أهمية التثبت في الأخبار
مدة الملف
حجم الملف :
4860 KB
عدد الزيارات 1206

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الأول في شهر جمادى الأولى من عام (1414هـ) والذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يثيب الجميع على ما يقدمونه من بحث عن العلم والتعلم، ونبشركم جميعاً بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة» فنسأل الله أن ييسر لنا ولكم ذلك بمنه وكرمه.

نقول: إن الله -سبحانه وتعالى- قال في كتابه: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾[الجاثية:7] والأفاك هو ذو الإفك، والإفك هو الكذب، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع» ومعنى ذلك: أن الإنسان الذي يحدث بكل ما سمع فإنه سيثقل كاهله بالكذب؛ لأنه ليس كل ما قيل وكل ما ينقل يكون صدقاً، بل كثير من الأخبار ولاسيما مع الانفعالات والعواطف يكون كذباً ويزاد فيه وينقص.

وجوب التثبت عند سماع الإشاعات: 

يجب على الإنسان إذا سمع عن شخص شيئاً أن يتأكد أولاً من صحة النقل، فقد يكون النقل خطأً، وهذا يقع كثيراً، وكثيراً ما نسمع مما ينسب إلى المشايخ أو الأمراء أو غيرهم من الناس، ثم إذا تحققنا منه وجدنا أنه كذب لا أصل له، وربما يكون له أصل لكن يزاد فيه، وهذه محنة عظيمة، فيجب أولاً أن نتحقق من صحة النقل، فإذا صح النقل، وأن فلاناً قال كذا، من أمير أو عالم أو وزير أو رجل عادي، فإننا نتأمل قبل أن نتحدث معه، نتأمل هل لكلامه وجهة نظر؟! هل هو اجتهاد يخطئ فيه ويصيب، وقد نكون نحن مخطئين وهو المصيب. نتأمل قبل أن نتجاسر على الكلام معه بإنكار ما نسب إليه أو ما أشبه ذلك، وكثيراً ما ينقل الشيء ويكون النقل صحيحاً، ونعلم أن هذا الرجل قاله أو فعله، ثم إذا تأملنا وجدنا أن له مبرراً ومسوغاً، وإذا كان له مبرراً أو مسوغاً -وإن كان يجهله كثير من الناس- فإنه ليس أهلاً للملامة أو أهلاً للإنكار؛ لأنه قاله عن اجتهاد، وليس الشخص منا ينزل عليه الوحي بحيث يكون ما قاله حقاً أو ما فعله حقاً، فإن الوحي انقطع بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا تأملنا ما صح به النقل عنه، ووجدنا أن لقوله ولفعله مساغاً ومبرراً فإننا نسكت ولا نتكلم معه. فإذا تبين لنا أنه لا مساغ لقوله ولا مبرر له، أو لا مساغ لفعله ولا مبرر له حينئذٍ نتكلم .. ولكن كيف الكلام؟ هل يكون الكلام بأن نشهر بهذا الرجل عند الناس، ونقول: هذا فلان فيه كذا وكذا؟ لا. الواجب النصيحة بالحكمة بأن نذهب إليه ونقول: فعلت كذا أو قلت كذا، وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يخالف قول الله عز وجل، كذا وكذا، أو قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا، أو إجماع العلماء على كذا وكذا، فكيف تقول ذلك أو تفعل ذلك؟

النهي عن التشهير وبيان خطره: 

ولا يجوز إطلاقاً أن نشهر به، لاسيما إن كان من العلماء أو كان من الأمراء؛ لأنك إذا شهرت بخطأ عالم من العلماء فأنت في الحقيقة أسأت إليه شخصياً كما تسيء إلى سائر الناس، ولكنك أضفت إلى هذه الإساءة إساءة إلى العلم الذي يحمله والشريعة التي يتكلم بها، فإن العلماء إذا سقطوا من أعين الناس، لم يبق لقولهم ميزان ولم يثق الناس بقولهم، وحينئذٍ يذهب جزء من الشريعة على يد هذا العالم الذي أخطأ مرةً واحدة، ولا أحد معصوم من الخطأ فتضيع بالتشهير به مصالح كثيرة، وهذه جناية عظيمة ليس على الشخص نفسه بل على الشخص وما يحمله من شريعة الله -عز وجل- كما هو معلوم، وإذا كان هذا مع الأمير وشهرت به فأنت أسأت إليه شخصياً كما تسيء إلى سائر الناس، وأسأت إلى الأمن مرة أخرى، وذلك لأن حُفّاظ الأمن هم الأمراء ومن جُعل لهم سلطة العقوبة والتنفيذ، فإذا شهرت بهم قَلَّت هيبتهم في نفوس الناس، وصاروا كعامة الناس لا أحد يهتم بهم، لا بأوامرهم ولا بنواهيهم، وحينئذٍ يختل الأمن ويحصل التمرد، فكان التشهير بالعلماء يستلزم التمرد على الشريعة التي يحملها هذا العالم ويتكلم بها، والتشهير بالأمراء يستلزم التمرد عليهم وانقضاض البنية التي يبنى عليها المجتمع من الأمن وانفلات الأمر، وهذه جناية عظيمة كبيرة، ولهذا قال الله -تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59].

فمن هم أولو الأمر؟

أولو الأمر طائفتان من الناس: العلماء هم أولو الأمر في شريعة الله وتبيينها للخلق، والأمراء هم أولو الأمر في تنفيذ الشريعة وحفظ الأمن، أوجب الله طاعة هؤلاء؛ لأجل حفظ الشريعة وحفظ الأمن وانتظام الناس؛ لأن الناس لو تمردوا عليهم وجعلوا أمر الأمير أو أمر العالم كأمر زيد وعبيد لم يكن لهم سلطة على القلوب ولا على النفوس، وصاروا كعامة الناس، إن قالوا فالإنسان بالخيار إن شاء قبل ما قالوا وإن شاء رده، وإن أمروا فالإنسان بالخيار إن شاء أطاع وإن شاء عصى، وإلا فله الخيار إن شاء انتهى وإن شاء فعل، وهذه من كبار المسائل، ولهذا قال -تعالى-: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:59] ما قال: وليطع بعضكم بعضاً، قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾[النساء:59] فخص ولاة الأمور.

حكم طاعة ولاة الأمر بالمعروف وإن كانوا عصاة: 

إذا أمروا بمعصية الله -مثلاً- كما لو قالوا للناس: لا تصلوا مع الجماعة، أو قالوا للناس: اشربوا الخمر، افعلوا كذا من الأشياء المحرمة، أو اتركوا شيئاً من الأشياء الواجبة، فهؤلاء لا يطاعون ولا سمع لهم ولا طاعة، فإذا أمرونا بالمعصية قلنا: لا. لكن لو فعلوا المعصية هل لهم أمر علينا؟ الجواب: نعم. لهم أمر علينا وإن فعلوا المعصية، لو كانوا يعصون فلهم أمرٌ علينا وطاعة؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمر بطاعة ولاة الأمور حتى وإن رأينا منهم ما نكره، وأمر بطاعة ولاة الأمور حتى وإن ضربوا الظهر وأخذوا المال، وكونهم يعصون الله فمعصيتهم عليهم، لكن إذا أمرونا مباشرة وقالوا: افعلوا هذه المعصية أو اتركوا هذا الواجب، قلنا لا سمع ولا طاعة، وما يروى أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمر بأمر، فقال بلال -رضي الله عنه-: لا سمع ولا طاعة؛ لأن عليك ثوباً جديداً أو ثوبين، فإن هذا لا أظنه يصح؛ لأن عمر له من الهيبة ما لا يمكن لبلال أن يتكلم بمثل هذا أمام الناس، ثم إن بلالاً رضي الله عنه عنده من احترام عمر ما لا يمكن أن يتكلم بمثل هذا أمام الناس، ثم لو فرضت صحته مثل الشمس، فلعل بلالاً قال ذلك؛ لأن من الناس من انتقد عمر في هذا الفعل، فأراد بلال من عمر -رضي الله عنه- أن يبين السبب الذي جعله يلبس ثوباً جديداً أو ثوبين، حتى يزول الإشكال الذي وقع في قلوب بعض الناس.

واجبنا تجاه الأخبار المشاعة: 

أما أن يعلن إنكاره أمام الملأ فهذا بعيد جداً، ولكن إن صح فوجهه ما قلت: لعله سمع من يتكلم بهذا الكلام فأراد أن يبرأ ساحته مما يتكلم الناس به. على كل حال يجب علينا إزاء ما نسمع من الأخبار أمور ثلاثة مرتبة: الأمر الأول: التثبت. الأمر الثاني: التأمل. الأمر الثالث: المواجهة والنصيحة، دون التشهير والإعلان، ولاسيما إذا كان الإنسان من ولاة الأمور من عالم أو أمير أو نحو ذلك، وبهذا نسلك سبيل السلف الصالح -رضي الله عنهم- ويحصل الخير الكثير، وهذا لا يُفَوِّتُ شيئاً، فبدلاً من أن تنكر اليوم تثبت وتأمل ثم أنكر غداً أو بعد غد. نحن نقول: تثبت وتبين لكن بهدوء وخطوات ثابتة متزنة مبنية على الحجة: المنقول والمعقول، وبهذا تتم الأمور وتصلح الأحوال.

نسأل الله -تعالى- أن يجمع قلوبنا على طاعته وتقواه، وأن يوحد كلمتنا بالحق، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.