تفسير آيات من سورة الأعلى
مدة الملف
حجم الملف :
2624 KB
عدد الزيارات 1227

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثامن والخمسون من اللقاء المفتوح، والذي ابتدأناه بعد انتهاء موسم الحج في يوم الخميس الثاني والعشرين من شهر ذي الحجة عام (1414هـ)، نسأل الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن يختم عامنا هذا بالخير، والعفو، والمغفرة.

وقد بقي علينا من تفسير سورة الأعلى قول الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتْ الذِّكْرَى ۞ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ۞ وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى ۞ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ۞ ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَا ۞ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ۞ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ۞ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۞ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ۞إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ۞ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:9-19].

تفسير قوله تعالى: (قد أفلح من تزكى): 

قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14] هذه الجملة جملة فعلية مؤكدة بـ(قد): ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ [الأعلى:14] ،والفلاح كلمة عامة يراد بها النجاة من المكروه، والفوز بالمحبوب. وقوله: ﴿مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى:14] أي: من تطهر ظاهره، وباطنه، فتطهر باطنه من الشرك بالله ـ عز وجل ـ ومن الشك، ومن النفاق، ومن العداوة للمسلمين، ومن البغضاء لهم، وغير ذلك مما يجب أن يتطهر القلب منه، وتطهر ظاهره من إطلاق لسانه، وجوارحه في العدوان على عباد الله ـ عز وجل ـ فلا يغتاب أحداً، ولا ينم عند أحد، ولا يسب أحداً، ولا يعتدي على أحد بضرب، أو جحد مالٍ، أو غير ذلك، فالتزكي كلمة عامة تشمل التطهر من كل درن ظاهراً أو باطناً.

تفسير قوله تعالى: (وذكر اسم ربه فصلى): 

قال تعالى : ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى:15] ذكر اسم ربه، أي: ذكر الله، ولكنه تعالى ذكر الاسم من أجل أن يكون الذكر باللسان؛ لأن الذكر باللسان ينطق اللسان فيه باسم الله، فيقول مثلاً: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، فيذكر اسم الله.

وقد ذكر بعض العلماء أن المراد بذكر اسم الله هنا خطبة الجمعة؛ لقوله بعد ذلك: ﴿فَصَلَّى﴾ [الأعلى:15]، ولكن الصحيح أنها أعم من هذا، وأن المراد به كل ذكر اسم لله ـ عز وجل ـ أي: كلما ذكر الإنسان اسم الله اتعظ، وأقبل على الله، وصلى، والصلاة معروفة: هي عبادة ذات أقوال، وأفعال مفتتحة بالتكبير، ومختتمة بالتسليم.

تفسير قوله تعالى: (بل تؤثرون الحياة الدنيا): 

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ۞ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:16-17] ﴿بل﴾ هنا للإضراب الانتقالي؛ لأن (بل) تأتي للإضراب الإبطالي، وتأتي للإضراب الانتقالي، أي: أنه ـ سبحانه وتعالى ـ انتقل عن الكلام، ولم يبطله، انتقل ليبين حال الإنسان أنه مؤثر للحياة الدنيا؛ لأنها عاجلة، والإنسان خلق من عجل، ويحب ما فيه العجلة، فتجده يؤثر الحياة الدنيا، وهي في الحقيقة على وصفها دنيا؛ دنيا زمناً، ودنيا وصفاً. أما كونها دنيا زمناً؛ فلأنها سابقة على الآخرة فهي متقدمة عليها، والدنو بمعنى القرب، وأما كونها دنيا وصفاً أي: ناقصة، فكذلك هو الواقع، فإن الدنيا مهما طالت بالإنسان، فإن منتهاها الفناء، ومهما ازدهرت للإنسان فإن عاقبتها الذبول؛ ولهذا لا يكاد يمر بك يومٌ في سرور إلا وأعقبه حزن، وفي هذا يقول الشاعر:

فيوم علينا ويوم لنا *** ويوم نُسَاءُ ويوم نُسَرّ

تأمل حالك في الدنيا، تجد أنه لا يمر بك وقت؛ ويكون الصفو فيه دائماً، بل لابد من كدر، ولا يكون السرور دائماً، بل لابد من حزن، ولا تكون الراحة دائماً، بل لابد من التعب.

 

تفسير قوله تعالى: (والآخرة خير وأبقى): 

قال تعالى: ﴿وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى:17] الآخرة خير من الدنيا ،وأبقى، خير بما فيها من النعيم والسرور الدائم الذي لا ينغص بكدر .. ﴿لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر:48]، كذلك أيضاً هي أبقى من الدنيا؛ لأن بقاء الدنيا -كما أسلفنا- زائل مضمحل، بخلاف بقاء الآخرة ،فإنه أبد الآبدين.

تفسير قوله تعالى: (إن هذا لفي الصحف الأولى..): 

وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ۞ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:18-19] ﴿إِنَّ هَذَا﴾ أي: ما ذكر من كون الإنسان يؤثر الحياة الدنيا على الآخرة، وينسى الآخرة مع كونها خيراً من الدنيا، وكذلك ما تضمنته الآيات من المواعظ﴿لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى ﴾ [الأعلى:18] أي: السابقة على هذه الأمة، ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى:19]، وهي صحف جاء بها إبراهيم، وموسى -عليهما الصلاة والسلام- وفيهما من المواعظ ما تلين به القلوب، وتصلح به الأحوال، نسأل الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يجعلنا ممن أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقاه الله عذاب النار.