تفسير آيات من سورة النازعات
مدة الملف
حجم الملف :
5077 KB
عدد الزيارات 970

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو يوم الخميس الرابع من شهر جمادى الأولى عام (1413هـ)، وهو موعد اللقاء الأسبوعي في كل خميس، نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يديم علينا جميع النعم، وأن ينفع بهذه اللقاءات وغيرها، وأن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، ورزقاً طيباً واسعاً، درسنا في هذا اليوم هو تفسير أول سورة النازعات.


البسملة ليست آية من كل سورة:

قال الله -عز وجل-: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ۞ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطا ۞ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً ۞ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ۞ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات:1-5].

البسملة آية من كتاب الله مستقلة، لا تتبع السورة التي قبلها ولا التي بعدها، ولهذا كان القول الراجح أن البسملة ليست من الفاتحة، بل هي آية مستقلة، ودليل ذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- الثابت في الصحيحين أن الله -تعالى- قال: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فإذا قال: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي» وذكر تمام الحديث، كما أنها -أيضاً- ليست آية من السور الأخرى، وما نشاهده في المصحف من جعلها آية في الفاتحة دون غيرها، إنما هو على رأي بعض العلماء، ولكن الصواب ما ذكرت لكم أنها آية مستقلة، ولذلك لو اقتصر الإنسان في سورة الفاتحة على قوله: الحمد لله رب العالمين إلى آخر السورة لكانت صلاته صحيحة. إلا أنها لا توجد في أول سورة براءة، وسبب ذلك؛ أنه لم ينزل على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بين السورتين آية بسملة، فلذلك لم تكن موجودة، وأما تعليل بعض العلماء بأنها -أي: سورة براءة- نزلت بالسيف، فإنه تعليل عليل لا يصح؛ لأن السيف إذا كان بحق فهو حق، ولا يضر.

تفسير قوله تعالى: (والنازعات غرقاً، والناشطات نشطاً): 

يقول الله -عز وجل- :﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً ۞ وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً ۞ وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً ۞ فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً ۞ فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات:1-5]. كل هذه أوصاف للملائكة على حسب أعمالهم، التي أمرهم الله -عز وجل- بها، فقوله: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً أي: الملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار، تنزعها (غَرْقاً) أي: نزعاً بشدة.

وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً أي: الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين، تنشطها نشطاً، أي: تسلها برفق كالأنشوطة، وأظنكم تعرفون الأنشوطة، الرباط الذي يسموه عندنا، (التكة) أو ما أشبه ذلك من الكلمات، يعني يكون ربطاً بحيث إذا سللت أحد الطرفين انفكت العقدة بسرعة وبسهولة، فهذه الملائكة الموكلة بقبض أرواح المؤمنين تنشطها نشطاً أي: تسلها برفق؛ وسبب ذلك أن الملائكة الموكلة بقبض أرواح الكفار، إذا دعت الروح للخروج تناديها بأقبح الأوصاف، تقول الملائكة لروح الكافر: اخرجي أيتها النفس الخبيثة -كانت في الجسد الخبيث- اخرجي إلى غضب الله، فتنفر الروح لا تريد أن تخرج إلى هذا، وتتفرق في الجسد -والعياذ بالله- حتى يقبضوها بشدة، وينزعونها نزعاً يكاد يتمزق الجسد منها من شدة النزع.

أما أرواح المؤمنين -جعلني الله وإياكم منهم- فإن الملائكة إذا نزلت لقبضها تبشرها: اخرجي أيتها النفس الطيبة -كانت في الجسد الطيب- اخرجي إلى -رضوان الله- وما أشبه هذا الكلام الذي يهون عليها أن تفارق جسدها الذي ألفته فتخرج بسهولة، ولهذا لما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه»، قالت عائشة : يا رسول الله، كلنا يكره الموت، فقال: «ليس الأمر كذلك، ولكن المؤمن إذا جاءه أجله يبشر برحمة من الله ورضوانه فيحب لقاء الله» لأنه في تلك اللحظة يرى أنه سينتقل إلى دار أحسن من الدار التي فارقها، فيفرح كما يفرح أحدنا إذا قيل له: اخرج من بيت الطين إلى البيت المسلح، والقصر المشيد الطيب، فيفرح المؤمن فيحب لقاء الله، والكافر -والعياذ بالله- بالعكس إذا بشر بالغضب والعذاب، فإنه يكره لقاء الله، فيكره الله لقاءه. إذاً: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً﴾ هي: الملائكة التي تنزع أرواح الكفار بشدة، ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ الملائكة التي تقبض أرواح المؤمنين بسهولة ويسر.

تفسير قوله تعالى: (والسابحات سبحاً): 

قال -تعالى-: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً﴾ [النازعات:3] أيضاً الملائكة تسبح بأمر الله، أي: تسرع فيه كما يسرع السابح في الماء، وكما قال -تعالى- عن الشمس والقمر والليل والنهار: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء:33]. فالمعنى أنها تسبح بأمر الله -عز وجل- على حسب ما أراد الله -سبحانه وتعالى- والملائكة أقوى من الجن، والجن أقوى من البشر، انظر إلى قوله -تعالى- عن سليمان: ﴿قَالَ يَا أَيُّهَا المَلأ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ۞ قَالَ عِفْريتٌ مِنْ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ۞ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:38-40] يعني إذا مددت طرفك، ثم أرجعته فقبل أن يرجع إليك آتيك به ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل:40] رآه في الحال، قال العلماء: حملته الملائكة حتى جاءت به إلى سليمان، من أين؟ من اليمن ، وسليمان بالشام في لحظة، فدل هذا على أن قوة الملائكة أكبر بكثير من قوة الجن، وقوة الجن أكبر من قوة بني آدم؛ لأنه لا يستطيع أحد من بني آدم أن يأتي بعرش ملكة سبأ من اليمن إلى الشام قبل مدة طويلة، الحاصل أن الملائكة تسبح بأمر الله -عز وجل- بما يأمرها به.

تفسير قوله تعالى: (فالسابقات سبقاً): 

﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً﴾ [النازعات:4] أيضاً هي: الملائكة تسبق إلى أمر الله -عز وجل- ولهذا كانت الملائكة أسبق إلى أمر الله -عز وجل- من بني آدم، قال الله -تعالى- في وصف ملائكة النار: ﴿عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم:6]، وقال عز وجل:﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ ۞ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء:19-20]، فهم سباقون إلى أمر الله -عز وجل- بما يأمرهم، لا يعصونه ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون لقوتهم، وقدرتهم على فعل أوامر الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: (فالمدبرات أمراً): 

قال -تعالى-: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ [النازعات:5] أيضاً وصف للملائكة، تدبر الأمر وهو واحد يعني أمور الله -عز وجل- لها ملائكة تدبرها، وللنظر إلى أصنافهم، جبرائيل؛ موكل بالوحي يتلقاه من الله، وينزل به على الرسل. إسرافيل: موكل بنفخ الصور الذي يكون عنده يوم القيامة، ينفخ في الصور فيفزع الناس ويموتون، ثم ينفخ فيه أخرى، فيبعثون وهو أيضاً من حملة العرش، ميكائيل: موكل بالقطر والنبات،ملك الموت: موكل بالأرواح. مالك: موكل بالنار. رضوان: موكل بالجنة، ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق:17] موكل بالأعمال. كل يدبر ما أمره الله -عز وجل- به ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً﴾ إذاً فهذه الأوصاف كلها للملائكة على حسب أعمالهم، وأقسم الله -سبحانه وتعالى- بالملائكة؛ لأنهم من خير المخلوقات، ولا يقسم الله -سبحانه وتعالى- بشيء إلا وله شأن عظيم، إما في ذاته وإما لكونه من آيات الله -عز وجل- .

تفسير قوله تعالى: (يوم ترجف الراجفة، تتبعها الرادفة): 

ثم قال -تعالى-: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ [النازعات:6-7]، ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ﴾ متعلقة بمحذوف والتقدير: اذكر يا محمد، وذكر الناس بهذا اليوم العظيم ﴿تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ۞ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ وهما النفختان في الصور، النفخة الأولى: ترجف الناس ويفزعون، ثم يموتون عن آخرهم إلا ما شاء الله، والنفخة الثانية يبعثون من قبورهم، يقوم الناس من قبورهم مرة واحدة، قال الله -تعالى-:﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ ۞ فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات:13-14]. فإذا رجفت وتبعتها الرادفة انقسم الناس إلى قسمين:﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ ۞ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾ [النازعات:8-9] وهذه قلوب الكفار، (واجفة) أي: خائفة خوفاً شديداً، ذليلة لا تكاد تحدق أو تنظر بقوة ولكن قد غضت أبصارهم -والعياذ بالله- لذلهم وهوانهم، قال الله -تعالى-: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:45].

نسأل الله -تعالى- أن يتولانا وإياكم في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن ينجون في هذا اليوم من عذاب الله، وأن يجعلنا من أوليائه المتقين، وحزبه المفلحين إنه جواد كريم.