تفسير آيات من سورة النازعات
مدة الملف
حجم الملف :
5829 KB
عدد الزيارات 1035

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله، وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:


تفسير قوله -تعالى-: (اذهب إلى فرعون إنه طغى):

في مبدأ كلامنا هذا نتكلم عن بقية الآيات من سورة النازعات، عند قوله -تعالى- مخاطباً موسى -صلى الله عليه وسلم-: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات:17] فأمر الله نبيه موسى أن يذهب إلى فرعون، وهذه هي الرسالة، وبيَّن سبب ذلك، وهو طغيان هذا الرجل -أعني: فرعون- وفي سورة طه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:43] ولا منافاة بين الآيتين؛ وذلك لأن الله -تعالى- أرسل موسى أولاً، ثم طلب موسى عليه الصلاة والسلام من ربه أن يشد أزره بأخيه هارون، فأرسل هارون مع موسى، فصار موسى، وهارون كلاهما مرسلٌ إلى فرعون، وقوله -تعالى-: ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:24] أي: زاد على حده؛ لأن الطغيان هو الزيادة، ومنه قوله -تعالى-: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة:11] أي: زاد، ومنه الطاغوت؛ لأن فيه مجاوزة الحد، فهنا يقول -عز وجل-: ﴿ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه:24].

 تفسير قوله تعالى: (فقل هل لك إلى أن تزكى): 

﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات:18] الاستفهام هنا للتشويق، تشويق فرعون أن يتزكى مما هو عليه من الشر والفساد، وأصل الزكاة: النمو والزيادة، وتطلق بمعنى: الإسلام والتوحيد، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ ۞ الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت:6-7] ومنه قوله -تعالى-: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ۞ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:9-10] ثم قال -تعالى-:﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ۞ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات:18-19] أي: أدلك إلى دين الله -عز وجل- الموصل إلى الله (فتخشى) أي: تخاف الله على علم منك؛ لأن الخشية هي: الخوف المقرون بالعلم، فإن لم يكن علم، فهو خوف مجرد، وهذا هو الفرق بين الخشية والخوف. الفرق بينهما: أن الخشية عن علم، قال الله -تعالى-: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر:28] وأما الخوف فهو خوف مجرد، ذعرٌ يحصل للإنسان، ولو بغير علم، ولهذا قد يخاف الإنسان من شيء يتوهمه، قد يرى في الليلة الظلماء شبحاً لا حقيقة له، فيخاف منه، فهذا ذعر مبني على وهم، لكن الخشية تكون عن علم.

تفسير قوله تعالى: (وأهديك إلى ربك فتخشى): 

قال -تعالى-: ﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى۞ فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:19-20] أي: فذهب موسى عليه الصلاة والسلام وقال لفرعون ما أمره الله به: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى ۞ وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى ﴾ [النازعات:18-19] ولما كان البشر لا يؤمنون، ولا يقبلون دعوى شخص أنه رسول إلا بآية كما هو ظاهر الإنسان، لا يقبل من أحد دعوى إلا ببينة، جعل الله -سبحانه وتعالى- مع كل رسولٍ آية تدل على صدقه، وهنا قال: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:20] أي: أرى موسى فرعون الآية الكبرى، فما هي هذه الآية؟

هي: عصا خشب من فروع الشجر، كان إذا وضعها في الأرض صارت حية تسعى، ثم يحملها فتعود عصا، وهذه من آيات الله، أن شيئاً جماداً إذا وضع على الأرض صار حية تسعى، وإذا حمل من الأرض عاد في الحال إلى حاله الأولى، وهي عصا من جملة العصي ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى﴾ [النازعات:20] وإنما بعثه الله بهذه الآية وبكونه يدخل يده في جيبه، فتخرج بيضاء من غير سوء، أي؛ من غير عيب، أي: بيضاء بياضاً ليس ببياض البرص ولكنه بياضٌ جعله الله آية، إنما بعثه الله بذلك -بالعصا واليد- لأنه كان في زمن موسى السحر منتشراً شائعاً، فأرسله الله -عز وجل- بشيءٍ يشبه السحر، ولكنه ليس بسحر حقيقة، من أجل أن يغلب السحرة الذين تصدوا له عليه الصلاة والسلام. قال أهل العلم: وفي عهد عيسى -صلى الله عليه وسلم- انتشر الطب انتشاراً عظيماً، فجاء عيسى بأمرٍ يعجز الأطباء وهو أنه كان لا يمسح أي ذي عاهة إلا برئ، إذا جيء إليه بشخص فيه عاهة -أي عاهة تكون- مسحه بيده فيبرأ بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص مع أن البرص لا دواء له، لكن هو يبرئ الأبرص بإذن الله ،عز وجل، ويبرئ الأكمه الذي خلق بلا عيون، أشد من هذا أنه يحيي بإذن الله، يؤتى إليه بالميت فيتكلم معه ثم تعود إليه الحياة، وأشد من ذلك وأعظم أنه يخرج الموتى بإذن الله، يخرجهم من أي مكان من قبورهم، يقف على القبر وينادي صاحب القبر فيخرج من القبر حياً، هذا شيء لا يمكن لأي طب أن يبلغه، ولهذا كانت آية عيسى في هذا الوقت مناسبة تماماً لما كان عليه الناس. قال أهل العلم: أما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد أتى إلى العرب، وهم يتفاخرون في الفصاحة، ويرون أن الفصاحة أعظم منقبة للإنسان، فجاء محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذا القرآن العظيم، الذي أعجز أمراء الفصاحة، وعجزوا عن أن يأتوا بمثله، قال الله -تعالى-: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ [الإسراء:88] أي: ولو كان بعضهم يعاون بعضاً، فإنهم لن يأتوا بمثله. نعود فنقول: إن موسى -صلى الله عليه وسلم- أرى فرعون الآية الكبرى، ولكن هل انتفع بالآيات؟ لا.﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس:101].. ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس:11] فالذين ليس في قلوبهم استعداد للهداية لا يهتدون، ولو جاءت كل آية -والعياذ بالله- ولهذا قال: ﴿فَأَرَاهُ الآيَةَ الْكُبْرَى ۞ فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات:20-21] كذب الخبر، وعصى الأمر، وقال لموسى: إنك لست رسولاً، بل قال: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء:27] وعصى الأمر، فلم يمتثل أمر موسى، ولم ينقد لشرعه.

تفسير قوله تعالى: (ثم أدبر يسعى):

قال -تعالى-: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى﴾ [النازعات:22] (أدبر) أي: تولى مدبراً يسعى حثيثاً ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات:23] حشر الناس، أي: جمعهم ونادى فيهم بصوتٍ مرتفع، ليكون ذلك أبلغ في نهيهم، وصدهم عما يريد منهم موسى -عليه الصلاة والسلام- ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى ۞ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:23-24] -والعياذ بالله- قال لقومه: أنا ربكم الأعلى، يعني: لا أحد فوقي؛ لأن الأعلى اسم تفضيل من العلو، فانظر كيف استكبر هذا الرجل، وادعى لنفسه ما ليس له في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى﴾ [النازعات:24]؟ وكان يفتخر بالأنهار، والملك الواسع، فيما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ ۞ أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف:51-52] فما الذي حصل؟ أغرقه الله -عز وجل- بالماء الذي كان يفتخر به، وأورث الله ملك مصر بني إسرائيل، الذين كان يستضعفهم، قال الله -تعالى-: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَى﴾ [النازعات:25] يعني أنه نكل به في الآخرة، وفي الأولى، فكان عبرة في زمنه، وعبرة فيما بعد زمنه إلى يوم القيامة، فكل من قرأ كتاب الله، وقرأ ما صنع الله بفرعون، فإنه يتخذ ذلك عبرة يعتبر به. وكيف أهلكه الله مع هذا الملك العظيم، وهذا الجبروت، وهذا الطغيان، فصار أهون على الله -تعالى- من كل هين.

تفسير قوله تعالى: ( إن في ذلك لعبرة لمن يخشى):

يقول عز وجل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات:26] (إن في ذلك) أي: فيما جرى من إرسال موسى إلى فرعون ومحاورته إياه واستهتار فرعون به واستكباره عن الانقياد له عبرة، (لمن يخشى) أي: يخشى الله عز وجل. فمن كان عنده خشية من الله وتدبر ما حصل لموسى مع فرعون والنتيجة التي كانت لهذا، فإنه يعتبر ويأخذ من ذلك عبرة، والعبر في قصة موسى كثيرة. ونقف على قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾ [النازعات:27].

هنا ننهي هذه الكلمة التي أسأل الله عز وجل أن يجعلها خالصة له ونافعة لنا جميعاً.