تفسير آيات من سورة النبأ
مدة الملف
حجم الملف :
4178 KB
عدد الزيارات 1317

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإن هذا هو اللقاء الثاني لشهر جمادى الأولى، الموافق ليوم الخميس الحادي عشر من هذا الشهر، عام (1413هـ)، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل في هذه اللقاءات بركة، ونفعاً لنا وللمسلمين. نُتمم ما نحن سائرون فيه من التفسير، وقد تكلمنا على قوله -تعالى- في سورة النبأ عن الطاغين، وأن جهنم كانت مآبهم، وأنهم لابثون فيها أحقاباً، ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً ۞ إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:24-25]. تكلمنا على قوله -تعالى-: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْداً وَلا شَرَاباً﴾ [النبأ:24] وقلنا: إن الله -سبحانه وتعالى- نفى عنهم البرد الذي تبرد به ظواهر أبدانهم، والشراب الذي تبرد به أجوافهم.


تفسير قوله -تعالى-: (إلا حميماً وغساقاً):

ثم قال -تعالى-: ﴿إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً﴾ [النبأ:25] وهذا الاستثناء منقطع عند النحويين؛ لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، والمعنى: ليس لهم إلا هذا، الحميم: وهو الماء الحار المنتهي في الحرارة إلى ما ذكرناه سابقاً، بأنهم يغاثون بماء كالمهل يشوي الوجوه، ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد:15]، وغساقاً؛ قال المفسرون: إن الغساق هو: شراب منتن الرائحة شديد البرودة، فيجمع لهم -والعياذ بالله- بين الماء الحار الشديد الحرارة، والماء البارد الشديد البرودة، ليذوقوا العذاب من الناحيتين: من ناحية الحرارة، ومن ناحية البرودة، بل إن بعض أهل التفسير قالوا: إن المراد بالغساق: صديد أهل النار وما يخرج من أجوافهم من النتن والعرق وغير ذلك، وعلى كل حال فالآية الكريمة تدل على أنهم لا يذوقون، إلا هذا الشراب الذي يقطع أمعاءهم من حرارته، ويفطر أكبادهم من برودته -نسأل الله العافية- وإذا اجتمعت هذه الأنواع من العذاب كان ذلك زيادة في مضاعفة العذاب عليهم.

تفسير قوله تعالى: (جزاءً وفاقاً): 

ثم قال -تعالى-: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً﴾ [النبأ:26]، أي: يجزون بذلك جزاءً موافقاً لأعمالهم، من غير أن يظلموا، قال الله -تبارك وتعالى-: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:44]، فهذا الجزاء موافق، ومطابق لأعمالهم.

تفسير قوله تعالى: (إنهم كانوا لا يرجون حساباً): 

ثم بين وجه الموافقة، أي: موافقة هذا العذاب للأعمال فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً ۞ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ [النبأ:27-28]، فذكر انحرافهم في العقيدة، وانحرافهم في القول، إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً أي: كانوا لا يأملون أن يحاسبوا، بل ينكرون الحساب، وينكرون البعث، يقولون: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية:24]، فلا يرجون حساباً يحاسبون به؛ لأنهم ينكرون ذلك، هذه عقيدة قلوبهم. أما ألسنتهم فيكذبون، يقولون: هذا كذب ، هذا سحر ، هذا جنون، وما أشبه ذلك، كما تقرءون في كتاب الله ما يصف به هؤلاء المكذبون رسل الله، كما قال الله -عز وجل-: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات:52]، وقال الله تعالى عن المكذبين بمحمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ [ص:4]، وقالوا إنه شاعر:﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾  [الطور:30] وقالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ۞ لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الحجر:6-7]، ولولا أن الله ثبت أقدام الرسل، وصبرهم على قومهم؛ ما صبروا على هذا الأمر، ثم إن قومهم المكذبين لهم لم يقتصروا على هذا، بل آذوهم بالفعل كما فعلوا مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- من الأذية العظيمة، بل آذوه بحمل السلاح عليه، فمن كانت هذه حاله فجزاؤه جهنم جزاءً موافقاً مطابقاً لعمله، كما في هذه الآية الكريمة: ﴿جَزَاءً وِفَاقاً ۞ إِنَّهُمْ كَانُوا لا يَرْجُونَ حِسَاباً ۞ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّاباً﴾ [النبأ:26-28].

تفسير قوله تعالى: (وكل شيء أحصيناه كتاباً): 

ثم قال -تعالى-: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً﴾ [النبأ:29] كل شيء، يشمل ما يفعله الله -عز وجل- من الخلق والتدبير في الكون، ويشمل ما يعمله العباد من أقوال وأفعال، ويشمل كل صغير وكبير: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ كِتَاباً أي: ضبطناه بالإحصاء الدقيق الذي لا يختلف، (كِتَاباً) أي: كتباً، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أن الله كتب مقادير كل شيء إلى أن تقوم الساعة»، ومن جملة ذلك أعمال بني آدم، فإنها مكتوبة، بل كل قول يكتب، قال الله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:18]، (رقيب) أي: مراقب، و(العتيد) أي: الحاضر. دخل رجل على الإمام أحمد -رحمه الله- وهو مريض يئن من مرضه، فقال له: يا أبا عبد الله، إن طاوساً -وهو أحد التابعين المشهورين- يقول: إن أنين المريض يكتب، فتوقف -رحمه الله- عن الأنين، خوفاً من أن يكتب عليه أنين مرضه، فكيف بأقوال ألسنتنا التي لا حد لها، ولا ممسك لها، ألفاظ تترا طوال الليل والنهار، ولا نحسب لها أي حساب، ونسأل الله -تعالى- أن يعاملنا بعفوه. كل شيء يكتب، حتى الهم يكتب إما لك وإما عليك، من هم بالسيئة فلم يعملها عاجزاً عنها، فإنها تكتب عليه، وإن هم بها، وتركها لله فإنها تكتب له، فلا يضيع شيء.

تفسير قوله تعالى: (فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذاباً): 

قال -تعالى-: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ [النبأ:30]، هذا الأمر للإهانة والتوبيخ، أي: يقال لأهل النار: ذوقوا العذاب، إهانة وتوبيخاً، فلن نزيدكم إلا عذاباً، ولن نخفف عنكم، بل ولن نبقيكم على ما أنتم عليه، لا نزيدكم إلا عذاباً، في قوته، ومدته، ونوعه، وقد قرأتم آية أخرى أنهم يقولون لخزنة جهنم: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:49]، تأمل هذه الكلمة من عدة أوجه:

أولاً: أنهم لم يسألوا الله -سبحانه وتعالى- وإنما طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم، لماذا؟ لأن الله قال لهم: ﴿اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:108]، فرأوا أنفسهم أنهم ليسوا أهلاً لأن يسألوا الله ويدعوه، بل بواسطة.

ثانياً: أنهم قالوا: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ﴾ [غافر:49] ولم يقولوا: ادعوا ربنا؛ لأن وجوههم وقلوبهم لا تستطيع أن تتكلم، أو تتحدث بإضافة ربوبية الله لهم، أي: بأن يقولوا ربنا، عندهم من العار ، والخزي ما يرون أنهم ليسوا أهلاً لأن تضاف ربوبية الله إليهم بل قالوا: ( رَبَّكُمْ ).

ثالثاً: أنهم لم يقولوا: يرفع عنا العذاب، بل قالوا: يخفف؛ لأنهم آيسون -نعوذ بالله- آيسون من أن يرفع عنهم.

رابعاً: ثم انظر -أيضاً- هل قالوا: يخفف عنا العذاب دائماً؟ قالوا: ﴿يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر:49] يوماً واحداً، يتبين لكم إذا تصورتم هذه الحال ما هم عليه من العذاب والهوان والذل: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى:45] أعاذنا الله وإياكم منها.

ثم ذكر الله عز وجل ما للمتقين من النعيم؛ لأن القرآن مثاني، إذا ذكر فيه العقاب؛ ذكر فيه الثواب، وإذا ذكر الثواب؛ ذكر العقاب، وإذا ذكر أهل الخير؛ ذكر أهل الشر، وإذا ذكر الحق؛ ذكر الباطل، مثاني حتى يكون سير الإنسان إلى ربه بين الخوف والرجاء؛ لأنه إن غلب عليه الرجاء؛ وقع في الأمن من مكر الله، وإن غلب عليه الخوف؛ وقع القنوط من رحمة الله، وكلاهما من كبائر الذنوب، كلاهما شر، لا الأمن من مكر الله، ولا القنوط من رحمة الله، لذلك تجدون القرآن يأتي بهذا وبهذا، ولئلا تمل النفوس من ذكر حال واحدة، والإسهاب فيها دون ما يقابلها، وهذا من بلاغة القرآن الكريم.