التقوى بين التصور والتطبيق
مدة الملف
حجم الملف :
6335 KB
عدد الزيارات 1641

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو يوم الخميس، العشرون من شهر صفر لعام (1415هـ). كان من المعتاد في لقائنا لهذا اليوم أن نسير في تفسير القرآن الكريم، وكان منتهى وقوفنا في أثناء سورة الفجر؛ ولكن نظراً إلى كثرة الإخوان هذا اليوم، فإننا نحب أن نضع وصايا هامة تهم المسلمين عموماً.

فنقول: أول ما نوصي أنفسنا وإياكم به هو: تقوى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قال:﴿ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء:131]، فهذه وصية الله للأولين والآخرين، وتقوى الله ـ سبحانه وتعالى ـ هي أن يتخذ الإنسان لنفسه وقاية من عذاب الله، ولا وقاية من عذاب الله إلا بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، هذا هو الذي يقيك من عذاب الله؛ لا يقيك من عذاب الله أبٌ، ولا ابنٌ، ولا قريبٌ، ولا مالٌ، ولا جاهٌ، ولا يقيك من عذاب الله إلا تقوى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ كما قال الله ـ تبارك وتعالى ـ : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ۞إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء:88-89]. فتقوى الله ـ سبحانه وتعالى ـ : القيام بأوامره، واجتناب نواهيه.

من تقوى الله: الإخلاص لله: 

ومن أهم أوامره، بل هو أهم أوامره: الإخلاص لله ـ عزَّ وجلَّ ـ فكل ما تعمله متقرباً به إلى ربك، لا بد أن يكون خالصاً لله، فإذا أشركت مع الله غيره ردَّه الله عليك؛ لأن الله يقول في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، مَن عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه»، ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر:7]. فتخلص لله ـ عزَّ وجلَّ ـ في طهارتك، وصلاتك، وزكاتك، وصومك، وحجك، وبرك لوالديك، وصِلَتك لأرحامك، وإحسانك إلى جيرانك. تخلص لله ـ تعالى ـ في طلب العلم؛ بألا تبتغي به جاهاً، ولا رئاسة، ولا تريد أن تجاري به العلماء، أو تماري به السفهاء، بل تريد بذلك إحياء شريعة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ ورفع الجهل عن عباد الله وعن نفسك، والدفاع عن شريعة الله؛ لأن شريعة الله ـ تعالى ـ مستهدفة ـ من حين خرجت في مكة إلى يومنا هذا وهي مستهدفة ـ كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الفرقان:31]، فكل نبيٍّ له عدو، وكل أتباعِ نبيٍّ لهم أعداء، ولا بد. فهذه سنة الله ـ عزَّ وجلَّ ـ وليس الدرب مفروشاً بالورود، والزهور، بل الدرب صعب وشاق، ولا بد أن يجعل الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بحكمته للحق مضاداً من أجل أن يُعْرَف الحق، ويظهر ناصعاً غالباً على الباطل، ومن أجل أن يعلم الله المجاهدين منا والصابرين. إذاً .. لا بد من الإخلاص في طلب العلم، فتخلص لله ـ عزَّ وجلَّ ـ في امتثال أمر الله باتباع الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ والمعنى: أنك تخلص اتباعاً للرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ بأن لا تزيد في شريعته ما ليس منها، ولا تُنْقِص من شريعته ما كان منها، فالناقص من الشريعة مُقَصِّر، وقد يكون فاسقاً، والزائد مبتدع؛ فالدين كامل لا يحتاج إلى ابتداع. فلا بد من إخلاص المتابعة للرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وبذلك نحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

من تقوى الله: الحرص على هداية عباد الله: 

ومن تقوى الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن تحرص غاية الحرص على هداية عباد الله: وذلك بنشر العلم الصحيح المأخوذ من كتاب الله وسنة الرسول ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وأن تبين لهم طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان.

وأن ترشد الناس إلى ما أرشد إليه النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ من قوله:«مِن حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه»، أي: ما لا يهمه.

فإذا رأيت الإنسان كادحاً إلى الله ـ عزَّ وجلَّ ـ مشتغلاً بما يهمه عما لا يهمه، وليس له هم إلا ما يقرب إلى الله، فاعلم أن ذلك من حسن الإسلام. وإذا رأيت إنساناً يهتم بأمور لا حاجة إليها، وليس معنياً بها، وأن أكثر أوقاته في القيل والقال، وكثرة السؤال، فاعلم أن ذلك من نقص إسلامه، ومِن ثَمَّ (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن قيل وقال، وكثرة السؤال)؛ لأن ذلك يضيع الوقت. وإذا مُرِضَ الإنسان بهذا المرض ضاع عليه وقته، فصار يجلس إلى هذا ويقول: ما الذي حدث؟! ماذا قال فلان؟! وماذا قال فلان؟! ثم إلى الثاني ويقول له كذلك، ثم إلى الثالث، والرابع، وهكذا يضيِّع أوقاتَه، وأوقاتَ غيره. ولكن ينبغي للإنسان أن يسير على ما يهمه ويعنيه، ولا بأس أن يسأل إذا دعت الحاجة إلى السؤال عما حدث، وعما يكون في المجتمع، من أجل مداواته، وإزالة المرض، لا من أجل أن يشمت بالغير، أو أن يجعل ذلك مثاراً للشقاق والنزاع، كما يوجد من بعض الناس الآن؛ حيث أن بعض الناس له نية طيبة، لا يُتَّهَم؛ لكنه مسكينٌ ابتُلي بهذا المرض وهو أن لا يكون له هَمٌّ إلا القيل، والقال، وماذا قال فلان؟! وماذا قال فلان؟! وماذا قالت الطائفة الفلانية؟! وماذا قالت الطائفة الفلانية؟! لا لأجل أن يداوي المرض ويزيل الشقاق؛ ولكن ليشمت، أو ليقول كما يقول الصبيان: أنت مع هؤلاء أم مع هؤلاء؟! فلم نعهد هذا التجمُّع، والتحزُّب إلا عند الصبيان. لذلك أوصيكم بالتخلي نهائياً عن هذه الأمور؛ لأنه لا يخدم المصلحة، بل يضيع الأوقات، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن إضاعة المال، وعن إضاعة الوقت في القيل والقال، وكثرة السؤال.

الغيبة وآثارها السيئة على الأمة: 

[تعريف الغيبة]

لو سألتكم: ما هي الغيبة؟ لكان الجواب:«ذكرُك أخاك بما يكره»، هكذا عرَّفها النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وهو أعرف الخلق بمعاني كتاب الله وسنة رسوله، والله ـ تعالى ـ قال في كتابه: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ [الحجرات:12]، (قيل: ما الغيبة يا رسول الله؟ قال:«ذكرُك أخاك بما يكره»؛سواء كان ذلك في خُلُقه، أو معاملته، أو بدنه وخِلْقَته، أو أي شيء يكرهه أخوك؛ إذا ذكرتَه به في غَيْبَته فهذه هي الغيبة- قيل: يا رسول الله، أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:«إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه» أي: بَهَتَّه مع الغيبة، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وانتبهوا لهذه القاعدة، يذكر أخص الوصف مع اشتمال الموصوف عليه وعلى غيره، فهنا عندما قال: (فقد بَهَتَّه) هل يعني: لَمْ تَغْتَبْه؟! لا. بل يعني: فقد بَهَتَّه مع الغيبة. ونظير ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال يوماً لأصحابه: «وددتُ أنَّا رأينا إخوانَنا»، قالوا: يا رسول الله، ألسنا إخوانك؟! قال:«أنتم أصحابي، وإخواني قومٌ يأتون مِن بعد يؤمنون بي، ولم يروني»، ـ جعلني الله وإياكم من إخوانه ـ فهنا قال:«أنتم أصحابي»، وقال عن الذين يأتون من بعده: إنهم إخوانه، فهل المعنى: أنتم أصحابي، ولستم إخواني؟! لا،بل هم أصحابه وإخوانه؛ لكن الصحبة أخص من الأخوة. كذلك لما قال عن الغيبة:«ذكرُك أخاك بما يكره»، فقيل: يا رسول الله،أرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بَهَتَّه» فإن معنى بَهَتَّه أي: بَهَتَّه مع الغيبة.

[خطورة انتشار الغيبة في أوساط الناس]

ونحن نرى بعض الناس الآن يشيعوا أقوالاً عن أشخاص معينين، بل يشيعوا أقوالاً، أو أفعالاً عن علماء ما قالوها ولا فعلوها، بل يشيعوا أقوالاً، وأفعالاً عن ذوي السلطة وذوي الأمر ما قالوها، ولا فعلوها.

وغيبة ولاة الأمور من العلماء، والأمراء الحُكَّام من الملِك، والوزير، وغيرهما أشد من غيبة عامة الناس؛ لأن غيبة ولاة الأمور تحدث الكراهة لولي الأمر، وإذا كره الإنسان ولي أمره صار لا يخضع لقوله، وصار ولي الأمر لا يفعل شيئاً حسناًَ إلا كان غائباً عن بصر هذا الإنسان، ولا يفعل سيئة واحدة إلا كانت في بصره وقلبه، لماذا؟! لأنه يبغضه، ويكرهه بما نُشر من الأشياء، وقد قال الشاعر الحكيم:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** كما أن عين السخط تُبْدِي المَساوِيا

فالإنسان الساخط لا تظن أنه سينشر حسنة لمن هو ساخط عليه؛ لكن هذا الساخط المبغض ينشر كل السيئات، ويسكت عن الحسنات، وكأنها ما حصلت. فغيبة ولاة الأمور تُحْدِث كراهةَ ولي الأمر، وبُغضَه، وعدمَ الانصياع لأمره، وتجعل حسناته سيئات، وهذا خطير على المجتمع كله؛ لأن الأمور إذا أصبحت فوضى لا زمام لها فَسَدَ النظام، وتفرقت الأمة، وهل إذا نشرنا مثلاً مساوئ ولاة الأمور، هل هذا يُصْلِح من الحال شيئاً؟ لو كان يُصْلِح لكان طيباً؛ لكنه لا يُصْلِح، بل يزيد الأمر شدة، ويزيد ولي الأمر انتباهاً فيقع فيما لا يحق له أن يقع فيه من اتهام بعض البرآء بأمر هم منه بريئون، ويحصل بذلك شر على الناشر للمساوئ، وعلى غيره. وهل الغيبة ذنب سهل، أو أنها من كبائر الذنوب؟! بل من كبائر الذنوب. يقول ابن عبد القوي في منظومته الدالية الفقهية :

وقد قيل صُغْرى غيبةٌ ونميمةٌ *** وكلتاهما كُبْرى على نص أحمد

أي: أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ فالغيبة من كبائر الذنوب، قال الله ـ عزَّ وجلَّ ـ : ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:12]، من يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً، هل أحدٌ يحب هذا؟! لا أحد يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً، وشبَّه الله الغيبة بأكل لحم الميت، لأن المغتاب ليس بحاضر ليدافع عن نفسه، كالميت إذا أكلتَه فهو ميت لا يدافع عن نفسه، وهذا تشبيهٌ بأقبحِ ما يكون، مما يدل على أن الغيبة مكروهة عند الله ـ عزَّ وجلَّ ـ ويجب أن تكون مكروهة عند العاقل؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات:12].

خطورة غيبة العلماء: 

كذلك غيبة العلماء، والعلماء ليسوا معصومين بلا شك، ولا أحد يُعْصَم إلا واحدٌ وهو رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما قال الإمام مالك ـ رحمه الله ـ : ما منا إلا ويؤخذ من قوله ويُتْرك إلا صاحب هذا القبر يشير إلى قبر النبي ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ وصَدَقَ ـ رحمه الله ـ كُلٌّ يُخْطِئ، حتى الإنسان نفسه يعرف خطأه أحياناً إذا قال قولاً ثم بَحَثَ، أو نوقِش فيه، وتبيَّن أنه مخطئ. لكن هل من جزاء العلماء الذين أتْعَبوا أنفسهم في تحصيل العلم، ولم يدَّخروا وُسْعاً في نشره بين الأمة أنهم إذا أخطئوا خطئاً واحداً أن يُنْشَر خطأهم، ويُسْكَت عن محاسنهم؟! الجواب: لا والله، ليس من جزائهم، وليس هذا من العدل، ولا من القسط، بل العدل أن توازن بين الحسنات والسيئات، فإذا رَجَحَت الحسنات على السيئات فالإنسان من المحسنين، هذا إذا تقاربت السيئات مع الحسنات، فكيف إذا كانت السيئة واحدة في مقابل آلاف الحسنات؟! لكن بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ يتخذ من الخطأ الواحد ذريعة للسب، والقيل والقال، ويضيف إلى هذه السيئة سيئات أخرى. وهذا لا يجوز أبداً بأي حال من الأحوال. واعلموا أن الناس إذا قلَّت ثقتهم بالعلماء فليس معنى هذا أنه إساءة إلى العالِم شخصياً فحسب، بل هو إساءة إلى العالِم وإلى ما يحمله من الشريعة؛ فإذا نزل العالِم من أعين الناس ما قبلوا قوله، وردوه ولو كان أوضح من الشمس؛ لأن الثقة نُزِعت منهم، ولولا ثقة الناس بعضِهم ببعض ما انتفع أحدٌ من أحد أبداً، حتى الإنسان الذي تريد أن تعامله معاملة فتبيع له وتشتري منه إذا لم تثق به هل تعامله؟! لا، لذلك أوصيكم بأن تحرصوا غاية الحرص على تجنُّب القيل والقال، وعلى أن يشتغل الإنسان بما يهمه عما لا يعنيه؛ لأن ذلك من حسن إسلام المرء، كما نطق به الصادق المصدوق محمد ـ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ـ أسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يجعلني وإياكم ممن كفى الناسَ شرَّه، وكفاه شرَّ الناس، وأن يهدينا صراطه المستقيم، وأن يتقبل منا ومنكم. وأبشركم بأن حضوركم إلى هذا المجلس داخلٌ في قول الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ : «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة».

نسأل الله لنا ولكم الإخلاص.