تفسير آيات من سورة المطففين
مدة الملف
حجم الملف :
2430 KB
عدد الزيارات 894

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث في شهر المحرم عام (1414هـ) الذي يتم كل خميس من كل أسبوع، والذي نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل فيه الخير والبركة.


تفسير قوله -تعالى-:﴿ كلا إن كتاب الأبرار ﴾

قال -تعالى-: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:18] في هذه الآية يخبر الله -عز وجل- خبراً مؤكداً بـ (إن) لأن (إن) في اللغة العربية من أدوات التوكيد، فإنك إذا قلت: الرجل قائم، فإن هذا خبر غير مؤكد، وإذا قلت: إن الرجل قائم، صار خبراً مؤكداً، فيقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين:18] وهذا مقابل قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ [المطففين:7] فكتاب الفجار في سجين في أسفل الأرض، وكتاب الأبرار في عليين في أعلى الجنة، أي: أنهم في هذا المكان العالي، قد كُتب ذلك عند الله عز وجل قبل أن يخلق السماوات، والأرض بخمسين ألف سنة ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾ [المطففين:19] أي: ما الذي أعلمك ما عليون؟ وهذا الاستفهام يراد به التفخيم والتعظيم، يعني: أي شيء أدراك به، فإنه عظيم.

تفسير قوله -تعالى-: (كتاب مرقوم ...): 

قال الله -تعالى-: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:20] هذا بيان لقوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ﴾ [المطففين:18] أي: أن كتاب الأبرار كتاب مرقوم، مكتوب لا يتغير ولا يتبدل ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين:21] أي: يحضره أو يشهد به المقربون؛ و(المقربون) عند الله هم الذين تقربوا إلى الله -سبحانه وتعالى- بطاعته، وكلما كان الإنسان أكثر طاعةً لله كان أقرب إلى الله، وكلما كان الإنسان أشد تواضعاً لله كان أعز، وأرفع مكاناً عند الله. قال الله -تعالى-: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:11] فالمقربون هم الذين تقربوا إلى الله -تعالى- بصالح أعمالهم فقربهم الله تعالى ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ۞ عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:22-23] الأبرار: جمع بَرٍّ، والبَرُّ: كثير الخير .. كثير الطاعة .. كثير الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، فهؤلاء الأبرار الذين منَّ الله عليهم بفعل الخيرات وترك المنكرات في نعيم:﴿ إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [المطففين:22] والنعيم هنا يشمل: نعيم البدن ونعيم القلب.

أما نعيم البدن: فلا تسأل عنه، فإن الله -سبحانه وتعالى- قال في الجنة: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الزخرف:71]، وقال -تعالى-: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة:17].

وأما نعيم القلب: فلا تسأل عنه أيضاً، فإنه يقال لهم وقد شاهدوا الموت قد ذبح: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويقال لهم: ادخلوها بسلام، ويقال لهم: إن لكم أن تنعموا، فلا تبأسوا أبداً، وأن تصحوا، فلا تمرضوا أبداً، وأن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وكل هذا مما يُدخل السرور على القلب فيحصل لهم بذلك نعيم القلب ونعيم البدن. ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ يقولون لهم:﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد:24] جعلني الله وإياكم منهم.

تفسير قوله -تعالى-: (على الأرائك ينظرون ...): 

قال -تعالى-: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين:23] (الأرائك) جمع أريكة، وهي: السرير المزخرف المزين الذي وضع عليه مثل الظل، وهو من أفخر أنواع الأسرة، فهم على هذه الأسرة الناعمة الحسنة البهية، (ينظرون) أي: ينظرون ما أنعم الله به عليهم من النعيم الذي لا تدركه الأنفس الآن، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:17] وقال بعض العلماء: إن هذا النظر يشمل حتى النظر إلى وجه الله، وجعلوا هذه الآية من الأدلة على ثبوت رؤية الله -تعالى- في الجنة. قال -تعالى-: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين:24] تعرف أيها الناظر إليهم (في وجوههم نضرة النعيم) أي: حسن النعيم وبهاءه، أي: التنعم. وأنتم تشاهدون الآن في الدنيا أن المنعمين المترفين وجوههم غير وجوه الكادحين العاملين؛ تجدها نضرة، وحسنة، ومنعمة، فأهل الجنة تعرف في وجوههم (نضرة النعيم) أي؛ التنعم والسرور؛ لأنهم أسرُ وأنعم ما يكون.