تفسير آيات من سورة المطففين
مدة الملف
حجم الملف :
3065 KB
عدد الزيارات 1635

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

في هذا اليوم الخميس الحادي عشر من شهر المحرم عام (1414هـ) نفتتح اللقاء الثاني في هذا الشهر، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعله كاللقاءات السابقة.. لقاء خيرٍ وبركة وعلم نافع.

وإننا رأينا أن يستمر هذا اللقاء على الرغم من أن هذا الأسبوع هو أسبوع امتحانات، وقد يشتغل فيه كل من المدرسين والطلبة، لكننا نحب أن الإنسان إذا عمل عملاً أثبته، كما هي سنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان من هديه أنه إذا عمل عملاً أثبته واستمر فيه، إلا لوجود مانع شرعي، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قَل».
تفسير قوله -تعالى-: ﴿كلا إن كتاب الفجار....﴾:

قال الله -تعالى-: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ ۞ وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:7-8].(كلا) إذا وردت في القرآن لها معانٍ حسب السياق؛ قد تكون حرف ردع وزجر، وقد تكون بمعنى: حقاً، وقد يكون لها معانٍ أخرى يدل عليها السياق؛ لأن الكلمات في اللغة العربية ليس لها معنىً ذاتياً لا تتجاوزه، بل كثير من الكلمات العربية لها معانٍ تختلف بحسب سياق الكلام، في هذه الآية يقول -تعالى-: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:7-8] فتحتمل أن تكون بمعنى: حقاً إن كتاب الفجار لفي سجين، أو تكون بمعنى الردع عن التكذيب بيوم الدين، وعلى كل حال بيَّن الله -تعالى- في هذه الآية الكريمة أن كتاب الفجار لفي سجين، والسجين قال العلماء: إنه مأخوذ من السجن وهو الضيق؛ أي: في مكان ضيق. وهذا المكان الضيق هو نار جهنم -والعياذ بالله- كما قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً ۞ لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان:13-14]، وجاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور في قصة المحتضر وما يكون بعد الموت أن الله سبحانه وتعالى يقول:« اكتبوا كتاب عبدي في سجين» أي: الكافر في الأرض السابعة السفلى، فسجين هو أسفل ما يكون من الأرض الذي هو مقر النار نعوذ بالله منها؛ فهذا الكتاب في سجين. ثم عظم الله -عز وجل- هذا السجين بقوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ﴾ [المطففين:8] فالاستفهام هنا للتعظيم، أي: ما الذي أعلمك بسجين؟ وهل بحثت عنه؟ وهل سألت عنه حتى بُين لك؟ والتعظيم قد يكون لعظمة الشيء رفعة، وقد يكون لعظمة الشيء نزولاً، وهذا التعظيم في سجين ليس لرفعته وعلوه، ولكنه لسفوله ونزوله. ثم قال -تعالى-: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:9] (كتاب) لا يعود على سجين، وإنما يعود على كتاب في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ [المطففين:7] فما هذا الكتاب؟ قال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين:9] أي: مكتوب لا يزاد فيه ولا ينقص، ولا يبدل ولا يُغير، بل هذا مآلهم ومقرهم -والعياذ بالله- أبد الآبدين.

تفسير قوله -تعالى-: (ويل يومئذٍ للمكذبين): 

﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المطففين:10] (ويلٌ) سبق الكلام عنها في أول هذه السورة، وقلنا: إنها كلمة وعيد؛ يتوعد الله بها من يستحق الوعيد، وهي كثيرة في القرآن الكريم، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المطففين:11] والكلام كله من أول السورة إلى آخرها في يوم الدين والجزاء، وهؤلاء الذين يكذبون بيوم الدين توعدهم الله بالويل؛ لأن هؤلاء المكذبين بيوم الدين لا يمكن أن يستقيموا على شرع الله؛ لأنه لا يستقيم على شريعة الله إلا من آمن بيوم الدين؛ لأن من لم يؤمن به، وإنما آمن في الحياة الدنيا فقط فهو لا يهتم بما وراءها، ولا يعمل لذلك، وإنما يبقى كالأنعام: ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ [محمد:12].

ولهذا الله يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر دائماً؛ لأن الإيمان بالله ابتداء، والإيمان باليوم الآخر انتهاء، فتؤمن بالله ثم تعمل لليوم الآخر الذي هو المقر، فهؤلاء -والعياذ بالله- كذبوا بيوم الدين، ومن كذب به لا يمكن أن يعمل له أبداً؛ لأن العمل مبني على عقيدة، فإن لم تكن لك عقيدة فكيف تعمل؟! ولهذا قال: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [المطففين:12] أي: ما يكذب بيوم الدين وينكره إلا كل معتدٍ أثيم، أي معتدٍ في أفعاله أثيم في أقواله، وقيل: معتدٍ في أفعاله أثيم في كسبه، أي: أن مآله إلى الإثم، والمعنيان متقاربان، المهم أنه لا يمكن أن يكذّب بيوم الدين إلا رجل معتدٍ أثيم، آثم كاسب للآثام التي تؤدي به إلى نار جهنم، نعوذ بالله، قال -تعالى-: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [المطففين:13] (إذا تتلى عليه) يعني: إذا تلاها عليه أحد، وهو يدل على أن هذا الرجل لا يفكر أن يتلو آيات الله، ولكنها تتلى عليه، فإذا تليت عليه قال: (أساطير الأولين) أي: هذه أساطير الأولين. وأساطير: جمع أسطورة، وهي الكلام الذي يقال للتسلي، ولا حقيقة له ولا أصل، فيقول: هذا القرآن أساطير الأولين! لماذا لا ينتفع بالقرآن، وهو أبلغ الكلام وأشده تأثيراً على القلب؟! حتى قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:37].

ونكتفي بهذا القدر من الكلام على تفسير آيات هذه السورة.