تفسير آيات من سورة البروج
مدة الملف
حجم الملف :
5157 KB
عدد الزيارات 1284

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الأخير من شهر ربيع الثاني عام (1414هـ) والذي يتم في يوم الخميس الثامن والعشرين من هذا الشهر، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يختم لنا ولكم بالخير، وأن يحسن لنا ولعامة المسلمين العاقبة.


تفسير قوله تعالى: ﴿وما نقموا منهم ...﴾:

تكلمنا في الأسبوع الماضي على أول آيات سورة البروج إلى أن وقفنا على قول الله -تعالى-: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج:8] أي: ما أنكر هؤلاء الذين سعروا النار بأجساد هؤلاء المؤمنين إلا هذا، أي: إلا أنهم آمنوا بالله -عز وجل-: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ، وهذا الإنكار أحق أن ينكر؛ لأن المؤمن بالله العزيز الحميد يجب أن يساعد ويعان، وأن تسهل له الطرق، أما أن يمنع ويردع حتى يصل الحد إلى أن يحرق بالنار؛ فلا شك أن هذا عدوان كبير، وليس هذا بمنكرٍ عليهم، بل هم يحمدون على ذلك؛ لأنهم عبدوا من هو أهل للعبادة وهو الله جل وعلا الذي خلق الخلق ليقوموا بعبادته، فمن قام بهذه العبادة فقد عرف الحكمة من الخلق وأعطاها حقها. وقوله: ﴿إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾العزيز: هو الغالب الذي لا يغلبه شيء؛ فهو -سبحانه وتعالى- له الغلبة والعزة على كل أحد، ولما قال المنافقون: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:8] قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ المنافقون:8].

قوله: (الحميد) بمعنى: المحمود، فالله -سبحانه وتعالى- محمود على كل حال، وكان من هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا جاءه ما يسر به قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»وإذا جاءه خلاف ذلك قال:« الحمد لله على كل حال». وهذا هو الذي ينبغي للإنسان أن يقوله عند المكروه: (الحمد لله على كل حال).

أما ما تسمعه من بعض الناس: الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه، فهذا خلاف ما جاءت به السنة، بل قل كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الحمد لله على كل حال) أما أن تقول: (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه) فكأنك الآن تعلن أنك كاره ما قدر الله عليك، وهذا لا ينبغي، بل الواجب أن يرضى الإنسان بما قدر الله عليه مما يسوءه أو ما يسره؛ لأن الذي قدره عليك هو الله -عز وجل- وهو ربك، وأنت عبده وهو مالكك وأنت مملوك له، فإذا كان الله هو الذي قدر عليك ما تكره فلا تجزع، يجب عليك الصبر وألا تسخط، لا بقلبك ولا بلسانك، ولا بجوارحك، اصبر وتحمل الأمر وسيزول، فدوام الحال من المحال، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:« واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً».

فقوله جل وعلا: (الحميد) أي: المحمود على كل حال، من سراء أو ضراء؛ لأنه إن قدر السراء أو الضراء فهو ابتلاء وامتحان، قال الله -تعالى-:﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء:35]. ولما رأى سليمان عليه السلام عرش بلقيس بين يديه في لحظة ماذا قال؟ قال:﴿ هَذَا فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:40]. فأنت يا أخي! إذا أصبت بالنعمة لا تأخذها على أنها دليل على رضا الله عنك، فتفرح وتمرح، هي نعمة لا شك، لكن اعلم أنك ممتحن بها، هل تؤدي شكرها أو لا تؤدي؟ وإن أصابتك ضراء فاصبر، فإن ذلك أيضاً ابتلاء وامتحان من الله -عز وجل- ليبلوك هل تصبر أو لا تصبر؟ وإذا صبرت واحتسبت الأجر من الله فإن الله يقول:﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر:10].

ويجوز أن يكون معنى قوله: الحميد، هو الحامد فإنه -سبحانه وتعالى- يحمد من يستحق الحمد، يثني على عباده من المرسلين والأنبياء والصالحين، والثناء عليهم حمد لهم، فهو جل وعلا حامد وهو كذلك محمود، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:« إن الله يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» لأنه لولا أن الله يسر لك هذه الأكلة أو الشربة ما حصلت عليها، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ۞ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة:63-64] أجب عن هذا السؤال، الله يسألنا (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) فما الجواب؟

الجواب: بل أنت يا رب ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً﴾ [الواقعة:65] بعد أن يخرج وتتعلق به النفوس؛ يجعله الله حطاماً ولم يقل -عز وجل- لو نشاء لم ننبته؛ لأن كونه ينبت وتتعلق به النفوس ثم يكون حطاماً أشد وقعاً على النفس من كونه لا ينبت أصلاً. ثم انتقل للماء فقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ۞ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة:68-69] الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً﴾ [الواقعة:70] أي: مالحاً غير عذب لا يستطيع الإنسان أن يشربه ﴿فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:70] يعني: فهلا تشكرون الله على ذلك، وهنا لم يقل -عز وجل- لو نشاء لم ننزله من المزن؛ لأن كونه ينزل ولكنه لا يشرب ولا يطاق لملوحته أشد من كونه لم ينزل أصلاً، فتأملوا القرآن الكريم وستجدون فيه من الأسرار والحكم أشياء كثيرة.

تفسير قوله -تعالى-: (الذي له ملك السماوات والأرض): 

ثم قال الله -تعالى-: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البروج:9] له وحده ملك السماوات والأرض لا يملكها إلا هو -عز وجل- فهو يملك السماوات ومن فيها، والأرضين ومن فيها، وما بينهما وما فيهما، كل شيء ملك لله، ولا يشاركه أحد في ملكه، وما يضاف إلينا من الملك فيقال مثلاً: هذا البيت ملك لفلان، هذه السيارة ملك لفلان، فهو ملك قاصر وليس ملكاً حقيقياً؛ لأنه لو أن إنساناً أراد أن يهدم بيته بدون سبب هل يملك ذلك؟ لا. هذا حرام عليه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن إضاعة المال، لو أردت أن تحرق سيارتك بدون سبب هل تملك هذا؟ لا تملكه، حتى لو أنك فعلت لحجر القاضي عليك، ولأنه يمنعك من التصرف في مالك، مع أن الله قد منعك من قبل، إذاً ملكنا قاصر، والملك التام لله، قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [البروج:9] مطلع -عز وجل- على كل شيء، ومن جملته ما يفعله هؤلاء الكفار بالمؤمنين من الإحراق بالنار وسوف يجازيهم على هذا يوم القيامة، ولكن مع فعلهم هذا الفعل الشنيع عرض عليهم التوبة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:10].

قال بعض السلف: انظر إلى رحمة الله -عز وجل- يحرقون أولياءه ثم يعرض عليهم التوبة يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ وإن تابوا فماذا؟ فلا شيء عليهم.

فتأمل يا أخي الكريم! رحمة الله -عز وجل- حيث يحرق هؤلاء الكفار أولياءه والتحريق أشد ما يكون من التعذيب. ثم يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ [البروج:10] قال العلماء: فتنوا بمعنى: أحرقوا كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ ۞ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [الذاريات:13-14] فهؤلاء أحرقوا المؤمنين وأحرقوا المؤمنات، يأتون بالرجل وبالمرأة ويحرقونهم بالنار، يقول عز وجل: (ثم لم يتوبوا) أي: لم يرجعوا إلى الله ﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج:10] لأنهم أحرقوا أولياء الله، فكان جزاؤهم مثل عملهم، جزاءً وفاقاً. في هذه الآيات من العبر: أن الله -سبحانه وتعالى- قد يسلط أعداءه على أوليائه، فلا تستغرب إذا سلط الله -عز وجل- الكفار على المؤمنين وقتلوهم وحرقوهم وانتهكوا أعراضهم، لا تستغرب فلله -تعالى- في هذا حكمة.

المصابون من المؤمنين أجرهم عند الله عظيم، وهؤلاء الكفار المعتدون أملى لهم الله -سبحانه وتعالى- وهو يستدرجهم من حيث لا يعلمون، والمسلمون الباقون لهم عبرة وعظة فيما حصل لإخوانهم، فما لنا نحن الآن نسمع ما يحصل في البوسنة والهرسك من الانتهاكات العظيمة. انتهاك الأعراض، وإتلاف الأموال، وتجويع الصغار والعجائز، نسمع أشياء تبكي فنقول: سبحان الله، ما هذا التسليط الذي سلط الله على هؤلاء المؤمنين، نقول: يا أخي! لا تستغرب، فالله -سبحانه وتعالى- ضرب لنا أمثالاً لمن سبقونا، يحرقون المؤمنين بالنار، فهؤلاء الذين سلطوا على إخواننا في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين، لا تستغرب، فهذا فيه رفعة درجات للمصابين وتكفير سيئات، وهو عبرة للباقين، علينا أن نعتبر بهذا، وهو أيضاً إغراء لهؤلاء الكافرين، حتى يتسلطوا فيأخذهم الله -عز وجل- أخذ عزيز مقتدر.

وأيضاً في هذه الآيات من العبر: أن هؤلاء الكفار لم يأخذوا على المسلمين بذنب إلا شيئاً واحداً، وهو أنهم يؤمنون بالله العزيز الحميد، وهذا ليس بذنب، بل هذا هو الحق، ومن أنكره، فهو الذي يُنكر عليه، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن ينصر المسلمين في كل مكان، وأن يقينا شر أعدائنا، وأن يجعل كيدهم في نحورهم، إنه على كل شيء قدير.