تفسير بداية سورة (ق)
مدة الملف
حجم الملف :
8274 KB
عدد الزيارات 7132

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الشهري الذي يتم في كل ليلة أحد -الليلة الثالثة من كل شهر- هذا هو وقت اللقاء بكم، ويتم هذا الشهر ليلة الأحد الحادي والعشرين من شهر جمادى الأولى عام ثلاثة عشر وأربعمائة وألف.

وأسأل الله تعالى أن يرزقنا الاستمرار على ذلك، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى، وكما تعلمون أننا تكلمنا فيما سبق على شيء من تفسير سورة النبأ، ولكني رأيت أن نجعل شهراً للتفسير وشهراً لما ينبغي أن يُتحدث عنه من أمر الواقع، وبناءً على ذلك أرى أن يقدم إلى مندوب الدعوة الشيخ: حمود بن عبد العزيز الصايغ أن يقدم إليه منكم ما ترون أن الكلام فيه مناسب من الأمور الواقعة، سواء كانت هنا في المملكة أو في خارج المملكة، مما ينبغي أن نتكلم عنه، وتكون ليلة وليلة، ليلة في التفسير، وليلة في بيان حكم ما يحتاج إلى البيان.

أما التفسير فرأيت أيضاً أن نبدأ فيه بسورة (ق) وذلك لأن لقاءنا الأسبوعي الذي يكون في البيت قد بدأنا فيه بسورة النبأ، فلا أحب أن يتضارب هذا مع هذا ويتعارض، فرأيت أن نبدأ بسورة (ق) لأنها أول المفصل، ولأن الناس يستمعون إليها من الأئمة، فإن أهل العلم يقولون: ينبغي للإمام أن يقرأ في صلاة الفجر من طوال المفصل، وفي صلاة المغرب من قصار المفصل، وفي الثلاث الصلوات الباقية من أوساطه، وطواله من (ق) إلى (عم) وقصاره من (الضحى) إلى آخر القرآن، وأوساطه من (عم) إلى (الضحى).
فنقول وبالله التوفيق: إن الله -سبحانه وتعالى- ابتدأ هذه السورة سورة (ق) بهذا الحرف (ق) وهذا حرف هجائي، أحد الحروف الهجائية التي أولها الألف وآخرها الياء، هذا الحرف الهجائي هل له معنى مستفاد بمقتضى اللغة العربية أو ليس له معنى؟ جوابنا على ذلك: ليس له معنى مستفاد بمقتضى اللغة العربية؛ لأن الحروف الهجائية حروف مهملة لا معنى لها في حد ذاتها، وعلى هذا فكل الحروف الهجائية الموجودة في أوائل السور ليس لها معاني، ودليل ذلك قول الله -عز وجل-: وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:192] يعني: القرآن نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۞ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ۞ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء:193-195] وقال تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف:3] إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2] وبناءً على ذلك نقول: هذه الحروف (ق)، (ص)، (ألم)، (ن)، (ألر)، (ألمر) هذه الحروف بمقتضى اللسان العربي لا تفيد معنى في ذاتها فليس لها معنى، ولكن سيرد على القلب إشكال؛ وهو: هل يكون في القرآن شيء لا معنى له؟ الجواب: لا يمكن أن يكون في القرآن شيء لا معنى له؛ لأننا لو فرضنا ذلك لكان في القرآن ما هو لغو، وليس في القرآن من لغو، لكن هذه الحروف وإن لم يكن لها معنى في ذاتها، إلا أن لها مغزى عظيماً وذلك في إقامة التحدي التام للعرب الذين كذبوا الرسول -عليه الصلاة والسلام- وقالوا عن القرآن: إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ [المدثر:25] فيقال: إذا كان قول البشر كما زعمتم فأتوا بمثله، فأتوا بسورة، ائتوا بحديث مثله، مع أنه لم يأتِ بشيء غريب على لسانكم، وإنما جاء بالحروف التي تركبون منها كلامكم، كلام العرب مم يتركب؟ من الحروف الهجائية، ثمانية وعشرون حرفاً لا تزيد، كل كلام العرب يتكون من هذه الحروف الهجائية الثمانية والعشرين، والقرآن لم يخرج عن هذه الحروف الثمانية والعشرين ومع ذلك أعجز العرب، فعجزوا عن أن يأتوا بمثله، وهذا الذي ذكرناه هو ما نقله ابن كثير -رحمه الله- في تفسير أول سورة البقرة عن مجاهد أن هذه الحروف الهجائية التي تكون في أوائل بعض السور ليس لها معنى في حد ذاتها، ولكن لها مغزى، ولهذا لا تجد سورة بُدأت بهذا الحروف الهجائية إلا وبعدها ذكر القرآن إلا نادراً.

إذاً: قوله تعالى: (ق) هو حرف هجائي ليس له معنى في حد ذاته، لكن له مغزى؛ وهو إقامة التحدي لهؤلاء المعارضين المكذبين بحيث يقال لهم: هذا القرآن هو من الحروف التي تركبون منها كلامكم، ومع ذلك أعجزكم وعجزتم عن أن تأتوا بمثله.

تفسير قوله تعالى: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ يقول الله عز وجل: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] الواو هنا حرف قسم: وَالْقُرْآنِ [ق:1] المراد بالقرآن هو ما نقرأه وهو كلام الله -عز وجل- تكلم به حقيقة، وألقاه على جبريل الذي وصفه الله بقوله: ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ [التكوير:20] قوة على حفظ القرآن لا ينتزعه منه أحد، وأمانة تامة نزل به على قلب النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، هذا هو القرآن وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] وصفه هنا بأنه مجيد، والمجد صفة العظمة والسلطان، فالقرآن مجيد ذو غلبة وذو سلطان يغلب ولا يُغلب، من تمسك به فله العزة وله الغلبة، والمجد -كما أشرت إليه- هو العزة والسلطان والقوة، فالقرآن مجيد، ومن تمسك بالمجيد كان مجيداً عظيماً، فأقسم الله تعالى بالقرآن بوصفه مجيداً.

تفسير قوله تعالى: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ ثم قال: بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:2] طالب العلم يتشوف هنا إلى جواب القسم لأن القسم، لا بد فيه من أركان: مُقسِم، ومُقسم به، ومُقسم عليه، وأداة قسم، لننظر الآن في هذه الآية: وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ [ق:1] ففيها أداة القسم وهي الواو، وفيها المقسم به وهو القرآن، وفيها مُقسِم وهو الله -عز وجل-؛ لأن القرآن كلام الله، بقي الرابع وهو المقسم عليه، فأين هو؟ اختلف في ذلك النحويون والمفسرون، ولكن ابن القيم وابن كثير رجحا بأن جواب القسم مضمون السورة كلها، وليس جملة معينة منها، والمعنى أن الله أقسم بالقرآن على كل ما في هذه السورة، وأنه حق لا يعتريه باطل ولا شك، وحينئذٍ لا نحتاج إلى جواب في جملة معينة. بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:2] عجبوا: الفاعل كفار قريش، والدليل لذلك قوله: مِنْهُمْ [ق:2] هو النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما قال تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ [الجمعة:2] أي في العرب: عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:2] هذا العجب هل هو عجب استحسان وإقرار أو عجب تكذيب وإنكار؟ الثاني هو المراد، فالعجب يأتي بمعنى الاستحسان والإقرار، ومنه حديث عائشة -رضي الله عنها-: «كان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يعجبه التيمن في تنعله وترجله» وتقول: تكلم فلانٌ فأعجبني كلامه، أي: سرني وأقررته. ويأتي العجب بمعنى الإنكار والتكذيب كما في هذه الآية: عَجِبُوا[ق:2] أي: عجب إنكار وتكذيب: أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ [ق:2] وهو محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهو -عليه الصلاة والسلام- منذر ومبشر، منذر لكل من خالفه بالعقوبة، ومبشر لكل من أطاعه بالثواب الجزيل.

فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق:2] قال الكافرون: وكان الإنسان يترقب أن يكون اللفظ (فقالوا هذا شيء عجيب) لكن قال: فَقَالَ الْكَافِرُونَ [ق:2] إشارة إلى أن هذا العجب كفر ترتب عليه قولهم: هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ [ق:2] يعني: شيء يقتضي العجب وهو: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً [ق:3] فاستبعدوا أن يرجعوا ويبعثوا بعد أن كانوا تراباً، ولكن هذا العجب عجب استكبار، وإلا فإن أدنى عاقل يتأمل يعلم بأن هذا ليس بعجيب، الرجوع إلى الله -عز وجل- يوم القيامة رجوع شيء كان، وبدء الخلق ابتداء شيء لم يكن، وأيهما أسهل؟ الأول أسهل؛ قال الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عليه [الروم:27] نقول لأي إنسان ينكر البعث: ألم تكن من قبل معدوماً؟ هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً [الإنسان:1] فأوجدك الله، فالذي أوجدك من العدم قادر على أن يعيدك إلى ما كنت عليه: كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ [الأنبياء:104] فلا عجب من ذلك؛ لكن هم تعجبوا عجب إنكار وتكذيب ومكابرة: أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً [ق:3] جواب إذا محذوف معلوم من السياق؛ أي: (أئذا متنا وكنا تراباً نرجع) يعني: أنرجع إذا متنا وكنا تراباً؟ قالوا: ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ [ق:3] أي: غير ممكن أن نرجع، وهذا كقوله تعالى عن الإنسان: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ ۞ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79] فالذي أنشأها أول مرة قادر على أن يعيدها مرة أخرى.
تفسير قوله تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ ثم قال تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] علمنا بعلمنا الواسع، يقول الله -عز وجل-: قَدْ عَلِمْنَا[ق:4] بعلمه الواسع: مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] أي: من أجسادهم، فلو كانوا تراباً فالأمر محفوظ معلوم مضبوط وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] أي: كتاب حافظ لكل ما ينقص منه، فالإنسان إذا دفن فإن الأرض تأكله، تبدأ بظاهر جسمه، ثم تنتقل إلى باطنه، والله -سبحانه وتعالى- يعلم مقدار ما تأكل الأرض منه، إلا صنفاً واحداً من الناس فإن الأرض لا تأكلهم وهم الأنبياء، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء)) فهم باقون لم ينقص منهم شيء، أما غير الأنبياء فقد يكرم بعض الصالحين ولا تأكل الأرض جسمه وإلا فالأصل أن كل بني آدم تأكلهم الأرض ما عدا الأنبياء، قال تعالى: قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ [ق:4] من أي شيء؟ من أجسادهم التي تأكلها الأرض بعد دفنهم، قد علم الله تعالى ذلك وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ [ق:4] وهو اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير كل شيء إلى قيام الساعة.

قال الله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] هذا إضراب وانتقال من شيء إلى آخر كان ينكر عليهم إنكار البعث، ثم أنكر عليهم ما هو أعم فقال: بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ [ق:5] الحق يعني الصدق الثابت الذي جاء به محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، فمحمد -عليه الصلاة والسلام- جاء بالحق؛ بكلام حق ثابت صدق، وبشرع حق ليس فيه ما يبطله. وقوله: لَمَّا جَاءَهُمْ [ق:5] أي: حين جاءهم فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] أي: بناء على هذا التكذيب صاروا في أمر مريج مضطرب، ليس لهم قرار، وليس لهم سكون، ولذلك تجد الإنسان كلما كان أشد يقيناً في دين الله، كان أثبت وأنظم لعمله، وكلما كان أشد تكذيباً كان دائماً في قلق، ولذلك قال: فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5].

يستفاد من هذه الآية الأخيرة: أن مما يفتح الله به على العبد في معرفة الأحكام الشرعية أن يكون مصدقاً موقناً، فكلما كنت مصدقاً موقناً فاعلم أن الله سيفتح لك ما لا يفتحه لغيرك، أما من كان مكذباً فإن أبواب الهداية تغلق دونه، قال تعالى: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى [فصلت:17] والعياذ بالله فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ [ق:5] وبهذا نعرف أن الواجب على المرء أن يقبل الحق فور علمه به؛ لئلا يقع في أمر مريج كما قال الله -عز وجل-: وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ [الأنعام:110].

نسأل الله تعالى أن يدلنا وإياكم على الحق، وأن يرزقنا وإياكم اتباعه والوفاة عليه؛ إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما الآن فقد أتى دور الأسئلة.