تفسير آيات من سورة الفجر
مدة الملف
حجم الملف :
2577 KB
عدد الزيارات 740

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فنكمل ما ابتدأناه من تفسير سورة الفجر، وقد انتهينا من الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ۞إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ۞ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ ۞وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ [الفجر:6-9].

تفسير قوله تعالى: (وفرعون ذي الأوتاد):

قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر:10] فرعون هو: الذي أرسل الله إليه موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وكان قد استذل بني إسرائيل في مصر، يذبح أبناءهم، ويستحيي نساءهم، وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقتل الأبناء، ويبقي النساء؟!

قال بعض العلماء: إن كهنته قالوا له: إنه سيولد في بني إسرائيل مولود يكون هلاكك على يده، فصار يقتل الأبناء، ويستبقي النساء. ومن العلماء من قال: إنه فعل ذلك من أجل أن يُضْعِفَ بني إسرائيل؛ لأن الأمة إذا قتلت رجالها، واستبقيت نساؤها ذلت بلا شك؛ فالأول تعليل أهل الأثر، والثاني تعليل أهل النظر -أهل العقل- ولا يبعد أن يكون الأمران جميعاً قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله ـ عز وجل ـ أن هذا الرجل الذي كان هلاك فرعون على يده، تربى في نفس بيت فرعون، فإن امرأة فرعون التقطته، وربته في بيت فرعون، الذي استكبر في الأرض ،وعلا فيها، وقال لقومه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾[النازعات:24] ،وقال لهم:﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص:38] ،وقال لهم: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ [الزخرف:52] أي: موسى﴿ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:52]، فأنكر الألوهية وأنكر الرسالة، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ﴾[الزخرف:54] ،وتعلمون أنه قال لقومه مقرراً لهم عظمته، وسلطانه:﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ﴾[الزخرف:51]؛ افتخر بالأنهار التي تجري من تحته ،وهي مياه، فأهلكه الله ـ تعالى ـ بجنسها، حيث أغرقه ،وقومه في البحر الأحمر. فقوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ﴾أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمثابة الوتد، والوتد كما نعلم تربط به حبال الخيمة، فتستقر، وتثبت، فافتخر فرعون بجنوده، وملكه.

تفسير قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد): 

قال تعالى: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ﴾ [الفجر:11] الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:11] أي: لما زاد الماء حملناكم في الجارية يعني: بتلك السفينة التي صنعها نوح ـ عليه الصلاة والسلام ـ فمعنى ﴿(طغوا في البلاد)﴾ أي: زادوا عن حدهم، واعتدوا على عباد الله.

تفسير قوله تعالى: (فأكثروا فيها الفساد): 

قال تعالى: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:12] أي: بالمعاصي، وقتل الضعفاء، والفساد هنا هو: الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي؛ لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:96]؛ ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ [الأعراف:56] قالوا: لا تفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر:12] أي: الفساد المعنوي، لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي. وكان فيما سبق من الأمم أن الله ـ تعالى ـ يدمر هؤلاء المكذبين عن آخرهم، لكن هذه الأمة رفع الله عنها هذا النوع من العقوبة، وجعل عقوبتها أن يكون بأسهم بينهم حيث يدمر بعضهم بعضاً، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من اقتتال ،ومن تدمير بعضهم بعضاً، إنما هو بسبب المعاصي ،والذنوب، يسلط الله بعضهم على بعض، ويكون هذا عقوبة من الله ـ سبحانه وتعالى ـ .

تفسير قوله تعالى: (فصب عليهم ربك سوط عذاب): 

قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ [الفجر:13] صب عليهم: الصب معروف أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله ـ عز وجل ـ و﴿(سوط عذاب)﴾ السوط: هو العصا الذي يضرب به، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، فهذا السوط الذي صبه الله ـ تعالى ـ على عاد، وثمود، وفرعون ليس كالعصا المعروفة لدينا، وإنما هو عصا عذاب أهلكهم الله ـ تعالى ـ به، وأبادهم.

نسأل الله ـ تعالى ـ أن يجعل لنا، ولكم فيما سبق من الأمم عبرة نتعظ بها، وننتفع بها، ونكون طائعين لله ـ عز وجل ـ غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد ،وعلى آله،وصحبه أجمعين.