تفسير آيات من سورة البلد
مدة الملف
حجم الملف :
4612 KB
عدد الزيارات 2198

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء التاسع والستون من اللقاءات الأسبوعية التي لُقِّبت بـ(لقاء الباب المفتوح)، والتي تتم في كل يوم خميس، وهذا هو الخميس العاشر من شهر ربيع الأول عام: (1415هـ).

نبتدئ هذا اللقاء بتفسير سورة البلد؛ لأننا قد بدأنا تفسير جزء عم من سورة النبأ. يقول الله -عزَّ وجلَّ-:﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ﴾ [الفاتحة:1]: البسملة آية مستقلة، وهي من كلام الله؛ لكنها ليست من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، بل هي آية مستقلة تُفْتَتَح بها السور إلا سورة براءة، فإن افتتاح سورة براءة بالبسملة من البدعِ، والخروجِ عن منهج الصحابة -رضي الله عنهم-، بل ونحن نعلم أن البسملة لم تنزل بين سورة الأنفال، وسورة التوبة؛ لأنها لو نزلت لحُفِظت، لقول الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9]؛ لكنها لم تنزل؛ إلا أن الصحابة عند جمع القرآن، وكتابته الكتابة الأخيرة أشكلت عليهم سورة براءة، هل هي من سورة الأنفال، أم أنها مستقلة، فوضعوا فاصلاً دون البسملة. ولي تعريجةٌ يسيرةٌ على ما سبق في الدرس الماضي في قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۞وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:25-26]، فإني قرأتهما هكذا بفتحِ كلٍّ مِن (يُعَذَّبُ) و(يُوْثَقُ)، وفسَّرتُهما على هذه القراءة؛ لأن في الآيتين المذكورتين قراءتين: القراءة الأولى: بالكسر، وهي التي في المصحف،﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۞وَلا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:25-26]، أي: لا يعذِّب عذابَ الله أحدٌ، بل عذابُ الله أشد، ولا يوثِق وثاقَ الله أحدٌ، بل وَثاقُ الله أشد. القراءة الثانية: بالفتح، وهي:﴿ فَيَوْمَئِذٍ لا يُعَذَّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ۞وَلا يُوثَقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ [الفجر:25-26]، أي: لا يعذَّب عذابَ هذا الرجل أحدٌ، ولا يوثَق وثاقَ هذا الرجل أحدٌ، وهذا هو الذي قرأنا الآيتين عليه، وفسرناهما به. فلأجل هذا جَرَى التنبيه.

تفسير قوله تعالى: (لا أقسم بهذا البلد): 

يقول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:1]. ﴿لا﴾ هذه: لاستفتاح الكلام وتوكيده، وليست نافية؛ لأن المراد إثبات القسم، يعني: أنا أقسم بهذا البلد، و(لا) هذه أتت هنا للتنبيه والتأكيد، و﴿ أُقْسِمُ﴾ القَسَم: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم على وجه مخصوص. إذاً: كلُّ شيء مَحْلُوفٍ به فإنه لابد أن يكون معظماً لدى الحالف، وقد لا يكون معظماً في حد ذاته، مثل الذين يحلفون باللات والعزى، فهي مُعَظَّمة عندهم؛ لكنها في الواقع ليست عظيمة ولا مُعَظَّمة. إذاً: فالحلف، أو القَسَم، أو اليمين -والمعنى واحد- هي: تأكيد الشيء بذكر مُعَظَّم عند الحالف، على صفة مخصوصة. وحروف القسم هي: الباء، والواو، والتاء. والذي في الآية الكريمة هنا: ﴿ لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ هو حرف الباء. ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ البلد هنا: مكة ، وأقسَمَ الله بها لشرفها وعِظَمها، فهي أعظم بقاع الأرض حرمة، وأحب بقاع الأرض إلى الله -عزَّ وجلَّ-؛ ولهذا بُعِث منها رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الذي هو سيد البشر -صلوات الله وسلامه عليه- . فجدير بهذا البلد الأمين أن يُقْسَم به؛ ولكن نحن لا نقسم به؛ لأنه مخلوق، وليس لنا الحق أن نقسم بالمخلوق، كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، أما الله -عزَّ وجلَّ- فإنه يُقْسم بما يشاء؛ ولهذا أقسم هنا بمكة في قوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:1].

تفسير قوله تعالى: (وأنت حل بهذا البلد): 

قال تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:2] قيل: المعنى: أقسم بهذا البلد حال كونك حالاًّ فيه؛ لأن حلول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- في مكة يزيدها شرفاً إلى شرفها. وقيل: المعنى: وأنت تستحل هذا البلد. فيكون إقسام الله -تعالى- بمكة حال كونها حِلاًّ للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك عام الفتح؛ لأن مكة عام الفتح أُحِلَّت للرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولم تُحَلَّ لأحد قبله، ولا تَحِلُّ بعد ذلك لأحد، كما قال -عليه الصلاة والسلام-،«وقد عادت حرمتُها اليوم كحرمتِها بالأمس». فيكون إقسام الله -تعالى- بهذا البلد مقيَّداً بما إذا كانت حِلاًّ للرسول، وذلك عام الفتح؛ لأنها في ذلك اليوم ازدادت شرفاً إلى شرفها، حيث طُهِّرت من الأصنام، وهُزِم المشركون، وفُتِحَت عليهم بلادهم عنوة، وصارت هذه البلد بعد أن كانت بلاد كفر؛ صارت بلاد إيمان، وبعد أن كانت بلاد شرك؛ صارت بلاد توحيد، وبعد أن كانت بلاد عناد صارت بلاد إسلام، فأشرف حالٍ لمكة كان عند الفتح. إذاً: في قوله: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:2] معنيان، أرجو أن يكونا على بالكم.

تفسير قوله تعالى: (ووالد وما ولد): 

قال تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ [البلد:3]: أي: وأقسم بالوالد وما ولد، فمَن المراد بالوالد؟ ومَن المراد بالولد؟ قيل: المراد بالوالد: آدم. وبالولد: بنو آدم. وعلى هذا تكون (ما) بمعنى (مَن) أي: ووالد ومَن وَلَد؛ لأن (مَن) للعقلاء، و(ما) لغير العقلاء. وقيل: المراد بالوالد وما ولد: كلُّ والد وما ولد؛ الإنسان، والبهائم، وكل شيء؛ لأن الوالد والمولود كلاهما من آيات الله -عزَّ وجلَّ-، كيف يخرج -مثلاً- هذا المولود حياً سوياً، سميعاً بصيراً، من نطفة ومن ماء؟! وهذا دليل على كمال قدرة الله -عزَّ وجلَّ-، حيث أن هذا الولد السوي يخرج من نطفة، ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [يس:77]، كذلك الْحشرات، وغيرها؛ تَخرج ضعيفة هزيلة، ثُمَّ تكبر إلى -ما شاء الله تعالى- مِن حَدٍّ. إذاً: الصحيح أن هذه عامة، تشمل كل والد، وكل مولود.

تفسير قوله تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد): 

قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4]. (اللام) هنا: واقعة في جواب القسم؛ لتزيد الجملة تأكيداً، وقد تزيد الجملة تأكيداً -أيضاً- فتكون جملةُ ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ مؤكَّدةً بثلاثة مؤكدات وهي: القسم، واللام، وقد. ﴿الْإِنْسَانَ ﴾اسم جنس يشمل كل فرد من بني آدم. ﴿فِي كَبَدٍ﴾ فيها معنيان: المعنى الأول: في استقامة، يعني: أنه خُلِق على أكمل وجه في الخِلْقة؛ مستقيماً، يمشي على قدميه، ويرفع رأسَه، وبدنُه معتدلٌ. والبهائم بالعكس منه؛ الرأس على حذاء الدبر. أليس كذلك؟! أما بنو آدم فلا، الرأس مرتفع أعلى البدن، فهو كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين:4]. المعنى الثاني: قيل: المراد بالكبد: مكابدة الأشياء، ومعاناتها، وأن الإنسان يعاني المشقة في أمور الدنيا، في طلب الرزق، وفي إصلاح الحرث، وفي غير ذلك، ويعاني -أيضاً- معاناة أشد مع نفسه، ومجاهدتها على طاعة الله، واجتناب معاصي الله، وهذا هو الجهاد الذي يُعتبر أشد من معاناة طلب الرزق، ولاسيما إذا ابتُلي الإنسان ببيئة منحرفة، وصار بينهم غريباً، فإنه سيجد المشقة في معاناة نفسه، وفي معاناة الناس أيضاً. فإن قال قائل: أفلا يمكن أن تكون الآية شاملةً للمعنيين؟ الجواب: بلى، وهكذا ينبغي إذا وجدتَ في الكتاب العزيز آية تحتمل معنيين، وليس بينهما مناقضة، فاحملها على المعنيين؛ لأن القرآن أشمل، وأوسع. فإن كان بينهما مناقضة فانظر الراجح، فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] فـ﴿قُرُوء﴾: جمع قَرْء، بفتح القاف، فما هو القَرْء؟ قيل: هو الحيض. وقيل: هو الطهر. فهنا لا يمكن أن تحمل الآية على المعنيين جميعاً، لماذا؟! للتناقض. لكن اطلب المرجِّح لأحد القولَين، وخُذْ به. فهنا نقول: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4] يصح أن تكون الآية شاملةً للمعنيين: أي: في حسن قامة واستقامة، وفي كبد بمعاناة لمشاق الأمور. ولنقتصر على هذا القدر من آيات الله البينات، لنتفرغ للأسئلة.

ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعلنا جميعاً ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.