تفسير بداية سورة الانشقاق
مدة الملف
حجم الملف :
5168 KB
عدد الزيارات 876

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثاني لشهر صفر عام (1414هـ)، في يوم الخميس العاشر من شهر صفر، نبدأ كالعادة بالكلام على ما تيسر من كتاب الله -سبحانه وتعالى- ونحن قد انتهينا من تفسير سورة النبأ إلى آخر المطففين.

يقول الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم:﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1] وقد تقدم الكلام على البسملة، وبينا أن البسملة آية من كتاب الله مستقلة، وليست من السورة التي قبلها، ولا من السورة التي بعدها، وإنما يؤتى بها في ابتداء السور إلا سورة براءة، وليست آية من الفاتحة، وإن كان المكتوب في المصاحف أنها آية، لكن القول الراجح الذي هو مذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- وعليه عامة أصحابه؛ أنها ليست آية من الفاتحة وهو الذي دل عليه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- حيث قال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن الله: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين؛ قال: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم؛ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين؛ قال: مجدني عبدي، وإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم؛ قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل». وعلى هذا فتكون الآية الأولى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ والثانية: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، والثالثة:﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، والرابعة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، والخامسة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، والسادسة: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ والسابعة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾. وهذا كما أنه الموافق لما دلت عليه السنة فهو الموافق أيضاً للسورة لفظاً ومعنى: أما لفظاً: فلتناسب الآيات في الطول؛ لأنه لو كانت صراط الذين أنعمت عليهم إلى آخر السورة آية واحدة لم تتناسب مع ما قبلها في الطول، وأيضاً لو كانت آية؛ لم تكن ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:5] وسط الآيات بل تقع على هذا التقدير الخامسة؛ فالآيات الثلاث الأولى كلها لحق الله -عز وجل- والآيات الثلاث الأخيرة كلها لحق الإنسان، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۞ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة:6-7]، والآية الرابعة الوسطى بين الله وبين العبد، هذا هو القول الراجح في أن الفاتحة أولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:2].

تفسير قوله -تعالى-: ﴿إذا السماء انشقت﴾:

أما السورة التي نبتدئ بها الآن فهي قوله -تعالى-: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:1] (انشقت) انفتحت وانفرجت، كقوله -تعالى-: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ [المرسلات:9]، وكقوله -تعالى-: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ ۞ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ۞ فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ﴾ [الرحمن:37-39]، إذاً فانشقاقها يوم القيامة.

تفسير قوله -تعالى-: (وأذنت لربها وحقت): 

قال -تعالى-: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:2] (وأذنت) بمعنى: استمعت وأطاعت أمر ربها عز وجل أن تنشق؛ فانشقت مع أنها كانت كما وصفها الله -تعالى- سبعاً شداداً قوية، كما قال -تعالى-: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات:47] أي: بقوة، وقال: ﴿ وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً﴾ [النبأ:12] فهذه السماء القوية العظيمة تنشق يوم القيامة وتنفرج بإذن الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:2] أي: وحق لها أن تأذن -أي: تسمع وتطيع- لأن الذي أمرها ربها وخالقها عز وجل، فتسمع وتطيع؛ كما أنها سمعت وأطاعت في ابتداء خلقها، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:11].

فتأمل أيها الآدمي، البشر ، الضعيف كيف كانت هذه المخلوقات العظيمة تسمع وتطيع لله -عز وجل- بهذه الطاعة العظيمة في ابتداء الخلق وفي انتهاء الخلق، ثم قال: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:2] تأكيداً لاستماعها لربها وطاعتها له.

تفسير قوله -تعالى-: (وإذا الأرض مدت): 

قال -تعالى-: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق:3] وهذه الأرض التي نحن عليها الآن هي غير ممدودة: أولاً: لأنها كروية مدورة، وإن كانت جوانبها الشمالية والجنوبية منفتحة قليلاً -أي؛ ممتدة قليلاً- فهي مدورة الآن، ثم هي أيضاً معرجة فيها المرتفع جداً وفيها المنخفض، وفيها الأودية والسهول، والرمال؛ فهي غير مستوية، لكن يوم القيامة تمد مداً واحداً كمد الأديم -أي؛ كمد الجلد- كأنما تفرش جلداً أو سماطاً، تمد حتى إن الذين عليها -وهم الخلائق- يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، لكن الآن لا ينفذهم البصر؛ لو امتد الناس على الأرض لوجدت البعيدين منخفضين لا تراهم، لكن يوم القيامة إذا مُدت صار أقصاهم مثل أدناهم كما جاء في الحديث: (يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر).

تفسير قوله -تعالى-: (وألقت ما فيها وتخلت): 

يقول -تعالى-: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ ۞ وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ [الانشقاق:4-5] ألقت ما فيها، ما الذي فيها؟ فيها جثث بني آدم تلقيها يوم القيامة؛ تلقي هذه الجثث فيخرجون من قبورهم لله عز وجل كما بدأهم أول الخلق، أي: كما خرجوا من بطون أمهاتهم؛ يخرجون من بطون الأرض، وأنت خرجت من بطن أمك حافياً عارياً أغرل إلا بعض الناس قد يخلق مختوناً، لكن عامة الناس يخرجون من بطون أمهاتهم غرلاً؛ كذلك تخرج من بطن الأرض يوم القيامة حافياً ليس عليك نعال، وعارياً ليس عليك كساء، وأغرل لست مختوناً، ولما حدث النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك قالت عائشة : (يا رسول الله! الرجال والنساء؟ قال: «الرجال والنساء بادياً عوراتهم، لكن الأمر أعظم من أن يهمهم ذلك» الأمر شديد، فكل إنسان لاهٍ عن غيره بنفسه، يقول تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:37]. والإنسان إذا تصور الناس في ذلك الوقت مجرد تصور؛ فإنه يرتعد ويخاف، وإذا كان عاقلاً مؤمناً؛ عمل لهذا اليوم.

تفسير قوله -تعالى-: (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه): 

ثم قال -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:6] (الكادح) هو الساعي بجد ونوع مشقة، وقوله: (إلى ربك) يعني: إنك تكدح كدحاً يوصلك إلى ربك، انتبه! كدحاً يوصل إلى الله يعني: أن منتهى كدحك مهما كنت ينتهي إلى الله؛ لأننا سنموت، وإذا متنا رجعنا إلى الله -عز وجل- فمهما عملت فإن المنتهى إلى الله -عز وجل- ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم:42]، ولهذا قال: ﴿كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً﴾ [الانشقاق:6] حتى العاصي كادح، غايته الله -عز وجل- قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ۞ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [الغاشية:25-26] لكن الفرق بين المطيع والعاصي: أن المطيع يعمل عملاً يرضي الله، يصل به إلى مرضاة الله يوم القيامة، والعاصي يعمل عملاً يغضب الله؛ لكن مع ذلك أين ينتهي؟ إلى الله -عز وجل- إذاً قوله -تعالى-: (يا أيها الإنسان) يعم كل إنسان، مؤمن أو كافر.﴿ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ [الانشقاق:6] يقول النحويون: الفاء تدل على الترتيب والتعقيب، أي: فأنت ملاقيه عن قرب، ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام:134] وكل آتٍ قريب ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى:17]. وإذا شئت أن يتبين لك أن ملاقاة الرب -عز وجل- قريبة؛ فانظر ما مضى من عمرك الآن، فلو مضى عليك مائة سنة؛ كأنما هذه المائة السنة ساعة واحدة، كل الذي مضى منها كأنه ساعة واحدة، إذاً هو قريب. وإذا مات الإنسان أتظنون أن البرزخ الذي بين الحياة الدنيا والآخرة طويل؟! هو قريب كاللحظة، فالإنسان إذا نام نوماً هادئاً، ولنقل أربعاً وعشرين ساعة وقام كم يقدر النوم؟ دقيقة واحد، مع أنه يمكن أن يكون نام أربعاً وعشرين ساعة، فإذا كانت مفارقة الروح في الحياة يمضي بها الوقت بهذه السرعة؛ فما بالك إذا كانت الروح بعد خروجها من البدن مشغولة إما بنعيم أو جحيم؟! ستمر ملايين السنين على الإنسان، وكأنها لا شيء؛ لأن امتداد الزمان في حالة يقظتنا ليس كامتداد الزمن في حالة نومنا، فالإنسان القائم من طلوع الشمس إلى زوالها يحس بأن الوقت طويل، لكن لو كان نائماً ما أحس بذلك الطول. ألم تر إلى الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [البقرة:259]. وأصحاب الكهف لبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وتسعاً، فلما بعثوا قال بعضهم لبعض كم لبثتم؟ قالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم، وهذا يدل على أنه لا عجب أن ملايين السنين تذهب على هؤلاء الأموات وكأنها دقيقة واحدة؛ لأن حال الإنسان بعد أن تفارق روحه بدنه سواء كانت مفارقة كلية أو جزئية غير حاله إذا كانت الروح في البدن؛ لأنه يعاني من المشقة والمشاكل والهواجس، والوساوس، أشياء تطيل عليه الزمن، ولكن في النوم يتقلص الزمن كثيراً، وفي الموت يتقلص أكثر وأكثر، فهؤلاء الذين ماتوا ولهم ملايين السنين، أو آلاف السنين؛ كأنهم لم يموتوا إلا اليوم، ولو بعثوا وقيل لهم كم لبثتم؟ لقالوا: لبثنا يوماً أو بعض يوم. وهذه مسألة قد يرد على الإنسان فيها إشكال، ولكن لا إشكال في الموضوع، مهما طالت المدة لأهل القبور فإنها قصيرة، ولهذا قال: (فملاقيه) فأتى بالفاء الدالة على الترتيب والتعقيب، وما أسرع أن تلاقي الله -عز وجل-! ثم قسم الله -عز وجل- الناس إلى قسمين: منهم من يأخذ كتابه بيمينه، ونسأل الله -عز وجل- أن يجعلنا وإياكم منهم، ومنهم من يأخذ كتابه وراء ظهره.