تفسير آيات من سورة البروج
مدة الملف
حجم الملف :
4236 KB
عدد الزيارات 2161

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأول من شهر جمادى الثانية عام (1414هـ)، والذي يتم كل أسبوع في يوم الخميس.

لقاؤنا هذا نفتتحه بالكلام على آيات من كتاب الله -عز وجل- في سورة البروج من قوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:16]؛ لأن ما سبق قد تكلمنا عنه .


تفسير قوله -تعالى-:﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾:

قال -تعالى-:﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾[البروج:16] هذا وصف لله -سبحانه وتعالى- أنه فعال لما يريد، فكل ما أراد سبحانه فإنه يفعله، لا يمنعه شيء من ذلك؛ لأن له ملك السماوات والأرض، ومالك السماوات والأرض لا أحد يمنعه من أن يفعل في ملكه ما شاء، وهذا كقوله -تبارك وتعالى-: ﴿وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم:27]، فالخلق مهما كانوا لا يستطيعون أن يفعلوا ما شاءوا، بل قد يريدون الشيء إرادة جازمة وبكل قلوبهم، ويتمنون أن يفعلوه؛ ولكن لا يحصل لهم هذا، بل يحول بينهم وبينه قدر الله -عز وجل- أما الرب تبارك وتعالى فإنه فعال لما يريد. وفي الآية الكريمة إثبات إرادة الله -سبحانه وتعالى- وهو كذلك، فإنه تعالى له إرادة كاملة تامة في خلقه، حتى فيما يتعلق بأفعال الخلق؛ لا يكون فعلٌ من الناس إلا بإرادة الله كما قال الله -تعالى-: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ۞ وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير:28-29] فعلق مشيئتهم بمشيئته -سبحانه وتعالى- وقال -جلَّ وعَلا-: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ [البقرة:253]. فهو -سبحانه وتعالى- إرادته شاملةٌ لِمَا يكون من فعله، ولِمَا يكون من فعل العباد، فأنا -مثلاً- لو تكلمت بكلامي هذا أو بغيره أو بما سبقه، فكل كلامي كائن بإرادة الله، ولو شاء الله ما تكلمتُ، وإذا شاء الله أن أتكلم تكلمتُ، فتنبعث من قلبي إرادة للكلام فأتكلم، ولهذا قال: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:16].

تفسير قوله -تعالى-: (هل أتاك حديث الجنود): 

ثم قال عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج:17] والخطاب لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أو لكل من يصح أن يتوجه إليه خطاب، والاستفهام للتنبيه؛ لأن الشيء إذا جاء باستفهام انتبه له الإنسان أكثر، فالله -عز وجل- يقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ [البروج:17]، فالجنود: جمع جند، وهو هنا مُبْهَم؛ لكنه فسره بقوله: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:18] أي:

السؤال :

هل أتاك خبرهم؟

الجواب:

نعم، أتانا خبرهم، قص الله -سبحانه وتعالى- علينا من نبأ فرعون وثمود ما فيه عبرة لمن كان قلبه حياً ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:37].

تفسير قوله -تعالى-: (فرعون وثمود): 

ذكر الله -تعالى- قصة فرعون في آيات كثيرة في القرآن الكريم وفي سور متعددة، وذلك لأن قصة فرعون مقدمة بين يدي رسالة موسى -عليه السلام- وموسى كما هو معروف مبعوث إلى بني إسرائيل؛ وقد قص الله -سبحانه وتعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلم- من نبأ موسى ما لم يقصه من نبأ غيره؛ لأن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- سوف تكون هجرته إلى المدينة ، و المدينة فيها ثلاث قبائل من اليهود ساكنة فيها، فكان النبي -عليه الصلاة والسلام- يعلم من نبئهم الشيء الكثير؛ من أجل أن يكون على استعداد لمناظرتهم ومجادلتهم بالحق، حتى لا يخفى عليه من أمرهم شيء. ففرعون: ملك مصر.

السؤال :

وهل هو عَلَم شخص أو عَلَم وصف؟

الجواب:

بمعنى: هل فرعون اسم للجبار العنيد الذي بُعِث إليه موسى؟ أو أنه وصف لكل مَن مَلَك مصر وهو كافر؟ من العلماء من يقول: إنه علم شخص؛ يعني: أنه الذي أُرْسِل إليه موسى وهو جبار عنيد يسمى فرعون. ومنهم مَن قال: إنه علم وصف لكل مَن مَلَك مصر كافراً، كما يقال: كسرى لكل مَن مَلَك بلاد الفرس، وقيصر لكل مَن مَلَك بلاد الروم، والنجاشي لكل مَن مَلَك الحبشة، وما أشبه ذلك.

والخلاف في هذا ليس بذاك المهم؛ لكن المهم أن فرعون قصته معروفة؛ كان جباراً عنيداً متكبراً، يَدَّعي أنه الرب، ويستهزئ بموسى، وبما جاء به من الآيات، ويتحداه، ويقول له صراحة وجهاً لوجه: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء:101]، ويفتخر ويقول لقومه: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ۞ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ ۞ فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف:51-53]. وماذا كانت النتيجة؟! كانت النتيجة أن كفر به أخص الناس بكيده وهم السَّحَرة، فإن السَّحَرة لما جمعوا كل ما عندهم من السحر، وجاءوا لمقابلة موسى -عليه الصلاة والسلام- حيث إن موسى أتى بآية تشبه السحر؛ ولكنها ليست بسحر؛ بل هي آية من آيات الله، وهي أنه يضع العصا التي بيده -عصا من خشب-، فإذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى، فقال الناس: هذا سحر، فجُمِع السَّحَرة كلهم؛ أكبرُ السَّحَرة وأحذقهم بالسحر جُمِعُوا في وقت حدَّده موسى، حيث قال له فرعون: ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً﴾ [طه:58] أي: مكاناً مستوياً منبسطاً، حتى يشاهد الناس ما يشاهدون من السحر وأعمال السَّحَرة ، فقال لهم: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [طه:59]، ويوم الزينة يوم عيدهم، ويوم العيد -كما تعلمون- يكثر فيه تجمع الناس، ويهنئ بعضُهم بعضاً بالعيد، فاجتمعوا -كما وعدهم موسى- يوم الزينة، وحُشِر الناس، ومتى حُشروا؟ لم يُحشروا في الليل، أو في آخر النهار، أو أول النهار؟ بل حُشروا ضحى في رابعة النهار. ولَمَّا حشروا ألقى السَّحَرة كل ما يكيدون من كيد وسحر، ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى ۞ فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه:66-67]؛ لأنه شاهد شيئاً عظيماً، فأوحى الله إليه أن يلقي العصا، فألقى العصا فإذا هي تلقف ما يأفكون، حينئذ علم السَّحَرة أن موسى صادق وأنه ليس بساحر؛ لأنه لو كان ساحراً ما غلبهم بسحره، فآمنوا بالله وكفروا بفرعون، ﴿وقَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ۞ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف:121-122]، وتحدوا فرعون . وفي النهاية كانت نهاية فرعون أن أغرقه الله -عز وجل- بالماء الذي كان يفتخر به بالأمس، في قوله: ﴿وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف:51]، والأنهار: المياه، فأهلكه الله بجنس ما كان يفتخر به. أما ثمود: فإن الله -تعالى- قد أعطاهم قدرة وقوة، وأترفهم، حتى كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً فارهين، ويتخذون من السهول قصوراً، وكانت لهم قوة وصرامة، فأُهْلِكوا حين كَذَّبوا نبيهم صالح عليه السلام أُهْلِكوا برجفة وصيحة،صِيْحَ بِهِم، وارتجفت بهم الأرض، فهَلَكوا عن آخرهم،﴿ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ [هود:67] -والعياذ بالله- فالله -عز وجل- يقول: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ ۞ فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾ [البروج:17-18]، وماذا كان من نبئهم؟

وفي هذا التنبيه فائدتان:

الفائدة الأولى: تسليةُ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وتقويتُه، وأن الذي نصر الرسل من قبله سوف ينصره، ولا شك أن هذا يقوِّي العزيمة، ويوجب أن يندفع الإنسان فيما كُلِّف به من تبليغ الرسالة.

والفائدة الثانية: تهديدُ قريش الذين كذبوا الرسول عليه الصلاة والسلام، وأنهم ليسوا أشد قوة من فرعون وثمود، ومع ذلك أهلكهم الله سبحانه وتعالى.

تفسير قوله -تعالى-: (بل الذين كفروا في تكذيب): 

قال -تعالى-: ﴿بَلِ﴾[البروج:19] للإضراب، وهو للانتقال من موضوع إلى آخر. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البروج:19] أي: بمحمد -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ﴿فِي تَكْذِيبٍ ﴾[البروج:19] (في) للظرفية، كأن هؤلاء منغمسون في التكذيب، والتكذيب محيط بهم من كل جانب، وهذا أبلغ من قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:22] في هذا الموضع، وإلاَّ فإن قوله:﴿ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ [الانشقاق:22] في موضعه يكون أبلغ؛ لأن القرآن الكريم قد يأتي بالكلمتين مختلفتين في موضعين، وتكون كل واحدة في موضعها أبلغ من الأخرى، إذ أن القرآن مشتمل على غاية البلاغة.

تفسير قوله -تعالى-: (والله من ورائهم محيط): 

قال -تعالى-: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [البروج:20] أي: غالِبُهم ومحيطٌ بهم، ومهما فروا فإن الله -تعالى -مدركهم لا محالة، فهو محيط بهم علماً وقدرةً وسلطاناً، ولَنْ يُفْلِتوا من الله -سبحانه وتعالى- إذا أراد بهم سوءاً، كما قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:11].

ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ۞ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج:21-22] وسنتكلم على هذا إن شاء الله في اللقاء القادم؛ لأنه مهم، ونذكر المناسبة بين ختمه لهذه السورة بهاتين الآيتين، وبين ابتدائها بالسماء ذات البروج، وما ذكر فيها من العبر والقصص.

نسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتاب الله حق تلاوته، إنه على كل شيء قدير.