تفسير آيات من سورة الطارق
مدة الملف
حجم الملف :
5480 KB
عدد الزيارات 890

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فإن هذا اللقاء الأول لشهر رجب عام (1414هـ)، وهو اللقاء الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينفعنا جميعاً بما علمنا، وأن يجعلنا هداة مهتدين، صالحين مصلحين. عادتنا أن نبدأ هذا اللقاء بتفسير آيات من كتاب الله، وقد ابتدأنا من سورة النبأ، وها نحن الآن في آخر سورة الطارق.


تفسير قوله -تعالى-: (والسماء ذات الرجع...):

قال الله -تعالى- بعد أن ذكر الإقسام بالسماء والطارق إلى قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۞ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:9-10] قال -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ۞ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:11-12] هذا هو القسم الثاني بالسماء، والقسم الأول ما كان في أول السورة قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:11]. فهناك قال: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ۞ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ۞ النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:1-3].

وهنا قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ ۞ وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:11-12] إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ [الطارق:13].

والمناسبة بين القسمين والله أعلم: أن الأول فيه إشارة إلى الطارق الذي هو النجم، والنجم هو كما نعلم ترمى به الشياطين الذين يسترقون السمع، وفي رمي الشياطين بذلك حفظ لكتاب الله عز وجل. أما هنا فأقسم بالسماء ذات الرجع أن هذا القرآن قول فصل، فالقسم الأول مناسبته أن فيه الإشارة إلى ما يحفظ به القرآن حال إنزاله، وفي القسم الثاني الإشارة إلى أن القرآن حياة؛ لأنه قال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:11] والرجع: هو المطر، يسمى رجعاً؛ لأنه يرجع ويتكرر، ومعلوم أن المطر به حياة الأرض. ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:12] الصدع: هو الانشقاق، يعني: التشقق لخروج النبات منها، فأقسم بالمطر الذي هو سبب خروج النبات، وبالتشقق الذي يخرج منه النبات، وكله إشارة إلى حياة الأرض بعد موتها. والقرآن به حياة القلوب بعد موتها كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:52] فسمى الله القرآن روحاً؛ لأنه تحيا به القلوب. يقول -عز وجل-: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ [الطارق:11] أي: ذات المطر ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:12] أي: ذات الانشقاق لخروج النبات منها.

تفسير قوله -تعالى-: (إنه لقول فصل): 

قوله: إِنَّهُ [الطارق:13] أي: القرآن ﴿لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:13] فوصفه الله بأنه قول. قول من؟ قول الله -عز وجل- فهو الذي تكلم به وألقاه إلى جبريل، ثم نزل به جبريل على قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد أضاف الله القرآن قولاً إلى جبريل وإلى محمد -عليهما الصلاة والسلام- فقال -تعالى- عن الأول: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۞ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ۞ مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾[التكوير:19-21] وقال عن الثاني وهو الرسول -صلى الله عليه وسلم-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۞ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ﴾ [الحاقة:40-41]. ففي الأول أضاف القول إلى جبريل؛ لأنه بلغه عن الله إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وفي الثاني أضافه إلى محمد؛ لأنه بلغه إلى الناس، وإلا فإن الذي قاله ابتداءً هو الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق:13] فصل: يفصل بين الحق والباطل، وبين المتقين والظالمين، بل إنه فصل، أي: قاطع لكل من ناوأه أو عاداه، ولهذا نجد المسلمين لما كانوا يجاهدون الكفار بالقرآن نجدهم غلبوا الكفار وقطعوا دابرهم، وقضى بينهم، فلما أعرضوا عن القرآن هُزموا وذُلوا بقدر بعدهم عن القرآن، فكلما ابتعد الإنسان عن كتاب الله ابتعدت عنه العزة، وابتعد عنه النصر، حتى يرجع إلى كتاب الله عز وجل.

تفسير قوله -تعالى-: (وما هو بالهزل): 

قال -تعالى-: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق:14] أي: وما هو باللعب والعبث واللغو، بل هو حق، كلماته كلها حق، أخباره صدق، وأحكامه عدل، وتلاوته أجر، لو تلاه الإنسان كل أوانه لم يمل منه، وإذا تلاه بتدبر وتفكر فتح الله عليه من المعاني ما لم يكن عنده من قبل، وهذا شيء مشاهد، اقرأ القرآن وتدبره، كلما قرأته وتدبرته حصل لك من معانيه ما لم يكن يحصل لك من قبل؛ كل هذا لأنه فصل وليس بالهزل، لكن الكلام اللغو من كلام الناس كلما كررته كرهته ومللته، أما كتاب الله، فلا يمل منه قارئه.

تفسير قوله -تعالى-: (إنهم يكيدون كيداً ): 

ثم قال -تعالى-: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ [الطارق:15] ﴿إِنَّهُمْ﴾ أي: الكفار المكذبين للرسول -صلى الله عليه وسلم- ﴿يَكِيدُونَ كَيْداً﴾ أي: يكيدون كيداً عظيماً للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولمن اتبعه. وانظر ماذا كانوا يفعلون بالمؤمنين أيام كانوا بمكة من التعذيب والتوبيخ والتشريد. هاجر المسلمون مرتين إلى الحبشة، ثم هاجروا إلى المدينة، كل ذلك فراراً بدينهم من هؤلاء المكذبين المجرمين، الذين آذوهم بكل كيد، وأعظم ما فعلوا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حين الهجرة، حيث اجتمع رؤساؤهم وأشرافهم يتشاورون ماذا يفعلون بمحمد -صلى الله عليه وسلم- فكلما ذكروا رأياً نقضوه، وقالوا: هذا لا يصلح، حتى أشار إليهم -فيما ذكر أهل التاريخ- الشيطان الذي جاء في صورة رجل، وقال لهم: إني أرى أن تختاروا عشرة شبان من قبائل متفرقة، وتعطوا كل واحد منهم سيفاً ماضياً حتى يقتلوا محمداً قتلة رجل واحد، فإذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل، فلم تستطع بنو هاشم أن تقتص من القبائل كلها، فيضطرون إلى أخذ الدية، وهذا هو الذي يريدون، فأجمعوا على هذا الرأي، واستحسنوا هذا الأمر. وفعلاً جلس الشبان العشرة ينتظرون خروج النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقتلوه، لكن النبي -صلى الله عليه وسلم- خرج من الباب وهم جلوس ولم يشاهدوه. وذكر أهل التاريخ أنه جعل يذر التراب على رءوسهم إذلالاً لهم ويقرأ قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:9].

ولا تتعجبوا كيف خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بينهم ولم يشاهدوه، لا تتعجبوا من هذا، فها هي قريش حين اختبأ النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار -لما خرج من مكة يريد المدينة - اختبأ في الغار ثلاثة أيام ليَخفَّ عنه الطلب؛ لأن قريشاً صارت تطلبه، وجعلت لمن جاء بخبره مائة بعير، ولمن جاء به مع أبي بكر مائتي بعير، وهذه جائزة كبيرة. فوقفوا على الغار الذي فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- و أبو بكر -وكلنا يعلم أن الغار المفتوح إذا كان فيه أحد فسوف يُرى- ولكنهم لم يروا النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا أبا بكر -رضي الله عنه- الذي قال: يا رسول الله، لو نظر أحدهم إلى قدمه لأبصرنا، فقال: «لا تحزن إن الله معنا، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» فاطمأن أبو بكر. هؤلاء القوم الذين وقفوا على الغار ليس عندهم قصور في السمع، ولا قصور في البصر، ولا قصور في الذكاء؛ ولكن أعمى الله أبصارهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن صاحبه، فلا تعجب إن خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من بين هؤلاء الشبان العشرة -كما قال أهل التاريخ- وجعل يذر التراب على رءوسهم ويقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّاً فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ [يس:9]. هنا يقول -عز وجل- في سورة الطارق: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً ۞ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾[الطارق:15-16]واقرأ قول الله -تعالى- في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ ﴾[الأنفال:30] يعني: يحبسوك ﴿أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال:30].

تفسير قوله -تعالى-: (فمهل الكافرين أمهلهم رويداً): 

ثم قال -عز وجل-: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:17] مهِّل وأمهل معناهما واحد، أي: انتظر بمهلة، ولا تنتظر بمهلة طويلة: ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً﴾ [الطارق:17] أي: قليلاً، و(رويداً): تصغير رود أو إرواد، والمراد به: الشيء القليل. وفي هذه الآية تهديد لقريش وتسلية للرسول -صلى الله عليه وسلم- ووعد له بالنصر، وحصل الأمر كما أخبر الله -عز وجل- خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- مهاجراً منهم، وحصل بينه وبينهم حروب، وفي السنة الثانية للهجرة قتل من صناديد قريش وكبرائهم وزعمائهم نحو أربعة وعشرين رجلاً؛ منهم قائدهم أبو جهل، وبعد ثماني سنوات، بل أقل من ثماني سنوات دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة فاتحاً منصوراً ظافراً، حتى إنه قال -كما جاء في التاريخ- قال وهو ممسك العضادتي باب الكعبة، وقريش تحته: «ما ترون أني فاعل بكم؟»لأن أمرهم أصبح بيده -عليه الصلاة والسلام- قالوا: أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: إني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف:92] «اذهبوا فأنتم الطلقاء»  وإنما منَّ عليهم هذه المنة صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم أسلموا، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال:38]. هذا هو آخر ما تيسر من الكلام على سورة الطارق.

وإني أحثكم على تدبر القرآن وتفهم معانيه، خذوا معانيه من أفواه العلماء الموثوقين، أو من كتب التفسير الموثوقة، كتفسير ابن كثير، أو تفسير عبد الرحمن بن سعدي، وما أشبهها من التفاسير التي تعرفون أصحابها أنهم موثوقون في عقيدتهم وفي آرائهم.

نسأل الله أن يجعلنا ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن ينفعنا به، وأن يجعله شفيعاً لنا يوم القيامة، إنه على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.