تفسير آيات من سورة الغاشية
مدة الملف
حجم الملف :
4047 KB
عدد الزيارات 2891

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله ،وسلم على نبينا محمد ،وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء التاسع والخمسون من اللقاءات المعتادة في كل يوم خميس، وهذا الخميس هو آخر خميس من شهر ذي الحجة عام (1414هـ)، وهو اليوم التاسع والعشرون منه، نسأل الله ـ تعالى  ـ أن يختم لنا ولكم عامنا بالمغفرة، والعفو ،والرضوان. نبدأ هذا اللقاء بتفسير سورة الغاشية ..

يقول الله ـ عز وجل ـ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1]،

والبسملة آية من كتاب الله مستقلة، ليست من السورة التي بعدها، بل آية مستقلة؛ولهذا كان القول الراجح أنها ليست من الفاتحة، وأن أول الفاتحة هو: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2].

تفسير قوله تعالى: (هل أتاك حديث الغاشية): 

يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [الغاشية:1] الخطاب إما للنبي ـ صلى الله عليه وسلم  ـ وإما لكل من يصح خطابه، وهذا يأتي في القرآن كثيراً، يوجه الله الخطاب، ويكون للنبي -صلى الله عليه وسلم- أو لكل من يتأتى خطابه، ويصح خطابه، إلا أنه أحياناً يتعين أن يكون للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط، مثل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:1]، فهذا لا يمكن إلا أن يكون للرسول -صلى الله عليه وسلم- وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة:67] هذا لا يمكن إلا للرسول -صلى الله عليه وسلم- وأحياناً يترجح العموم، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:1] ،فهذا أول الخطاب للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وآخره: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق:1] ،فهو عام، فقوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ يجوز أن يكون الخطاب موجهاً للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحده، وأمته تبعٌ له، ويجوز أن يكون عاماً لكل من يتأتى خطابهم، والاستفهام هنا للتشويق، فهو كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف:10]، ويجوز أن يكون للتعظيم؛ لعظم هذا الحديث عن الغاشية ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ [ أي: نبؤها، والغاشية: هي الداهية العظيمة التي تغشى الناس، والمراد هنا يوم القيامة التي تحدث الله عنها في القرآن الكريم كثيراً، ووصفها بأوصاف عظيمة، مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ ۞ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:1-2].

تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذ خاشعة...): 

ثم قسّم الله ـ سبحانه وتعالى ـ هذا اليوم إلى قسمين فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ۞ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية:2-3] ،و(خاشعة) أي: ذليلة، كما قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:45]. ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾عاملة عملاً يحصل به النصب وهو التعب. قال العلماء: وذلك أنهم يُكلَّفون يوم القيامة بجر السلاسل، والأغلال، والخوض في نار جهنم -والعياذ بالله- كما يخوض الرجل في الوحل، فهي عاملة تعبة من العمل الذي تكلف به يوم القيامة؛ لأنه عمل عذاب، وعقاب -نسأل الله العافية- وليس كما قال بعض الناس: إن المراد بها الكفار: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [الكهف:104]؛ وذلك لأن الله قيد هذا بقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [الغاشية:2] يوم إذا أتت الغاشية، وهذا لا يكون إلا يوم القيامة. إذاً: فهي عاملة ناصبة بما تكلف به من جر السلاسل، والأغلال، والخوض في نار جهنم -أعاذنا الله وإياكم منها- .

تفسير قوله تعالى: (تصلى ناراً حامية): 

قال تعالى: ﴿تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً﴾ [الغاشية:4] أي: تدخل في نار شديدة الحرارة التي بلغت من شدة حموها أنها فضِّلت على نار الدنيا بتسعة وستين جزءاً، أي: أن نار الدنيا كلها بما فيها من أشد ما يكون من الحرارة أهون من نار جهنم بتسعة وستين جزءاً. ويدلك على شدة حرارتها: أن هذه الشمس حرارتها تصل إلينا مع بعد ما بيننا وبينها، ومع أنها تنفذ من خلال أجواء باردة غاية البرودة، تصل إلينا هذه الحرارة التي تدركونها، ولاسيما في أيام الصيف، فالنار -أعاذنا الله وإياكم منها- نار حامية شديدة الحرارة.

تفسير قوله تعالى: (تسقى من عين آنية): 

قال تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ۞ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ [الغاشية:5-6] لما بين لنا مكانهم -والعياذ بالله- وأنهم في نار جهنم الحامية بين طعامهم، وشرابهم فقال: تُسْقَى أي: الوجوه مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ أي: شديدة الحرارة، هذا بالنسبة لشربهم، ومع هذا لا يأتي هذا الشراب بكل سهولة، أو كلما عطشوا سُقوا.. لا. إنما يؤتون بهذا الشراب كلما اشتد عطشهم -والعياذ بالله- واستغاثوا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾[الكهف:29]، هذا الماء إذا قرب من وجوههم شواها، وتساقط لحمها، وإذا دخل في أجوافهم يقول عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:15] إذاً: لا يستفيدون منه لا ظاهراً، ولا باطناً؛ لا ظاهراً بالبرودة فيبرد الوجوه، ولا باطناً بالرِّي، ولكنهم -والعياذ بالله- يغاثون بهذا الماء، ولهذا قال: ﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ .

فإذا قال قائل: كيف تكون هذه العين في نار جهنم، والعادة أن الماء يطفئ النار؟

فالجواب: إن أمور الآخرة لا تقاس بأمور الدنيا، فلو أنها قيست بأمور الدنيا ما استطعنا أن نتصور كيف يكون، أليست الشمس تدنو يوم القيامة من رءوس الناس على قدر ميل؟ والميل إما ميل المكحلة وهو نصف الإصبع، أو ميل المسافة كيلو وثلث، أو نحو ذلك، وحتى لو كان كذلك ،فإنه لو كانت الآخرة كالدنيا لشوت الناس شياً، لكن الآخرة لا تقاس بالدنيا، وأيضاً: يحشر الناس يوم القيامة في مكان واحد؛ منهم من هو في ظلمةٍ شديدة، ومنهم من هو في نور ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾[الحديد:12]، يحشرون في مكان واحد، ويعرقون، فمنهم من يصل العرق إلى كعبيه، ومنهم من يصل العرق إلى ركبتيه، ومنهم من يصل إلى حقويه، ومع ذلك هم في مكان واحد. إذاً: أحوال الآخرة لا يجوز أن تقاس بأحوال الدنيا،

فلو قال قائل: كيف يكون الماء في النار؟ قلنا:

أولاً: أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا.

ثانياً: إن الله على كل شيءٍ قدير. ها نحن الآن نجد أن الشجر الأخضر توقد منه النار، كما قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ﴾ [يس:80]، الشجر الأخضر إذا ضرب بعضه ببعض، أو ضرب بالزند انقدح وخرج منه نار حارة يابسة، وهو رطب بارد، فالله على كل شيء قدير. فهم يسقون من عين آنية في النار، ولا يتنافى ذلك مع قدرة الله ـ عز وجل ـ .

تفسير قوله تعالى: (ليس لهم طعام إلا من ضريع ...): 

أما طعامهم فقال تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ۞ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾ [الغاشية:6-7] ﴿الضريع﴾قالوا: إنه شجر ذو شوك عظيم، إذا يبس لا ترعاه البهائم، وإن كان أخضر رعته الإبل، وهو يسمى عندنا (الشبرق)، فأهل النار -والعياذ بالله- في نار جهنم ليس لهم طعام إلا من هذا الضريع، ولكن لا تظنوا أن الضريع الذي في نار جهنم كالضريع الذي في الدنيا، بل يختلف عنه اختلافاً عظيماً؛ ولهذا قال: ﴿لا يُسْمِنُ﴾ [الغاشية:7]، ولا ينفع الأبدان في ظاهرها ﴿وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾[الغاشية:7]، فلا ينفعها في باطنها، فهو لا خير فيه، ليس فيه إلا الشوك، والتجرع العظيم، والمرارة، والرائحة المنتنة التي لا يستفيدون منها شيئاً. ثم ذكر الله ـ عز وجل ـ القسم الثاني من أقسام الناس في يوم الغاشية فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ﴾ [الغاشية:8].

ونستكمل شرح بقية الآيات -إن شاء الله- في اللقاء القادم، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من النار، وأن يرزقنا وإياكم دار القرار، إنه على كل شيء قدير.