تفسير آيات من سورة الطارق
مدة الملف
حجم الملف :
4751 KB
عدد الزيارات 1692

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأخير من شهر جمادى الثانية عام: (1414هـ)، الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وقد لَمَسنا -ولله الحمد- فيه خيراً كثيراً من الإخوة الذين يحضرون، أو الذين يستمعون إلى الأشرطة المسجلة أو غيرهم، وهذا من نعمة الله -سبحانه وتعالى- على الجميع، ولا شك في هذا.

في درس الأسبوع الماضي تكلمنا عن حكم المسح على الخفين وما يتعلق به.

أما هذا الأسبوع فإننا سوف نستمر فيما كنا نقوم به من تفسير آخر جزء من القرآن؛ لأنه هو الذي يكثر وروده وسماعه على الناس، وقد شرعنا في تفسير سورة الطارق بعد أن أكملنا ما سبقها. 


تفسير قوله تعالى: (والسماء والطارق):

يقول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ ۞وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ ۞النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:1-3]. وهنا -كما ترون- فيه قسم أقسم الله -تعالى- به، وهو السماء، وكذلك الطارق. وقد يُشْكِل على بعض الناس كيف يقسم الله -سبحانه وتعالى- بالمخلوقات، مع أن القسم بالمخلوقات شرك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، وقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت». فلا يجوز الحلف بغير الله؛ لا بالأنبياء، ولا بالملائكة، ولا بالكعبة، ولا بالوطن، ولا بأي شيء من المخلوقات. والجواب على هذا الإشكال أن نقول: إن الله -سبحانه وتعالى- له أن يقسم بما شاء من خلقه، وإقسامه بما يقسم به من خلقه يدل على عظمة الله -عزَّ وجلَّ- لأن عِظَمَ المخلوق يدل على عِظَم الخالق. وقد أقسم الله -تعالى- بأشياء كثيرة من خلقه، ومن أحسن من رأيته تكلم عن هذا الموضوع ابن القيم -رحمه الله- في كتابه: التبيان في أقسام القرآن ، وهو كتاب جيد ينفع طالب العلم كثيراً. فهنا يقسم الله -تعالى -بالسماء، والسماء هو كل ما علاك؛ كل ما علاك فهو سماء، حتى السحاب الذي ينزل منه المطر يسمى سماءً، كما قال الله -تعالى-: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا ﴾[الرعد:17]، وإذا كان يُطْلَق على كل ما علاك؛ فإنه يشمل ما بين السماء والأرض، ويشمل السماوات كلها؛ لأنها كلها قد عَلَت وهي فوقك. وأما قوله: وَالطَّارِقُ فهو قَسَمٌ ثان، أي أن الله أقسم بالطارق، فما هو الطارق؟ ليس الطارق هو الذي يطرق أهله ليلاً، بل فسره الله -عزَّ وجلَّ- بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ [الطارق:3]، هذا هو الطارق، والنجم هنا يحتمل أن يكون المراد به جميع النجوم، فتكون (أل) للجنس، ويحتمل أنه النجم الثاقب أي: النجم اللامع، أي: قوي اللمعان؛ لأنه يثقب الظلام بنوره، وأيَّاً كان فإن هذه النجوم من آيات الله -عزَّ وجلَّ- الدالة على كمال قدرته؛ في سَيْرها، وانتظامها، واختلاف أشكالها، واختلاف منافعها أيضاً. قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل:16]. وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك:5] فهي زينة للسماء، ورجوم للشياطين، وعلامات يُهتدى بها.

تفسير قوله -تعالى-: (إن كل نفس لما عليها حافظ): 

ثم بيَّن المقْسَم عليه بقوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾[الطارق:4] (إنْ) هنا نافية، يعني: ما كل نفس، و(لَمَّا) بمعنى (إلاَّ) يعني: ما كل نفس إلا عليها حافظ من الله. وبيَّن الله -سبحانه وتعالى- مهمة هذا الحافظ في قوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ ۞ كِرَاماً كَاتِبِينَ ۞ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:10-12] هؤلاء الحفظة يحفظون على الإنسان عمله، وما له وما عليه، ويجده يوم القيامة كتاباً منشوراً، يقال له: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ [الإسراء:14]. هؤلاء الحفظة يكتبون ما يقوم به الإنسان من قول، وما يقوم به من فعل؛ سواء كان ظاهراً؛ كأقوال اللسان وأعمال الجوارح، أو باطناً حتى ما في القلب مما يعتقده الإنسان، فإنه يكتب عليه، لقوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ۞ إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾[ق:16-18] هذا الحافظ يحفظ عمل بني آدم، وهناك حفظة آخرون ذكرهم الله في قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد:11].

تفسير قوله -تعالى-: (فلينظر الإنسان مم خلق..): 

قال -تعالى-: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾[الطارق:5] (اللام) هنا للأمر، والمراد بالنظر هنا: نظر الاعتبار، وهو النظر بالبصيرة، يعني: فليفكر الإنسان مم خلق؟ هل خُلِق من حديد؟! هل خلق من فولاذ؟! هل خلق من شيء قاسٍ قوي؟!

والجواب على هذه التساؤلات: ﴿أنه خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ [الطارق:6]، وهو ماء الرجل، ووصفه الله تعالى في آية أخرى بأنه ماء مهين، ضعيف السيلان، ليس كالماء العادي المنطلق، ووَصَفَه الله تعالى في آية أخرى أنه (نطفة) أي: قليلٌ من الماء، وهذا هو الذي خلق منه الإنسان؛ والعجب أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين، ثم يكون قلبه أقسى من الحجارة -والعياذ بالله- إلا من أَلانَ الله قلبه لدين الله.

تفسير قوله -تعالى-: ( يخرج من بين الصلب والترائب): 

ثم بيَّن أن هذا الماء ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق:7]: من بين صلب الرجل، وترائبه أعلى صدره، وهذا يدل على عمق مخرج هذا الماء، وأنه يخرج من مكان مكين في الجسد، والصواب أن هذا الوصف لماء الرجل. وقال بعض العلماء: ( يخرج من بين الصلب ): أي صلب الرجل، ( والترائب ) أي: ترائب المرأة؛ ولكن هذا خلاف ظاهر اللفظ.

والصواب أن الذي يخرج من بين الصلب والترائب هو ماء الرجل؛ لأن الله -تعالى- وصفه بذلك.

تفسير قوله -تعالى-: (إنه على رجعه لقادر): 

ثم قال -تعالى-: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ۞ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ ۞ فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ﴾ [الطارق:8-10]. ( إنه ): أي الله -عزَّ وجلَّ- ( على رجعه ): أي على رجع الإنسان. ( لقادر ): وذلك يوم القيامة؛ لقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:9]، فالذي قدر على أن يخلق الإنسان من هذا الماء الدافق المهين قادرٌ على أن يعيده يوم القيامة، وهذا من باب الاستدلال بالمحسوس على المنظور المترقَّب، وهو قياس عقلي، فإن الإنسان بعقله يقول: إذا كان الله قادراً على أن يخلق الإنسان من هذا الماء المهين ويحييه، إذاً فهو قادر على أن يعيده مرة ثانية، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم:27]، ولهذا يستدل الله -عزَّ وجلَّ- بالمبدأ على المعاد؛ لأنه قياس جلي واضح، ينتقل العقل من هذا إلى هذا بسرعة وبدون كلفة.

تفسير قوله -تعالى-: (يوم تبلى السرائر..): 

قال -تعالى-: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:9]: أي تختبر السرائر، وهي القلوب، فإن الحساب يوم القيامة على ما في القلوب، والحساب في الدنيا على ما في الجوارح، ولهذا عامَلَ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- المنافقين معاملة المسلمين؛ حيث كان يُستأذَن في قتلهم فيقول: «لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»، فكان لا يقتلهم وهو يعلم أن فلاناً منافق، وفلاناً منافق؛ لكن العمل في الدنيا على الظاهر، ويوم القيامة على الباطن، ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق:9]: أي تُخْتَبَر، وهذا كقوله: ﴿أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ ۞ وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات:9-10].

ولهذا يجب علينا -يا إخوان- العناية بعمل القلب أكثر من العناية بعمل الجوارح، فعمل الجوارح علامة ظاهرة؛ لكن عمل القلب هو الذي عليه المدار، ولهذا أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- عن الخوارج ، وهو يخاطب الصحابة، فيقول: «يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم» أي: إنهم يجتهدون في الأعمال الظاهرة؛ لكن قلوبهم خالية -والعياذ بالله- لا يتجاوز الإسلام حناجرهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بالقلوب، وإصلاحها، وأعمالها، وعقائدها، واتجاهاتها، قال الحسن البصري رحمه الله: والله ما سبقهم أبو بكر بصلاة ولا صوم، وإنما سبقهم بما وقر في قلبه من الإيمان، والإيمان إذا وقر في القلب حمل الإنسان على العمل؛ لكن العمل الظاهر قد لا يحمل الإنسان على إصلاح قلبه.

فعلينا -أيها الإخوة- أن نعتني بقلوبنا، وإصلاحها، وتخليصها من شوائب الشرك، والبدع، والحقد، والبغضاء، وكراهة ما أنزل الله على رسوله، وكراهة الصحابة -رضي الله عنهم- وغير ذلك مما يجب تنزيه القلب عنه.

تفسير قوله -تعالى-: (فما له من قوة ولا ناصر):

ثم قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ ﴾[الطارق:10] أي: يوم القيامة ليس للإنسان قوة ذاتية، وهي: القوة الداخلية، (ولا ناصر) وهي: القوة الخارجية، فهو بنفسه لا يستطيع أن يدافع عن نفسه، ولا أحد يستطيع أن يدافع عنه، قال الله -تعالى-: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:101] في الدنيا يتساءلون، يسأل بعضهم بعضاً، ويحتمي بعضهم ببعض؛ لكن يوم القيامة لا أنساب، لا تنفع القرابة، ولا يتساءلون.

فنسأل الله -تعالى- أن يصلح قلوبنا وقلوبكم، وأعمالنا وأعمالكم، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.