تفسير آيات من سورة الأعلى
مدة الملف
حجم الملف :
2853 KB
عدد الزيارات 628

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني والخمسون من اللقاءات الأسبوعية التي تعقد في كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو لقاء الأسبوع الثالث من شهر شوال عام (1414هـ)، نتكلم فيه أولاً على ما بقي من سورة سبح اسم ربك الأعلى من قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى ۞ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ۞ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:6-8].

وعد الله لنبيه بإقرائه القرآن: 

فهذا وعد من الله -سبحانه وتعالى- لرسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه يقرئه القرآن ،ولا ينساه الرسول، وكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتعجل إذا جاء جبريل يلقي عليه الوحي، فقال الله له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۞ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۞ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۞ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:16-19]، فصار النبي -صلى الله عليه وسلم- ينصت حتى ينتهي جبريل من قراءة الوحي، ثم يقرؤه. وهنا يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَى ۞ إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى:6-7] يعني: إلا ما شاء الله أن تنساه، فإن الأمر بيده كما قال -عز وجل-: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾[الرعد:39] وقال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ۞ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ﴾[البقرة:106-107] وربما ينسى النبي -صلى الله عليه وسلم- آية من كتاب الله -تعالى- ولكنه سرعان ما يذكرها -صلى الله عليه وسلم- وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:7] أي: أن الله -تعالى- يعلم ما يجهر به الإنسان ،ويتكلم به مسموعاً ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ [الأعلى:7] أي: ما يكون خفياً لا يظهر، فإن الله يعلمه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [قّ:16] فهو -عز وجل- يعلم الجهر، ويعلم أيضاً ما يخفى.

وعد الله لنبيه بتيسيره لليسرى: 

قال تعالى: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:8] هذا أيضاً وعد من الله -عز وجل- لرسوله -عليه الصلاة والسلام- أن ييسره لليسرى، فما هي اليسرى؟ اليسرى: أن تكون الأمور ميسرة لا سيما في طاعة الله -عز وجل- ولما أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه: «ما منكم من أحد إلا وقد كُتب مقعده من الجنة ومقعده من النار -كل بني آدم مكتوبة مقاعدهم من الجنة إن كانوا من أهل الجنة، ومقاعدهم من النار إن كانوا من أهل النار-» قالوا: يا رسول الله، أفلا ندع العمل ونتكل على ما كتب؟ قال: «لا. اعملوا فكل ميسر لما خلق له»، فأهل السعادة ميسرون لعمل أهل السعادة، وأهل الشقاوة ميسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ۞ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ۞ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل:5-7] ) وهذا الحديث يقطع حجة من يحتج بالقدر على معاصي الله، فيعصي الله ويقول: هذا مكتوب عليَّ. فنقول له: هذا غلط؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» هل يحجزك أحد عن العمل الصالح لو أردته؟ أبداً. هل يجبرك أحد على المعصية لو لم تردها؟ أبداً؛ ولهذا لو أن أحداً أجبرك على المعصية وأكرهك عليها لم يكن عليك إثم، ولا يترتب على فعلك لها ما يترتب على فعل المختار لها، حتى الكفر وهو أعظم الذنوب قال الله -تعالى- فيه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل:106]. إذاً نقول: اعمل أيها الإنسان! اعمل الخير، وتجنب الشر؛ حتى ييسرك الله لليسرى، ويجنبك العسرى، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعده الله -تعالى- بأن ييسره لليسرى، فيسهل عليه الأمور؛ ولهذا لم يقع النبي -صلى الله عليه وسلم- في شدة، وضيق إلا ووجد المخرج -صلى الله عليه وسلم- .

معنى قوله تعالى: (فذكر إن نفعت الذكرى): 

أمره تعالى أن يذكِّر فقال: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى:9] يعني: ذكِّر الناس .. ذكرهم بأيام الله، ذكرهم بآيات الله، عظهم ﴿إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾[الأعلى:9] يعني: في محل تنفع فيه الذكرى. وعلى هذا فتكون (إن) شرطية، والمعنى: إن نفعت الذكرى فذكر، وإن لم تنفع فلا تذكر، أي: لا فائدة من تذكير قوم تعلم أنهم لا ينتفعون، هذا ما قيل في هذه الآية. وقال بعض العلماء: ذكِّر على كل حال، فإن كل هؤلاء القوم تنفع فيهم الذكرى، فيكون الشرط هنا ليس المقصود به أنه لا يذكر إلا إذا نفعت، بل المعنى: ذكر إن كان هؤلاء القوم ينفع فيهم التذكير. فالمعنى على هذا القول: ذكر بكل حال، والذكرى سوف تنفع .. تنفع من؟ تنفع المؤمنين، وتنفع المذكر أيضاً، فالمذكِّر منتفع على كل حال، والمذكَّر إن انتفع بها فهو مؤمن، وإن لم ينتفع بها فإن ذلك لا ينقص من أجر المذكِّر شيئاً. إذاً: نحن نذكِّر سواء نفعت الذكرى أم لم تنفع. وقال بعض العلماء: إن ظن أن الذكرى تنفع وجبت، وإن ظن أنها لا تنفع فهو مخير إن شاء ذكر،وإن شاء لم يذكر، ولكن على كل حال نقول: لا بد من التذكير حتى وإن ظننت أنها لا تنفع، فإنها سوف تنفعك أنت، وسوف يعلم الناس أن هذا الشيء الذي ذكرتهم به إما واجب ،وإما حرام، وإن سكت والناس يفعلون المحرم ،أو يتركون الواجب قالوا: لو كان هذا محرماً لذكر به العلماء، أو لو كان هذا واجباً لذكر به العلماء، فلا بد من التذكير، ولا بد من نشر الشريعة سواء نفعت الموعظة أم لم تنفع. ثم ذكَرَ الله عز وجل من سيذكَّر ومن لا يذكَّر.

وسنتكلم على ذلك -إن شاء الله- في اللقاء القادم ؛حتى يكون عندنا وقت أكثر للأسئلة.