلو أن الإنسان عمل عملاً مخلصاً فيه غاية الإخلاص لكنه على خلاف هدي الرسول -عليه الصلاة والسلام- لم يقبل منه؛ وذلك لعدم الاتباع، ولذلك قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «إياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة»، وكذلك لو كان العمل على وفق الشريعة ظاهراً لكن فيه رياء فإنه لا يقبل، ولا يكون عملاً صالحاً؛ لقول الله -تبارك وتعالى- في الحديث القدسي:«أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». وقوله: ﴿وتواصوا بالصبر﴾ أي: أوصى بعضهم بعضاً بالصبر، والصبر ثلاثة أنواع: 1- صبر على طاعة الله. 2- صبر عن معصية الله. 3- صبر على أقدار الله المؤلمة. فهم صابرون متواصون بالصبر، وأي هذه الأنواع أفضل؟ الأفضل الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله المؤلمة، وقد اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة في الرسل -عليهم الصلاة والسلام- وأتباعهم. فهاهو الرسول -عليه الصلاة والسلام- صابر على طاعة الله، يجاهد في سبيل الله، ويدعو إلى الله، ويؤذى ويعتدى عليه بالضرب، حتى هم المشركون بقتله، وهو مع ذلك صابر محتسب. وهو أيضاً صابر عن معصية الله، لا يمكن أن يغدر بأحد، ولا يكذب على أحد، ولا يخون أحداً، وهو أيضاً متقٍ لله -تعالى- بقدر ما يستطيع، كذلك صابر على طاعة الله، كم أوذي في الله -عز وجل- من أجل طاعته! أليس قريش قد آذوه حتى إذا رأوه ساجداً تحت الكعبة أمروا من يأتي بسلى ناقة فيضعه على ظهره وهو ساجد -عليه الصلاة والسلام- وهو صابر في ذلك كله؟!! يوسف -عليه الصلاة والسلام- صبر على أقدار الله، وقد ألقي في البئر في غيابة الجب، وأوذي في الله في السجن ومع ذلك فهو صابر محتسب لم يتضجر، ولم ينكر ما وقع به. وقوله: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ أي: أوصى بعضهم بعضاً أن يرحم الآخر، والرحمة رحمة الله -عز وجل- أعني: رحمة الإنسان للمخلوقات تكون في البهائم، وتكون في الناطق، فهو يرحم آباءه وأمهاته، وأبناءه وبناته، وإخوانه وأخواته، وأعمامه وعماته.. وهكذا، ويرحم كذلك سائر البشر، وهو أيضاً يرحم الحيوان البهيم: فيرحم ناقته وفرسه، وحماره وبقرته، وشاته وغير ذلك، وقد قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:«ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء».

تفسير قوله تعالى: (والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة):

ثم قال -عز وجل-:﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ﴾ [البلد:19] لما ذكر المؤمنين ذكر الكافرين، فقال: (والذين كفروا بآياتنا) أي: جحدوا بها (هم أصحاب المشأمة) الضمير هنا جاء للتوكيد، ولو قيل في غير القرآن: والذين كفروا بآياتنا أصحاب المشأمة لصح، لكن هذا من باب التوكيد، والمشأمة يعني: الشماء أو الشؤم.

تفسير قوله تعالى: (عليهم نار مؤصدة):

قال تعالى:﴿ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ﴾ [البلد:20] أي: عليهم نار مغلقة -والعياذ بالله- لا يخرجون منها ولا يستطيعون.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.