تفسير آيات من سورة البروج
مدة الملف
حجم الملف :
7316 KB
عدد الزيارات 1886

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأخير من شهر جمادى الأولى، عام: (1414هـ)، الذي يتم في كل خميس من كل أسبوع.

نبدأ هذا اللقاء بما كنا نبدأ به أولاً من تفسير القرآن الكريم، وقد وصلنا إلى قوله تعالى في سورة البروج: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:11].


تفسير قوله -تعالى-:﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾

قال -تعالى-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البروج:11] هم الذين آمنوا بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، فإن هذا هو الإيمان كما فسره النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حين سأله جبريل عن الإيمان؛ فقال:«أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسوله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره».

وأما قوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البروج:11] فالمراد: عملوا الأعمال الصالحة؛ والأعمال الصالحة هي التي بنيت على الإخلاص لله، واتباع شريعة الله، فمَن عمل عملاً أشرك به مع الله غيره، فعملُه مردودٌ عليه، لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فيما يرويه عن ربه أنه -تعالى- قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه».

وأما المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فإن مَن عمل عملاً ليس على شريعة الله فإنه باطل مردود، لقول النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد».

وبناءً على ذلك تكون عبادة المرائي الذي يعبد الله؛ لكن يرائي الناس، أي: يُظْهِر العبادة ليراه الناس فيمدحوه، إذْ أنه لا يريد التقرب إلى الناس، بل يريد التقرب إلى الله؛ لكن يريد أن يمدحه الناس على تقربه إلى الله وعبادته لله، فهذا المُرائي عمله مردود أيضاً.

كذلك مَن تكلم بكلام؛ قرآنٍ، أو ذِكْرٍ، ورفع صوته ليسمعه الناس فيمدحوه على ذكره لله، فهذا أيضاً مُراءٍ، وعمله مردود عليه؛ لأنه أشرك فيه مع الله غيره، أراد أن يمدحه الناس على عبادة الله.

أما من تعبد للناس، فهذا مشركٌ شركاً أكبر، فمن قام يصلي أمام شخص تعظيماً له لا لله، وركع للشخص وسجد له فهذا مشرك شركاً أكبر مخرج من الملة.

وكذلك مَن ابتدع في دين الله ما ليس منه، كما لو رتَّب أذكاراً معينة في وقت معين، فإن ذلك لا يُقْبَل منه حتى ولو كان ذكرَاً لله، ولو كان تسبيحاً أو تحميداً، أو تكبيراً أو تهليلاً؛ لكنه رتبه على وجه لم ترد به السنة، فإن ذلك ليس مقبولاً عند الله -عزَّ وجلَّ- لأنه عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله.

فالمهم أن الله اشترط مع الإيمان العمل الصالح، وبهذا نعرف أنه لا ينبغي لنا أن نركز دائماً على العقيدة، ونقول: نحن على عقيدة إسلامية، وعلى كذا، وعلى كذا، ولم نذكر العمل؛ لأن مجرد العقيدة لا يكفي، بل لا بد من العمل.

فينبغي عندما نذكر أننا على العقيدة الإسلامية أن نقول: ونعمل العمل الصالح؛ لأن الله يقرن دائماً بين الإيمان المتضمن للعقيدة وبين العمل الصالح؛ حتى لا يخلو الإنسان من عمل صالح، أما مجرد العقيدة، فلا ينفع، فلو أن إنساناً يقول: أنا مؤمن بالله؛ لكنه لا يعمل، فأين الإيمان بالله؟!

ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن تارك الصلاة كافر كفراً مخرج عن الملة، وقد بينا أدلة ذلك في رسالة لنا صغيرة، وكذلك تمر علينا في برنامج: (نور على الدرب) أسئلة حول هذا الموضوع، ونبين الأدلة بما يغني عن إعادتها هنا. ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البروج:11].﴿لَهُمْ﴾أي: عند الله. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ : وذلك بعد البعث، فإنهم يدخلون هذه الجنات التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17]. وقال الله في الحديث القدسي:«أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» لأن فيها من النعيم ما لا يتصوره الإنسان، والله -تعالى- يذكر أن في الجنات نخلاً، ورماناً، وفاكهةً، ولحمَ طير، وعسلاً، ولبناً، وماءً، وخمراً؛ لكن لا تظنوا أن حقائق هذه الأشياء كحقائق ما في الدنيا، أبداً؛ لأنها لو كانت حقائقها كحقائق ما في الدنيا لكنا نعلم ما أخفي لنا من هذا؛ ولكنها أعظم وأعظم بكثير مما نتصوره.

فالرمان وإن كنا نعرف معنى الرمان أنه على شكل معين، وطعم معين، وذو حبات معينة لكن ليس الرمان الذي في الآخرة كهذا؛ بل هو أعظم بكثير، لا يساويه من جهة الحجم ولا من جهة اللون، ولا من جهة المذاق؛ لكن كما قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: [ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء فقط، أما الحقائق فهي غير معلومة]. وقوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾[البروج:11]: قال العلماء: (من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها وقصورها، وإلا فهي على السطح فوق، ثم إن هذه الأنهار جاء في الأحاديث أنها لا تحتاج إلى حفر، ولا تحتاج إلى بناء أخدود، وفي هذا يقول ابن القيم في النونية:

أنهارها في غير أخدود جرت *** سبحان ممسكها عن الفيضانِ

الأنهار المعروفة عندنا أنها تحتاج إلى حفر أو إلى أخاديد تمنع من تسرب الماء يميناً وشمالاً؛ لكن في الجنة لا تحتاج إلى أخدود، بل تجري حيث يشاء الإنسان، ويوجهها كما شاء، بدون حفر وبدون إقامة أخدود. والأنهار هنا وفي آيات كثيرة مجملة؛ لكنها فُصِّلت في سورة القتال (سورة محمد) قال -تعالى-: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:15]. ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج:11]. ﴿ذَلِكَ﴾ : المشار إليه هو: الجنات وما فيها من النعيم. الْفَوْزُ الْكَبِيرُ أي: الذي به النجاة من كل مرهوب، وحصول كل مطلوب؛ لأن الفوز هو عبارة عن حصول المطلوب، وزوال المكروه. والجنة كذلك فيها كل مطلوب، وقد زال عنها كل مرهوب، فلا يذوقون فيها الموت، ولا المرض، ولا السقم، ولا الهم، ولا النصب. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أهلها.

تفسير قوله -تعالى-: (إن بطش ربك لشديد): 

ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ۞ إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:12-13]. ﴿بَطْشَ﴾ [ أي: أَخْذَهُ بالعقاب شديد، كما قال -تعالى-: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾[المائدة:98] فبَطْشُ الله -أي: انتقامُه وأخذُه- شديدٌ عظيم؛ ولكنه لمن يستحق ذلك، أما من لا يستحق ذلك فإن رحمة الله -تعالى- أوسع، ما أكثر ما يعفو الله من الذنوب! ما أكثر ما يستر الله من العيوب! ما أكثر ما يدفع الله من النقم! وما أكثر ما يجري من النعم! لكن إذا أخذ الظالم لم يُفْلِته؛ كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله ليُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه» وتلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [هود:102].

وعلى هذا فنقول: ﴿بَطْشَ رَبِّكَ﴾  [البروج:12] أي: فيمن يستحق البطش، أما من لا يستحقه؛ فإن الله -تعالى- يعامله بالرحمة، وبالكرم، وبالجود، ورحمة الله -تعالى- سبقت غضبه.

تفسير قوله -تعالى-: (إنه هو يبدئ ويعيد): 

قال -تعالى-: ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ [البروج:13] أي: إن الأمر إليه ابتداءً وإعادة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم:27] فهو الذي بدأ الأشياء، وإليه تنتهي الأشياء، الأشياء منه وإليه في كل شيء، الخلق من الله وإليه، الشرائع من الله وإليه، كل الأمور من الله وإليه، ولهذا قال: ﴿يُبْدِئُ﴾ [البروج:27] ولم يذكر ما الذي يبدؤه، فمعناه: أنه يبدئ كل شيء، ويعيد كل شيء، فكل الأمر بيده -عزَّ وجلَّ- فأنت اعرف أصلك من أين أنت! وأنك ابتدأت من عدم، واعرف منتهاك وغايتك، وأن غايتك إلى الله عزَّ وجلَّ.

تفسير قوله -تعالى-: (وهو الغفور الودود...): 

قال -تعالى-: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ۞ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾[البروج:14-15]. ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾أي: ذو المغفرة؛ والمغفرةُ سَتْرُ الذنب والعفوُ عنه، فليست المغفرةُ سترَ الذنب فقط؛ بل سترُه وعدمُ المؤاخذة عليه، كما جاء في الحديث الصحيح: «إن الله يخلو بعبده المؤمن يوم القيامة ويقرره بذنوبه، حتى يقر بها ويعترف، فيقول الله عزَّ وجلَّ: قد سترتُها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم». ذنوبنا كثيرة: ذنوب قلبية. وذنوب قولية. وذنوب فعلية ما أكثرها! لكن الله -تعالى ولله الحمد- يسترها. يُذكر أن بني إسرائيل كانوا إذا أذنب الواحد منهم ذنباً وَجَدَهُ مكتوباً على باب بيته، فضيحةً وعاراً - والعياذ بالله -؛ لكننا نحن -ولله الحمد- قد ستر الله علينا، فنتوب إلى الله، ونستغفر من الذنوب، فتمحى آثارها نهائياً، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ [البروج:14]: أي الساتر لذنوب عباده، المتجاوز عنها، ﴿الْوَدُودُ﴾[البروج:14]: مأخوذة من الود، والود: هو خالص المحبة، فهو جلَّ وعَلا ودود.

السؤال

وما معنى ودود؟ هل معناه أنه محبوبٌ، أو أنه حابٌّ؟

الجواب:

يشمل الوجهين جميعاً، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:54] فهو -جلَّ وعَلا- وادٌّ؛ يحب الأعمال، ويحب الأشخاص، ويحب الأمكنة. وهو كذلك أيضاً محبوبٌ يحبه أولياؤه: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾[آل عمران:31]. فكلما كان الإنسان أتبع لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان أحب إلى الله، فهو جلَّ وعَلا وادٌّ وهو أيضاً مودود، أي: أنه يُحِبُّ ويُحَبُّ، يُحِبُّ سبحانه وتعالى الأعمال، ويحب العاملين، ويحب الأشخاص، بمعنى: أن محبة الله قد تتعلق بشخص معين، مثل قول الرسول عليه الصلاة والسلام في يوم خيبر : «لأعطين الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولَه، ويحبه اللهُ ورسولُه» فبات الناس، ثم غدوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين علي بن أبي طالب؟» قالوا: يشتكي عينيه، فدعا به، فأتى، فبَصَق في عينيه، فبرأ كأن لم يكن به وجع -في الحال-، ثم أعطاه الراية، وقال: «انفذ على رسلك، حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام». الشاهد قوله: «يحب اللهَ ورسولَه ويحبه اللهُ ورسولُه»  فهنا أثبت أن الله يحب هذا الرجل بعينه، وهو علي بن أبي طالب.

ولما بعث رجلاً على سرية صار يقرأ لهم في الصلاة، ويختم بقراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] فلما رجعوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أخبروه بذلك؛ لأن عمله هذا غير معروف، أن الإنسان كلما قرأ في الصلاة يجعل آخر قراءته: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص:1] فقال:« سلوه: لأي شيء كان يصنع ذلك»! فسألوه، فقال: إنها صفة الله، وأنا أحب أن أقرأها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أخبروه أن الله يحبه» فهنا تجدون محبة الله قد علِّقت بشخص معين. وقد تكون محبة الله معلقة بمعينين بأوصافهم، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة:4]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:195]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف:4] هذا ليس فيه شخص معين؛ لكن فيه شخص موصوف بصفة. كذلك يحب الله -سبحانه وتعالى- الأماكن؛ فأحب البقاع إلى الله مساجدها. وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أن مكة أحب البقاع إلى الله» فهذه المحبة متعلقة بالأماكن. فالله -تعالى- يُحِبُّ ويُحَبُّ، ولهذا قال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾ [البروج:14].

تفسير قوله -تعالى-: (ذو العرش المجيد): 

ثم بيَّن عَظَمَته وتمامَ سلطانه بقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ۞ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:15-16]. ذُو الْعَرْشِ أي: صاحب العرش، والعرش هو الذي استوى الله -عز وجل- عليه وهو أعظم المخلوقات وأكبرها وأوسعها. وقد جاء في الأثر: (أن السماوات السبع والأرضين السبع بالنسبة للكرسي كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض وأن فضل العرش على الكرسي كفضل الكرسي على هذه الحلقة) إذاًَ: الكرسي لا أَحَدَ يُقَدِّر سعته، وإذا كنا نشاهد من المخلوقات المشهودة الآن التبايُن العظيم في أحجامها، فكيف بالكرسي؟!

أطلعني رجل على صورة الشمس وهي مصورة، وصورة الأرض، فوجدتُ أن الأرض بالنسبة لهذه الشمس كنقطة غير كبيرة في وعاء واسع كبير، وأنها لا تنسب إلى الشمس إطلاقاً، فهي ليست شيئاً، فإذا كانت هذه الأشياء المشهودة التي تدرَك بالتليسكوب وغيره، فما بالك بالأشياء الغائبة عنا؟! لأن ما غاب عنا أعظم مما نشاهد، قال الله -تعالى-: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [الإسراء:85]. فالحاصل أن العرشَ الذي هو سقف المخلوقات كلها عرشٌ عظيم، استوى عليه الرحمن -جلَّ وعَلا- كما قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه:5]. وقوله: ﴿الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج:15] هذه فيها قراءتان:﴿الْمَجِيدُ﴾ [البروج:15] بضم الدال. و ﴿الْمَجِيدِ﴾ [البروج:15] بكسر الدال. فعلى القراءة الأولى تكون وصفاً للرب -عز وجل- وعلى القراءة الثانية تكون وصفاً للعرش. وكلاهما صحيح، فالعرشُ مجيدٌ، وكذلك الربُّ عز وجل مجيدٌ، ونحن نقول في التشهد: إنك حميدٌ مجيد.

تفسير قوله -تعالى-: (فعال لما يريد): 

قال -تعالى-: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:16] كل ما يريده فإنه يفعله -عز وجل- لأنه تام السلطان لا أحد يمانعه، ولا معقِّب لحكمه ولا رادَّ لقضائه: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد:11]. فكل ما يريده فإنه يفعله؛ لكن ملوك الدنيا وإن عَظُمَت ملكيتهم لا يفعلون كل ما يريدون، ما أكثر ما يريدون ثم يوجد مانع يمنع مرادهم! أما الرب فهو ذو السلطان الأعظم، الذي لا يَرُدُّ ما أراده شيءٌ: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج:16] وفي هذا دليل على أن جميع ما وقع في الكون هو بإرادة الله -عز وجل- لأن الله هو الذي خلقه، فيكون واقعاً بإرادته، ولكن اعلموا أن الله لا يريد شيئاً إلا لحكمة، فكل ما يقع من أفعال الله، فإنه لحكمة عظيمة، قد نعلمها وقد لا نعلمها، ونتوقف عند هذه الآية الكريمة.

ونسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن يتلون كتابه حق تلاوته، وأن يرزقنا فَهمه، ويعيننا على العمل به، إنه جواد كريم.