تفسير آيات من سورة البروج
مدة الملف
حجم الملف :
4915 KB
عدد الزيارات 3778

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد: نفتتح لقاءنا هذا، وهو اللقاء الثاني من شهر ربيع الثاني، يوم الخميس الحادي والعشرين من شهر ربيع الثاني عام (1414هـ)، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يبارك لنا جميعاً في أعمارنا وأعمالنا، وأن يجعل خير أعمارنا آخرها، وخير أعمالنا خواتمها، وخير أيامنا وأسعدها يوم نلقاه. هذه اللقاءات المباركة بين العلماء وطلبة العلم، وبين طلبة العلم وعوام الناس، لا شك أنها لقاءات خيرة ونافعة، تجعل الناس يستبصرون في دينهم، ويتآلفون فيما بينهم، ويشكو بعضهم إلى بعض حوائجه ونوائبه، ولا غرابة في ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» وهذا هو الواجب في حق الأمة الإسلامية أن تكون جسداً واحداً، إذا تألم منه عضو تألم سائر الجسد له حتى يبرأ ويهدأ، وكذلك يجب أن يكونوا كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أصابعه إشارةً إلى أن البنيان كلما تراصّ وتلاءم كان أقوى له. لقاءاتنا هذه ولله الحمد فيها بركة، يستفيد منها الحاضرون، ويستفيد منها المستمعون، ويستفيد منها السامعون بما مَنَّ الله به علينا في هذا الزمن من تسهيل الأشرطة المنتشرة بين الناس. فقد يكون الإنسان قائداً لسيارته وهو يستمع إلى الشيخ يحدثه بدون تعب ولا ملل، ويكون الإنسان مضطجعاً في فراشه وهو يستمع إلى العلم، كل هذا بما مَنَّ الله به علينا من هذه الأشرطة، ولذلك نرى، ولله الحمد آثار هذه الأشرطة في البيوت عند الصغار والكبار والنساء والرجال، وهذا لا شك أنه من الخير والبركة. ومن عادتنا أننا نفتتح اللقاء بكلام على آيات من القرآن الكريم، ابتدأناها بسورة النبأ، حتى وصلنا إلى سورة البروج، واخترنا هذا الجزء؛ لأنه يكثر سماعه من الناس في الصلوات، والقرآن الكريم لم ينزل لمجرد التلاوة، بل نزل للتلاوة وللتدبر وللتذكر، كما قال -تعالى-: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29] وكان الصحابة -رضي الله عنهم- لا يتجاوزون العشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل. والذي ليس له حظ من القرآن إلا التلاوة هو أمي في الحقيقة، كما قال الله -تعالى-: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة:78] أي: إلا قراءة، فوصفهم الله بأنهم أميون، مع أنهم يقرءون، فلا بد من أن يتعلم المسلمون معاني القرآن، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه الذي يسمى ( مقدمة في علم التفسير ) قال: إن الناس لو جعل لهم كتاب يدرسونه في الطب أو في أي علم كان، فلا بد أن يفهموا معناه حتى يستفيدوا منه، فإذا كان هذا في الكتب العلمية التي هي من كلام البشر، فكيف بأم العلم وأصل العلم الذي هو من كلام الله -عز وجل- فهو أولى وأجدر أن نعتني به، ونفهم معناه وتفسيره، ونتلقاه من أئمة التفسير الذين عُرفوا بصحة العقيدة وسلامة المنهج.

تفسير آيات من سورة البروج:

وقفنا عند سورة البروج وفيها يقول الله -سبحانه وتعالى-: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ ۞ وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:1-2]. البسملة آية مستقلة في الكتاب العزيز، وليست من السورة التي قبلها ولا من السورة التي بعدها، يؤتى بها في أول كل سورة إلا سورة براءة، فإن الصحابة رضي الله عنهم لم يكتبوها في هذه السورة فبقيت بدون بسملة، وما اشتهر عند العوام من أن الجن اختطفوا بسملة سورة براءة، فهذا لا شك أنه باطل؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر:9] ولا يمكن أن يسلط عليه الشياطين أو الجن حتى يختطفوا منه، بل إن الله -تعالى- حماه حين نزوله، وحماه بعد نزوله، وما ذكر عن بعض العلماء: أنه لم يذكر فيها البسملة؛ لأنها نزلت بالسيف؛ لأن فيها الأمر بقتال المشركين، فهذا غير صحيح؛ لأن البسملة بركة والجهاد في سبيل الله من أعظم ما يطلب فيه البركة. على كل حال هي آية مستقلة من أول كل سورة إلا سورة براءة، وليست من الفاتحة على القول الراجح الذي دل عليه الحديث القدسي، وهو قوله تعالى فيما رواه عنه نبيه -صلى الله عليه وسلم-: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال: حمدني عبدي ...» إلى آخر الحديث، وهذا يدل على أن البسملة ليست من الفاتحة، وكذلك أول ما نزل على الرسول -صلى الله عليه وسلم- سورة (اقرأ) أقرأه إياها جبريل، ولم يكن فيها بسم الله الرحمن الرحيم، فدل هذا على أنها ليست من السورة.

تفسير قوله تعالى: (والسماء ذات البروج):

قال -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج:1] الواو: حرف قسم، يعني: يقسم الله -تعالى- بالسماء ذات البروج، أي: صاحبة البروج، والبروج جمع برج، وهي المجموعة العظيمة من النجوم، وسُميت بروجاً لعلوها وارتفاعها وظهورها وبيانها، والبروج عند الفلكيين اثنا عشر برجاً جمعت في قول الناظم:

  • حمل فثور فجوزاء فسرطان
  • فأسد فعذراء فميزان
  • فعقرب قوس فجدي وكذا
  • دلو وذي آخرها الحيتان

فهي اثنا عشر برجاً؛ ثلاثة منها للربيع، وثلاثة للصيف، وثلاثة للخريف، وثلاثة للشتاء. فيقسم الله تعالى بالسماء ذات البروج، وله تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، أما نحن فلا نقسم إلا بالله وبأسمائه وصفاته، ولا نقسم بشيء من مخلوقاته لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت» ولقوله: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك».

تفسير قوله -تعالى-: (واليوم الموعود):

قال -تعالى-: ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ [البروج:2] اليوم الموعود هو: يوم القيامة .. وعد الله -سبحانه وتعالى- به، وبينه في كتابه، ونصب عليه الأدلة العقلية التي تدل على أنه واقع حتماً، كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء:104]. ثم قال تعالى: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج:3] ذكر علماء التفسير في معنى الشاهد والمشهود عدة أقوال، يجمعها: أن الله أقسم بكل شاهد وبكل مشهود، والشهود كثيرون منهم: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو شهيد علينا. ومنهم نحن -هذه الأمة- سوف نشهد على الناس. وكذلك أعضاء الإنسان تشهد عليه يوم القيامة بما عمل من خير وشر. وكذلك الملائكة يشهدون يوم القيامة، فكل من شهد بالحق فهو داخل في قوله: (وشاهد). وأما المشهود، فهو يوم القيامة وما يعرض فيه من الأهوال العظيمة كما قال -تعالى-: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:103] فأقسم الله بكل شاهد وبكل مشهود.

تفسير قوله -تعالى-: (قتل أصحاب الأخدود):

ثم قال -تعالى-: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ [البروج:4] (قُتل) أي: أُهلك، وقيل: القتل هنا بمعنى اللعن، وهو الطرد والإبعاد من -رحمة الله- وأصحاب الأخدود هم قوم كفار أحرقوا المؤمنين بالنار. وقد وردت قصص متعددة في هؤلاء القوم منها شيء في الشام ومنها شيء في اليمن ، والمقصود أن هؤلاء الكفار حاولوا أن يردوا المؤمنين عن دينهم، ولكنهم عجزوا فحفروا أخدوداً -أي: حفراً ممدودة- في الأرض كالنهر، وجمعوا الحطب الكثير وأحرقوا المؤمنين -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ [البروج:5] أي: أن الأخدود هو أخدود النار (ذات الوقود) أي: الحطب الكثير المتأجج.

تفسير قوله -تعالى-: (إذ هم عليها قعود):

قال -تعالى-: ﴿إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾ [البروج:6] أي: أن هؤلاء الذين حفروا الأخاديد وألقوا فيها المؤمنين، كان - والعياذ بالله - عندهم قسوة وجبروت، يرون النار تلتهم هؤلاء البشر وهم قعود عليها فاكهين كأن شيئاً لم يكن -والعياذ بالله- وهذا من الجبروت أن يرى الإنسان أحد البشر تلتهمه النار وهو جالس يتفكه بالحديث ولا يبالي: ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ﴾ [البروج:7] أي: هم شهود على ما يفعلون بالمؤمنين، أي: حضور لا يغيب عنهم ما فعلوا بالمؤمنين، ولذلك استحقوا هذا الوعيد؛ بل استحقوا هذه العقوبة، أن الله أهلكهم، ولعنهم وطردهم وأبعدهم عن رحمته.