تفسير آيات من سورة عبس
مدة الملف
حجم الملف :
6149 KB
عدد الزيارات 1633

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني من شهر رجب عام (1413هـ) وهو يوم الخميس الذي اعتدنا اللقاء فيه بالإخوان، وكان من عادتنا أن نقدم بين يدي الأسئلة تفسيراً موجزاً ابتدأنا فيه من سورة النبأ، واخترنا هذا الجزء من القرآن الكريم؛ لأنه يتكرر كثيراً على العامة في الصلوات، وكان منتهى ما تكلمنا عليه قوله -تعالى-: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ ۞ كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس:15-16].


تفسير قوله -تعالى-: (قتل الإنسان ما أكفره):

ثم قال -جل وعلا-: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:17] (قتل) تأتي في القرآن كثيراً، فمن العلماء من يقول: إن معناها (لعن)، والذي يظهر أن معناها: أُهلك؛ لأن القتل يكون به الهلاك وهو أسلوبٌ تستعمله العرب في تقبيح ما كان عليه صاحبه، فيقولون -مثلاً-: قُتل فلان ما أسوأ خُلقه، قُتل فلان ما أخبثه، وما أشبه ذلك.

وقوله -تعالى-: ﴿قُتِلَ الإِنْسَانُ﴾ [عبس:17] قال بعض العلماء: المراد بالإنسان هنا الكافر خاصة، وليس كل إنسان؛ لقوله فيما بعد: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:17] ويحتمل أن يكون المراد بالإنسان الجنس؛ لأن أكثر بني آدم كفار كما ثبت في الحديث الصحيح: «أن الله يقول: يا آدم -يقول ذلك يوم القيامة- فيقول: لبيك وسعديك، فيقول له الله -عز وجل-: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، فيقول: يا ربِّ! وما بعث النار، فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون كلهم في النار وواحد من الألف في الجنة» فيكون المراد بالإنسان هنا الجنس ويخرج المؤمن من ذلك لما دلت عليه النصوص الأخرى.

وقوله: ﴿مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس:17] قال بعض العلماء: إن (ما) هنا استفهام، أي: أي شيء أكفره؟ ما الذي حمله على الكفر؟ وقال بعض العلماء: إن هذا من باب التعجب يعني: ما أعظم كفره! وإنما كان كفره -أي: كفر الإنسان- عظيماً؛ لأن الله أعطاه عقلاً، وأرسل إليه الرسل، وأنزل عليه الكتب، وأمده بكل ما يحتاج معه إلى التصديق، ومع ذلك كفر، فيكون كفره عظيماً. والفرق بين القولين: أنه على القول الأول تكون (ما) استفهامية أي: ما الذي أكفره؟ وعلى القول الثاني: تكون تعجبية، يعني: عجباً له، كيف كفر مع أن كل شيء متوفر لديه في بيان الحق والهدى؟! والكفر هنا يشمل كل أنواع الكفر، ومنه: إنكار البعث، فإن كثيراً من الكفار كذبوا بالبعث، وقالوا: لا يمكن أن يبعث الناس بعد أن صارت عظامهم رميماً، كما قال -تعالى-: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس:78].

تفسير قوله تعالى: (من أي شيء خلقه من نطفة خلقه فقدره): 

قال -تعالى-: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:18] استفهام تقرير لما يأتي بعده في قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:19] أي: أنت أيها الإنسان! كيف تكفر بالبعث؟ من أي شيء خلقت؟! ألم تخلق من العدم؟ لم تكن شيئاً مذكوراً من قبل فوجدت وصرت إنساناً، فكيف تكفر بالبعث؟ ولهذا قال: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ﴾ [عبس:19] والنطفة هي في الأصل: الماء القليل، والمراد به هنا ماء الرجل الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، يلقيه الرجل في رحم المرأة فتحمل مِنْ ﴿نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:19] أي: جعله مقدراً أطواراً، نطفة، ثم علقة، ثم مضغة كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: حدثنا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- وهو الصادق المصدوق، فقال: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها» فهو مقدر في بطن أمه، من الذي يقدره هذا التقدير؟ من الذي يوصل إليه ما ينمو به من الدم الذي يتصل به بواسطة السرة إلا الله -عز وجل-؟ ولهذا قال: ﴿فَقَدَّرَهُ﴾ [عبس:19].

تفسير قوله تعالى: (ثم السبيل يسره): 

قال -تعالى-،: ﴿ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس:20] (السبيل) هنا بمعنى الطريق، أي: يسر له الطريق ليخرج من بطن أمه إلى عالم المشاهدة، ويسر له -أيضاً- بعد ذلك ما ذكره تعالى في قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:10] يسر له ثديي أمه يتغذى بهما، ويسر له بعد ذلك ما فتح له من خزائن الرزق، ويسر له فوق هذا كله ما هو أهم وهو طريق الهدى والفلاح، وذلك بما أرسل إليه من الرسالات، وأنزل عليه من الكتب.

تفسير قوله تعالى: (ثم أماته فأقبره): 

ثم قال -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:21] والموت مفارقة الروح للبدن، (وأقبره) أي: جعله في قبره، أي: مدفوناً ستراً عليه وإكراماً واحتراماً؛ لأن البشر لو كانوا إذا ماتوا كسائر الميتات، جثثاً ترمى في الزبائل لكان في ذلك إهانة عظيمة، للميت، ولأهل الميت، لكن من نعمة الله -سبحانه وتعالى- أن شرع لعباده هذا الدفن، ولهذا قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله -تعالى-: ﴿ فَأَقْبَرَهُ﴾ [عبس:21] قال: [أكرمه بدفنه].

تفسير قوله تعالى: (ثم إذا شاء أنشره، كلا لما يقض ما أمره..): 

قال -تعالى-: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ﴾ [عبس:22] إذا شاء الله عز وجل (أنشره) أي: بعثه يوم النشور ليجازيه على عمله، فهو لا يعجزه -عز وجل- أن ينشره ولكن لم يأتِ أمر الله بعد، ولهذا قال: ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس:23] (لما) بمعنى: (لم) ولكنها تفارقها في بعض الأشياء، والمعنى: أن الله -تعالى- لم يقض ما أمر به كوناً وقدراً، أي: أن الأمر لم يتم لإنشار هذا الميت، بل له موعدٌ منتظر، وفي هذا ردٌ على المكذبين بالبعث الذين يقولون: لو كان البعث حقاً لوجدنا آباءنا الآن، وهذا القول منهم تحدٍّ مكذوب؛ لأن الرسل لم تقل لهم: إنكم تبعثون الآن، ولكنهم قالوا لهم: إنكم تبعثون جميعاً بعد أن تموتوا جميعاً.

تفسير قوله تعالى: (فلينظر الإنسان إلى طعامه...): 

ثم قال -عز وجل- مذكراً الإنسان بما أنعم عليه: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ۞ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾ [عبس:24-25] أي: فلينظر إلى طعامه من أين جاء؟ ومن جاء به؟ وهل أحد خلقه غير الله؟ وينبغي للإنسان أن يتذكر عند هذه الآية قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ ۞ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ۞ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً فَظَلَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ ۞ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ ۞ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ ﴾ [الواقعة:63-67] من الذي زرع هذا الزرع حتى استوى؟ ويسر الحصول عليه حتى كان طعاماً لنا؟ هو الله -عز وجل- ولهذا قال: (لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَاماً) بعد أن نخرجه نحطمه حتى لا تنتفعوا به: ﴿ أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ۞ أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ ۞ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة:68-70] وهنا يقول: ﴿فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس:24] من أين جاءه، ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾ [عبس:25] أي: من ﴿ السحاب ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً﴾ [عبس:26] بعد نزول المطر عليها تتشقق بالنبات: ﴿ فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ [عبس:27] أي: في الأرض ﴿ حَبَّاً ۞ وَعِنَباً وَقَضْباً ۞ وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً ۞ وَحَدَائِقَ غُلْباً ۞ وَفَاكِهَةً وَأَبّاً﴾ [عبس:27-31] أنبتنا فيها حباً، كالبر، والأرز، والذرة، والشعير، وغير ذلك من الحبوب الكثيرة (وَعِنَباً) معروف، (وَقَضْباً) قيل: إنه القتّ وهو معروف، (وَزَيْتُوناً) معروف (وَنَخْلاً) كذلك. (وَحَدَائِقَ غُلْباً) الحدائق جمعها حديقة، و(الغلب) كثيرة الأشجار، و(فاكهةً) أي: ما يتفكه به الإنسان من أنواع الفواكه، (وَأَبّاً) الأب نبات معروف عند العرب ترعاه الإبل ﴿مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس:32] أي: أننا فعلنا ذلك متعة لكم يقوم بها عودكم وتتمتعوا بها أيضاً بالتفكه بهذه النعم.

تفسير قوله تعالى: (فإذا جاءت الصاخة ...): 

ثم لما ذكر الإنسان بحاله منذ خُلق من نطفة، حتى بقي في الدنيا، وعاش ذكر حاله الأخيرة في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْ الصَّاخَّةُ﴾ [عبس:33] أي: الصيحة العظيمة التي تصخ الآذان، وهذا هو يوم القيامة ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ۞ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾ [عبس:34-36] (من أخيه) شقيقه، أو لأبيه، أو لأمه (وأمه وأبيه) الأم والأب المباشر والأجداد -أيضاً- والجدات، يفر هؤلاء كلهم (وصاحبته) أي: زوجته (وبنيه) وهم أقرب الناس إليه وأحب الناس إليه يفر من من هؤلاء كلهم. قال أهل العلم: يفر منهم لئلا يطالبوه بما فرط به في حقهم من أدب وغيره؛ لأن كل شخص في ذلك اليوم لا يحب أبداً أن يقوم له أحدٌ يطالبه بشيء: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:37] كل إنسان مشتغلٌ بنفسه لا ينظر إلى غيره، ولهذا لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنكم تحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلاً، قالت عائشة: واسوأتاه يا رسول الله، الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض».

تفسير قوله تعالى: (وجوه يومئذٍ مسفرة):

ثم قسم الله الناس في ذلك اليوم قسمين، فقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ۞ ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ﴾ [عبس:38-39] (مسفرة) من الإسفار، وهو الوضوح؛ لأنها وجوه المؤمنين تسفر عما في قلوبهم من السرور والانشراح (ضَاحِكَةٌ) أي: متبسمة، وهذا من كمال سرورهم (مُسْتَبْشِرَةٌ) أي: قد بشرت بالخير؛ لأنها تتلقاهم الملائكة بالبشرى يقولون: سلام عليكم ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ [عبس:40] أي: يوم القيامة ﴿عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس:40] أي: شيء كالغبار؛ لأنها ذميمة قبيحة ﴿ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ [عبس:41] أي: ظلمة ﴿أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ [عبس:42] الذين جمعوا بين الكفر والفجور. نسأل الله العافية، ونسأل الله -تعالى- أن يجعلنا وإياكم ممن تكون وجوههم مسفرة ضاحكة مستبشرة. هذا الكلام الذي نتكلم به عن هذه الآيات لا نريد به البسط، ولكن نريد به التوضيح المقرب للمعنى لكثرة قراءتها في الصلوات، والاستماع إليها خلف الأئمة، ونسأل الله أن يجعل فيه فتحاً مبيناً لنا ولكم، إنه جواد كريم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.