ليس في العمر إجازة إلا بالموت
مدة الملف
حجم الملف :
18019 KB
عدد الزيارات 9160

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن لقاءنا هذه الليلة الأحد السابع عشر من شهر رجب عام (1413هـ) يصادف استقبال الإجازة الربيعية، وكنا بصدد أن نتكلم على تفسير سورة (ق والقرآن المجيد) كما وعدنا بذلك، ولكن نظراً إلى أن هذه الإجازة تحتاج إلى كلام يبين عمل الناس فيها، ماذا يعملون؟ أيبقون في بلدانهم أم يسافرون؟ وإذا سافروا فهل يسافرون إلى خارج البلاد أم إلى داخل البلاد أم ماذا؟ المسألة تحتاج في الواقع إلى نظر وتأمل وإلى توجيه، نقول: أولاً: ليس في العمر إجازة، فالعمر كله عمل، ولا إجازة إلا بالموت؛ لقول النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» فلم يجعل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قاطعاً للعمل إلا هذا الشيء الواحد؛ وهو الموت.

إذاً: لا بد أن يعمل الإنسان دائماً وأبداً، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، إذاً كل الدنيا عمل، إذا فرغنا من الدراسة النظامية فلا بد أن نعمل عملاً آخر، ما هذا العمل؟ يجب أن يكون هذا العمل من ثمرات هذه الدراسة وخصوصاً للشباب والطلبة المعنيين بما تحملوه من العلم؛ لأن الله إذا منَّ عليك بالعلم فلا تظن أن المسألة دسم على خبز وانتهى الأمر! المسألة مسألة عظيمة؛ تحمل وتحميل:

﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:187].

السؤال:

هل أحد منا يشعر بأنه جرى بينه وبين الله عهد وميثاق حين تعلم العلم؟

الجواب:

لا نشعر بذلك لا في زمانه ولا في مكانه، لا نشعر بأننا عاهدنا الله في المكان الفلاني أو في الوقت الفلاني على أن نبين ذلك، ولكن مجرد ما يؤتي الله الإنسان العلم فهذا هو العهد؛ لماذا أعطاك الله العلم وحرمه غيرك؟ من أجل أن تقوم به؛ تبينه للناس بالقول وهو التعليم، وبالفعل وهو المنهج والهدي؛ لأن العلماء عليهم مسئوليتان: المسئولية الأولى: التعليم بالقول وسواء كان عن طريق اللسان أو عن طريق الكتابة، المسئولية الثانية: التعلم بالمنهج والسيرة، فكم من عالم اقتدى الناس بعمله ومنهجه وسيرته أكثر مما يقتدون بتعليمه وقوله! وهذا مشاهد، ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- يعلمون الناس كيف يتوضأ الرسول -عليه الصلاة والسلام-، يعلمونهم بالقول ويعلمونهم بالفعل، حتى الخلفاء منهم، عثمان بن عفان -رضي الله عنه- دعا بإناء من ماء وجاء ليتوضأ أمام الناس من أجل أن يهتدوا بهديه، وقال: رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: «من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» إذاً علينا -نحن الذين وهبنا الله العلم من شباب وكهول وشيوخ- أن نبينه للناس بالقول وبالعمل. 

أصناف الناس في استغلال الإجازة:
ثانياً: الناس في هذه الإجازة لهم مناحٍ شتى، كل واحد ينحى منحى: 

استغلال الإجازة في زيارة الحرمين الشريفين:
منهم من يذهب إلى الحرمين: النبوي والمكي؛ ليقضي الإجازة هناك مع أهله في أشرف بقاع الله، فالصلاة في مسجد الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- خير من ألف صلاة فيما عداه إلا المسجد الحرام، والصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، فيغتنمون هذه الفرصة ويغتنمون -أيضاً- فرصة أخرى وهي الدفء؛ لأن الحرمين ولا سيما مكة أشد دفئاً من نجد كما هو مشاهد معلوم، فيغتنمون هذه الفرصة، وهؤلاء ماذا يلزمهم إذا ذهبوا هذا المذهب ونحوا هذا المنحى؟ نقول: أيهما تريد البداءة به: أبمكة أم بالمدينة؟ والجواب على هذا السؤال ينبني على أيهما أفضل:

السؤال:

العمرة أو زيارة المسجد النبوي؟
الجواب:

العمرة أفضل من زيارة المسجد النبوي، وعلى هذا فالقاعدة أن نبدأ بالأفضل قبل المفضول، نبدأ بالعمرة ثم بالزيارة -زيارة االمسجد النبوي- ولكن قد لا يتسهل للإنسان أن يبدأ بالعمرة قبل زيارة المسجد النبوي من حيث الطريق، قد يقول: إن طريق المدينة أسهل علي إذا كنت في القصيم -والإنسان مطلوب في حقه أن يتبع الأسهل- وسوف أحصل العمرة لكن في ثاني الحال، فنقول: إن الأمر واسع إن بدأت بهذا أو بهذا، ولكن ينبغي أن نعلم أحكاماً في العمرة وأحكاماً في الزيارة.

العمرة: يحرم الإنسان بها من الميقات، إن كان عن طريق الطائف فمن قرن المنازل الذي يسمى الآن (السيل الكبير) وإن كان من طريق المدينة فمن ذي الحليفة، الذي يسمى الآن (أبيار علي) وعند الإحرام يسن للإنسان أن يغتسل حتى المرأة الحائض والنفساء؛ لأن أسماء بنت عميس زوج أبي بكر -رضي الله عنهما- نفست في ذي الحليفة فأرسلت إلى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ماذا أصنع؟ قال: «اغتسلي واستثفري بثوبٍ وأحرمي» فالاغتسال سنة للرجال والنساء عند إرادة الإحرام، وليس بواجب، لو تركه الإنسان فلا إثم عليه ولا فدية عليه، لكنه أفضل وأكمل.

ثم يلبس الرجل إزاراً ورداءً أبيضين نظيفين أو جديدين، أما المرأة فليس لها ثياب معينة في الإحرام، تلبس ما شاءت إلا أنها لا تتبرج بالزينة؛ لأنها منهية عن التبرج بالزينة، ثم يتطيب الرجل بما طاب ريحه، والمرأة بما حسن لونه دون ريحه؛ لأن رائحة الطيب في المرأة فتنة ورائحة الطيب في الرجل سنة، يتطيب الرجل فيضع الطيب على رأسه وعلى لحيته بعد أن يغتسل ثم يلبس ثياب الإحرام. وبعد هذا:

السؤال: هل يصلي ركعتين للإحرام -كما هو مشهور- أم لا يُصلي؟

جواباً على هذا أن نقول: ليس للإحرام سنة، إنما السنة للوضوء، ولكن إن كنت قريباً من وقت الفريضة فاجعل الإحرام بعد الفريضة، مثلاً: لو أنك وصلت الميقات وقت الضحى واغتسلت وتطيبت، وليس عندك نية أن تمشي قبل الظهر، فاجعل الإحرام بعد صلاة الظهر؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحرم بعد صلاة فرض وإذا صليت تلبي للعمرة، تقول: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ولكن هل تشترط فتقول: إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني أم لا تشترط؟

الجواب: الأفضل ألا تشترط واعتمد على الله، إلا إذا خفت أن يحدث لك مانع من إتمام النسك فاشترط، ومن ذلك لو خافت المرأة أن تحيض في أثناء النسك ولا تطهر قبل أن تسافر، ففي هذا الحال ينبغي لها أن تشترط فتقول: "إن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني" من أجل إنها إذا حاضت تحللت من الإحرام ولا شيء عليها. وتسير متجهاً إلى مكة وتكثر من التلبية، فإذا وصلت المسجد الحرام وشرعت في الطواف فاقطع التلبية، وفي هذا الطواف يسن للرجل أن يفعل شيئين:

الأول: الاضطباع.

الثاني: الرمل. فالاضطباع: أن يجعل وسط ردائه تحت إبطه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، وهذا الاضطباع لا يسن إلا في الطواف.

كثيراً من العوام من حين أن يحرم يضطبع، وهذا بدعة، فالاضطباع إنما يكون في الطواف فقط وهذا سنة للرجال، والمرأة لا تضطبع؛ لأن ثيابها ثياب معتادة.

يسن له أن يرمل ولكن الرمل في الأشواط الثلاثة الأولى فقط لا في كل الطواف، والرمل: أن نسرع في المشي بدون أن نمد الخطا -أي: تكون متقاربة ويسرع- وبدون أن يهز كتفيه؛ لأننا نشاهد بعض الناس في الرمل يمشي ولكن يهز الكتفين، والرمل يكون في الأشواط الثلاثة الأولى فقط، أما بقية الأشواط الأربعة الباقية فإنه لا رمل فيها.

السؤال:

 بماذا يبتدأ الطواف؟

الجواب: يبتدأ بالحجر الأسود، وقد وضعت الحكومة وفقها الله خطاً بُنياً يمتد من قلب الحجر الأسود إلى منتهى المطاف، فهذا هو مبتدأ الطواف، تستقبل الحجر وتشير إليه، وتقول: (باسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك، ووفاءً بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد -صلى الله عليه وسلم-).

وإن تمكنت أن تصل إلى الحجر بدون مشقة عليك ولا على غيرك وتمسحه وتقبله فهذا أفضل، فإن لم تستطع التقبيل فامسحه بيدك وقبل يدك، فإن لم تستطع فأشر إليه إشارة، هذا هو السنة، وليس من السنة أن تزاحم. أما في بقية الطواف فتقول ما شئت من ذكرٍ ودعاء وقرآن إلا ما بين الركن اليماني والحجر الأسود فإنك تقول: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) وتقتصر على ذلك، وأما الذين يقولون: وأدخلنا الجنة مع الأبرار، فهذه زيادة لم ترد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

مسألة: الركن اليماني:

السؤال:

هل يفعل فيه كما يفعل في الحجر الأسود من التقبيل والاستلام والإشارة عند التزاحم؟
الجواب:

لا، الركن اليماني يستلم فقط، يمسح باليد اليمنى، ولا يقبل ولا يشار إليه إذا لم يمكن استلامه.

السؤال:

الركن الغربي والركن الشمالي هل يمسحان؟
الجواب:

لا يمسحان، لأنهما ليسا على قواعد إبراهيم، كانت الكعبة أطول من هذا نحو الشمال، تستوعب من الحجر نحو ستة أذرع ونصف، لكن لما انهدمت في عهد قريش في الجاهلية قالوا: لا تبنوا الكعبة إلا من مال حلال طيب، كفار جهال يقولون: لا تبنوا الكعبة إلا بمال طيب، وهذا من حماية الله للكعبة، أي: لا تبنوه من الربا ولا من الميسر ولا من الظلم، لا تبنوه إلا بمال طيب، اتفقوا على هذا، فلما شرعوا في البناء وجدوا أن النفقة لا تكفي، فماذا صنعوا؟ قالوا: نبني بعض البيت (ما لا يدرك كله لا يترك جله) ابنوا بعض البيت ومن أي جهة يكون النقص؟ قالوا: من الجهة الشمالية التي ليس فيها الحجر، لا يمكن أن يكون النقص في الجهة التي فيها الحجر، ففعلوا ذلك فبنوا الكعبة على ما هي عليه، وضعوا حائطاً يسمى الحجر، ويسمى الحطيم من أجل أن يكمل الناس الطواف وبقيت الكعبة على هذا، فلما فتح النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- مكة قال لعائشة: «لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، ولجعلت لها بابين: باباً يدخل منه الناس وباباً يخرج منه الناس»  ولكنه ترك ذلك -صلى الله عليه وآله وسلم- تأليفاً لأصحابه حتى لا ينفروا ويقولوا: هذا أحدث في بيت الله ما أحدث، ولكني أقول لكم: إنه من نعمة الله وفضل الله أن ما أراده النبي -صلى الله عليه وسلم- حصل بالمعنى، الآن الكعبة لها بابان: باب يدخل منه الناس وباب يخرج منه الناس.. كيف؟ الحجر من الكعبة وفيه باب يدخل منه الناس وباب يخرج من الناس مع الهواء الطلق، أرأيتم لو كانت مسقوفة ولها بابان، باب يدخل منه الناس وباب يخرجون منه ماذا يكون؟ يكون هلاك، نشاهد عند الجمرات مع الهواء الطلق يموت الناس بالتزاحم فكيف بالكعبة وهي مسقوفة، لكن من نعمة الله وتحصيل مراد النبي -صلى الله عليه وسلم- أن جعل البناء على هذا الذي هو عليه الآن، ولما تولى ابن الزبير -رضي الله عنه- الحجاز هدم الكعبة وبناها على قواعد إبراهيم بناءً على ما حدثت به خالته عائشة وجعل لها بابين، فلما تولى بنو أمية وقتل ابن الزبير -رضي الله عنه- على يد الحجاج بن يوسف الثقفي ردها الحجاج وبناها على ما كانت عليه في عهد الجاهلية وبقيت على ما كانت عليه اليوم، ولما تولى الرشيد أراد أن يهدمها ويبنيها على قواعد إبراهيم، فأشار عليه مالك بن أنس -رحمه الله- وقال له: [لا تجعل بيت الله ملعبة للملوك، كلما تولى ملك هدم وبناه على غير البناء السابق] فتركه وبقي إلى الآن.

نرجع عوداً على بدء إلى الطواف.. إذا أتم الإنسان سبعة أشواط فإنه يتقدم إلى مقام إبراهيم -عليه السلام- يتلو قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة:125] فيصلي فيه ركعتين، هاتان الركعتان تتميزان بأنهما خفيفتان لا يطيل فيهما، السنة أن يخفف ويقرأ فيهما بـقل يا أيها الكافرون مع الفاتحة في الركعة الأولى، وبـقل هو الله أحد في الركعة الثانية مع الفاتحة، ثم ينصرف ولا يدعو بعدهما متجهاً إلى المسعى، فإذا دنا من الصفا فليقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾[البقرة:158] (أبدأ بما بدأ الله به) كما فعل ذلك النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.

السؤال:

متى يقرؤها؟
الجواب:

إذا صعد الصفا أو دنا منه قبل أن يصعد يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة:158] ولا يعيدها مرة ثانية، لا تقرأ عند المروة ولا تقرأ عند الصفا في المرة الثانية لا تقرأ إلا مرة واحدة إذا دنا من الصفا أول مرة، فإن هذه هي سنة الرسول -عليه الصلاة والسلام-، فإذا صعد الصفا اتجه إلى القبلة ورفع يديه يدعو ولكنه يكبر ثلاثاً قبل الدعاء ويحمد الله ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.

استغلال الإجازة للنزهة والترفيه:
هناك قسم آخر من الناس يذهب إلى النزهة في البر، وهذا لا حرج فيه، ولكن يجب في هذا أمور:

أولاً: المحافظة على الصلاة؛ إما بالطهارة بحيث لا يتهاونون في الوضوء إذا كان الماء قريباً منهم، وبإمكانهم أن يحملوا معهم (جوالين) أو (توانك) يضعونها هناك يتوضئون منها، وليس هذا بصعب في الوقت الحاضر ولله الحمد.

ثانياً: الصلاة جماعة في وقتها، يجب أن يصلوا جماعة في الوقت، أما أن يتخلفوا عن الجماعة مع إمكانها وسهولتها فإنهم آثمون بذلك. ثالثاً: أن يحرصوا على أن تكون مجالسهم مجالس خير، يأخذون معهم شيئاً من كتب التفسير أو كتب الحديث أو كتب الوعظ الصحيحة يقرءونها في فراغهم، في أول ليلهم، ولا يحرصوا على أن يطيلوا السهر؛ لأن طول السهر مضرة على البدن وحجب عن الصلاة في آخر الليل وهم كالذين في البلد ينبغي لهم أن يكثروا من النوافل والتطوع كغيرهم.

رابعاً: أن يحرصوا على زيارة من حولهم من النزلاء للتأليف والتعليم والإرشاد؛ لأن هذا ينفع نفعاً عظيماً ولا يحقرن أحد شيئاً من العلم، قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «بلغوا عني ولو آية» وما أحسن القوم إذا زار بعضهم بعضاً؛ يسيأنس بعضهم إلى بعض، ويألف بعضهم بعضاً، ويتعلم بعضهم من بعض، ويعظ بعضهم بعضاً، ويذكر بعضهم بعضاً! ففيه مصلحة كبيرة.

خامساً: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا سمعوا من قومٍ ما لا يجوز أو رأوا منهم ما لا يجوز فالواجب الاتصال بهم والتحدث إليهم بالرفق واللين والموعظة الحسنة، وأن ينهوهم عن المنكر، فيقول: ليس هذا جزاء النعمة التي أنعم الله بها علينا؛ أمن ورخاء وهذه نعم ولله الحمد، غيث ومطر، فيذكرنهم بنعمة الله ويقولون: لا تكونوا ممن بدل نعمة الله كفراً، ولكن بالتأني والرفق، وليعلم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أنه كالطبيب مع المريض؛ يستخدم اليسر واللين والتخفيف عن المريض حتى يتوصل إلى القضاء على المرض، إذاً هؤلاء الذين أصيبوا بالمعاصي مرضى؛ ولهذا تجدون في القرآن كل مرض يضاف إلى القلب فهو مرض المعاصي: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمْ ارْتَابُوا﴾ [النور:50] ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمْ اللَّهُ مَرَضاً ﴾ [البقرة:10].

سادساً: الحرص على أن يكون الخارجون للنزهة على مستوًى واحد في السن أو متقارب، بمعنى أنه لا ينبغي أن يكون بعضهم صغاراً وبعضهم كباراً، اللهم إلا من كانوا مع أهليهم فهذا شأن آخر، لكن الذين تجمع بينهم الصحبة لا ينبغي أن يذهبوا بالصغار مع الكبار؛ لأن هذا قد تحصل به الفتنة من حيث لا يشعر الإنسان، والإنسان مثلاً قد يقول في نفسه: أنا والحمد لله مطمئن ولا أخشى على نفسي شيئاً، ولكن ليعلم أن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه، ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: «من سمع بالدجال فلينأى عنه -يبعد- فإن الرجل يأتيه وهو مؤمن -وواثق من نفسه- ولكن لا يزال به حتى يتبعه لما يقع في قلبه من الشبهات» اللهم اعصمنا من فتنة المسيح الدجال، إذاً لا تقل: إني آمن وواثق! لا. الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، لذلك يجب أن يكون الخارجون على سنٍ واحدة متساوين أو متقاربين إلا من كان مع أهله فإنه مع أهله فيهم صغار وفيهم كبار.

سابعاً: أن يحرص على ألا يُبعد عن مخيمه، فإن هذا قد يحصل به الضياع ويتيه الرجل، والإنسان إذا تاه فإنه يُغمى عليه كما يقول العامة: ينجم. ولا يستطيع أن يدرك المكان؛ لذلك يتجنب البعد عن المخيم إلا مع إنسان عارف يدله إذا ضل، ومعلوم أن الإنسان إذا ضاع فسوف يتعب هو بنفسه ويعرض نفسه للخطر، إما خطر البرد وإما خطر أهل السوق وإما غير ذلك، وكذلك يشغل أصحابه وأهله؛ فلهذا يجب أن يتجنب البعد عن مخيمه؛ لما في ذلك من الخطر إلا إذا كان مع شخصٍ عارف يعرف المكان ويعرف الأرض، فلا حول ولا قوة إلا بالله، هذه الأمور ينبغي للإنسان أن يلاحظها، لأنها هامة يحتاج الناس إليها.

استغلال الإجازة في مساعدة الأهل وفي طلب العلم:
الصنف الثالث من الناس: من يبقى في بلده لا يخرج لا للنزهة ولا للعمرة ولا للزيارة، فهذا لا حرج عليه أن يبقى، ولكن ينبغي ألا يُضيع الفرصة في هذه الإجازة وألا يجعلها عطلة بل يجعلها استراحة يستمتع بما معه من الكتب أو الأشرطة أو غيرها مما ينفعه، على أن يستعيد نشاطه للمستقبل، وإذا كان هذا الإنسان له أب أو أخ أكبر منه وساعده في تجارته أو في زراعته أو في حرثه فهذا خير وفائدة كبيرة، المهم ألا يُضيع الوقت سدىً وبلا فائدة.

استغلال الإجازة في الدعوة إلى الله:
الصنف الرابع من الناس: من يخرج في الدعوة إلى الله، وهذا طيب، هذا نوع من الجهاد في سبيل الله؛ لأن الجهاد نوعان:

1- جهاد بالسلاح.

2- جهاد بالعلم. وكلاهما قرينان، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة:122] أي: وبقيت طائفة، ماذا تصنع؟ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة:122] فبين الله أن المؤمنين لا يمكن أن يكونوا كلهم للجهاد، تكون طائفة في الجهاد وطائفة تبقى في المدينة مع الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون فجعل الله طلب العلم عديلاً للجهاد في سبيل الله، ما أحسن أن يخرج أناس من طلبة العلم! وأريد بطلبة العلم الذين عندهم علم وقدرة على البيان، لا نكتفي بإنسان عنده قدرة على البيان لكن ليس عنده علم. بعض الناس يستطيع أن يتكلم ويعظ ويؤثر ولكن ليس عنده علم، وهذا يؤثر على القلوب في الوقت الحاضر وينفع ولكن نفعه قليل، لو أن هذا الذي عنده بيان وفصاحة وتأثير ولكن ليس عنده علم، لو قام أحد يسأله أو يعارضه في مقال لم يستطع التخلص، وحينئذٍ تنقلب المنفعة مضرة والمصلحة مفسدة؛ ولذلك أحث إخواني الذين عندهم علم إذا تمكنوا من أن يذهبوا يميناً أو شمالاً أو شرقاً أو غرباً للموعظة والدعوة إلى الله كان في هذا خير كثير، وما أكثر الذين يلحون من الشمال ومن الجنوب ومن الشرق ومن الغرب! يلحون علينا بطلب إرسال من يعظهم ويحاضر عندهم وينفعهم.

استغلال الإجازة في الذهاب إلى خارج البلاد:
الصنف الخامس من الناس: الذين يخرجون إلى خارج البلاد. هؤلاء أيضاً إن خرجوا للدعوة إلى الله وكان معهم علم يدفعون به الشبهات ودين يدفعون به الشهوات فهذا طيب، أما الذين يخرجون للتمتع فهؤلاء على خطر عظيم، وهم واقعون في المحظور؛ لأنه لو لم يكن من هذا الخروج إلا واحدة لكفى، وهي إضاعة المال، وهذا شيء محقق ولا يمكن أن يختلف فيه اثنان، أن فيه إضاعة المال؛ لأن نفقات التذاكر باهظة، ونفقات الفنادق هناك باهظة، هذا مع ما يحصل للقلب من البلاء، وما يحصل للنفس من الشرور؛ لذلك نحذر إخواننا من السفر إلى الخارج فإنه علة وبلاء، وإضاعة وقت، وإضاعة مال، وإفساد أخلاق، وربما إفساد عقيدة؛ لأن مما يخل بالعقيدة ونحن لا نشعر به، مسألة المودة والمحبة، هل كراهة الناس اليوم لغير المسلم مثل كراهتهم له بالأمس؟ أبداً كانوا بالأمس إذا ذكر اسم النصراني أو اليهودي اقشعر الجلد أما الآن فلا، بل إن من الناس -والعياذ بالله- من تتولى غير المسلمين أكثر من تولي المسلمين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة:51] والسفر إلى بلادهم سبب للمودة وإثراء لأموالهم وإعزاز لأوطانهم، مع ما فيه من خطر على عقيدة الإنسان وعلى خلقه، فنسأل الله تعالى أن يجعلنا وإياكم في هذه الدنيا ممن اكتسبوها في العمل الصالح، إن أذنبوا استغفروا، وإن غفلوا ذكروا، وإن أعطوا شكروا، وإن ابتلوا صبروا، إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.