تفسير آيات من سورة (ق)
مدة الملف
حجم الملف :
8581 KB
عدد الزيارات 5924

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق، فبلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

أيها الإخوة، فإن هذا هو اللقاء الشهري الذي ينظمه مكتب الدعوة في الجامع الكبير في عنيزة، وهذا اللقاء في هذا الشهر يصادق ليلة الخامس عشر من شهر جمادى الثانية عام أربعة عشر وأربعمائة وألف، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل مثل هذه اللقاءات لقاءات خير وبركة.

كنا تكلمنا على تفسير قول الله تبارك وتعالى في سورة (ق) ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ [ق:11]. قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ ۞ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ ۞ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق:12-14] هذه الآيات فيها فائدتان:

الفائدة الأولى:

تسلية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن تكذيبه ليس ببدع من الخلق، فالخلق من قبل الأمة التي بُعث فيها الرسول كذبوا رسلهم.

والفائدة الثانية:

تهديد هؤلاء المكذبين للرسول -عليه الصلاة والسلام- أن يصيبهم ما أصاب الأمم من قبلهم، فهنا يقول الله -عز وجل-: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ [ق:12]. فمن نوح؟ نوح أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، وكان الناس من قبل على دين آدم، وآدم نبي وليس برسول؛ لأن الناس لم يختلفوا حتى يُرسلَ إليهم رسولٌ يحكم بينهم، كان الناس على هذه الملة عشرة قرون كما يروى عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، فاختلفوا لأنهم كثروا ونموا وتنازعوا، فاحتاجوا إلى الرسل، فأرسل الله إليهم الرسل، وأول من أرسل نوحاً، أرسله إلى قومه ولبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ولا يزيدهم ذلك إلا طغياناً، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ۞ ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ۞ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً ۞ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح:8-10] إلى آخره.

وأنزل الله في قصة نوح سورة كاملة؛ لأنه أول رسول وأول من كُذب، بقي فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وتوعدهم ولكن لم ينفعهم هذا الوعيد شيئاً، وأوحى الله تعالى له أن يصنع سفينة عظيمة، تحسباً لما سيقع، فجعل يصنع هذه السفينة، وكلما مر به ملأ من قومه سخروا منه، فقال لهم: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ۞ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود:38-39].

ولم يؤمن معه إلا قليل من قومه، وكفر به من قومه أحد أبنائه، ابنه الذي هو من صلبه يكفر به، وسبحان الله! ما أعظم قدرة الله! نبي كفر به ابنه، ونبي آخر كفر به أبوه، من الذي كفر به أبوه؟ إبراهيم: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الأنعام:95] كفر به قومه، وما آمن معه إلا قليل، مع أنه بقي ألف سنة إلا خمسين عاماً، ونحن مساكين إذا دعا الرجل أهله لمدة يومين فلم يستجيبوا له، يمل ويكل ويترك الدعوة، ولكن الرسل لهم صبر لا يماثله صبر: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف:35] ونوح من أولي العزم. النتيجة أهلكهم الله عز وجل، بماذا؟ قال الله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ ۞ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ ۞ فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ ۞ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ [القمر:9-12] الماء النازل من السماء والماء النابع من الأرض: ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر:12] في قراءة أخرى: ﴿فَفَتَّحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ [القمر:11] ﴿ففتَّحنا﴾ والتضعيف يدل على الكثرة؛ يعني: جعلنا السماء كأفواه القرب تصب المياه، وجعلنا الأرض تجيش بالمياه، ولم يقل الله فجرنا عيون الأرض، بل قال: ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ [القمر:12] كأن الأرض كلها صارت عيوناً.

وقد بين الله تعالى أن التنور الذي هو مكان النار الحارة اليابسة فار، فوصل الماء إلى قمم الجبال، وكانت امرأة من هؤلاء الكافرين معها صبي كلما ارتفع الماء صعدت على جبل حولها، كلما ارتفع صعدت الجبل، كلما ارتفع صعدت الجبل، حتى وصلت إلى قمة الجبل، ولما وصلت إلى قمة الجبل، وصلها الماء حتى ألجمها فرفعت صبيها عالياً من أجل أن تغرق هي قبل الصبي، وفي الحديث: «لو كان الله راحماً أحداً لرحم أم الصبي» لكن إذا نزل العذاب لا ينفع الإيمان، إذا نزل العذاب حلت حكمة الله -عز وجل- محل الرحمة، ولهذا لما غرق فرعون وأدركه الغرق قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس:90] انظر إلى كمال الذل ما قال: آمنت بالله، وإنما قال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل، فجعل نفسه تبعاً لبني إسرائيل، الذي كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، أصبح الآن ذيلاً لهم، ولكن ما نفعه ذلك، وقيل له: ﴿آلْآنَ﴾ يعني: تؤمن ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس:91].

المهم أن هذه خلاصة رسالة نوح عليه السلام، وهنا نقطة: أننا نجد في بعض الشجر التي ترسم أسماء الأنبياء يجعلون إدريس قبل نوح، وهذا خطأ كبير، فإدريس ليس قبل نوح، بل هو من بني إسرائيل؛ لأن الله يذكر قصته مع قصة أنبياء بني إسرائيل، ولا يمكن أن نقول: إنه قبل نوح والله -عز وجل- يقول: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء:163] ويقول -جل وعلا-: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ﴾ [الحديد:26] فما من رسول قبل نوح.

وفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة أن الناس يأتون نوحاً يوم القيامة ليشفع لهم فيقولون له: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، المسألة بينة واضحة، ونكتفي بهذا القدر على قصص الأنبياء حتى نكملها -إن شاء الله- في جلسات قادمة.

تفسير آيات من سورة الشعراء:
تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
ونعرج إلى آية قرأناها في الصلاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ۞ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۞ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ۞ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء:192-195].

الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّهُ﴾ يعود إلى القرآن الكريم، وهذ الجملة مؤكدة بإن واللام: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:192] فهو منزل من عند الله -عز وجل-، إذاً هو كلام الله أنزله إلينا.

ولله المثل الأعلى: المراسيم الملكية إذا نزلت من البلاط الملكي أو من الديوان الملكي صار لها شأن كبير، وصار الذي يخالف نصها أو لفظها معرضاً للعقوبة، وهذا القرآن الكريم نزل من عند من؟ من عند الله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ۞ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ ﴾[التكوير:19-20] نزل من عند الله.

تفسير قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:193] وهو جبريل، وسماه الله روحاً؛ لأنه ينزل بالروح ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى:52] يعني: القرآن، فهو ينزل بالوحي الذي هو حياة القلوب وروح القلوب: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ [الشعراء:193] أمين أمانة عظيمة، وليس كما قيل: إنه أرسل إلى علي بن أبي طالب فأخطأ وذهب إلى محمد، سبحان الله! أمين مؤتمن: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾ [التكوير:20] كيف يخطئ في الرسالة، ويقره الله على ذلك حتى يموت محمد -عليه الصلاة والسلام-.

تفسير قوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾:
﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ۞ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء:193-194] وهنا قال: على قلبك، وفي آيات أخرى يقول: (عليك) لماذا قال: على قلبك؟ لأن القلب محل الوعي، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- وعى هذا القرآن ولم يسقط منه حرفاً ولا كلمة ولا آية، وكان -عليه الصلاة والسلام- إذا نزل عليه الوحي يتعجل، يقرأ، يتابع جبريل، فقيل له: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ۞ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ۞ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة:16-18] يعني: قرأه جبريل الذي هو رسولنا إليك. 

﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ۞ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:18-19] من تكفل ببيانه؟ الله -عز وجل- ونعم الكفيل، تكفل بأن يبين هذا القرآن لعباده لفظاً ومعنى، ولهذا لا يوجد في القرآن كلمة لا يفهم أحد معناها، بمعنى أن الأمة كلها تطبق على عدم معرفتها، هذا لا يمكن، صحيح أن من القرآن ما يخفى على بعض الناس دون بعض، وهذا واضح، لكن لا يمكن أن يوجد في القرآن شيء لا تفهمه الأمة كلها أبداً: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة:19] فتكفل الله -عز وجل- أن يبين للناس هذا القرآن لفظاً ومعنى وهذا الواقع والحمد لله، فكتاب الله منذ نزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وإلى يومنا هذا وهو محفوظ -ولله الحمد- بحفظ الله، فمن زعم أنه قد نقص منه حرف واحد غير ما اختلف فيه القراء من بعض الحروف التي مثل الواو قد تسقط في بعض القراءات أو الفاء أو ما أشبه ذلك، من زعم هذا فإنه مكذب للقرآن وإجماع الأمة، ليس في القرآن نقص، القرآن تلقاه الرسول من جبريل وأبلغه للصحابة ونعم الصحابة الأمناء، وألقوه إلى التابعين، ثم بقي يأخذه الصغير عن الكبير إلى يومنا هذا ولله الحمد.

﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء:194] وقد كان -عليه الصلاة والسلام- من المنذرين، وكان أفضل المنذرين وأصبر المنذرين، وأعلم المنذرين، وأخشى المنذرين لله، بأي لسان؟

تفسير قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء:195] وهذا فخر عظيم للسان العربي أن يكون كتاب الله العظيم نزل بهذا اللسان العربي، ومع ذلك لسان عربي مبين، مبين أي: بيِّن مبيِّن، فهو نفسه بيِّن وهو كذلك مبيِّن لغيره، فهذا القرآن بين واضح ومبين للحق أيضاً ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ﴾ [الشعراء:195] وهو لسان العرب الذين هم أبلغ البلغاء، وأقول: إن هذا فخر عظيم للغة العربية أن ينزل القرآن بها، ولقد تعربت الأعاجم في صدر الإسلام حتى يصلوا إلى معاني القرآن؛ لأنه مهما كان الإنسان في فهمه إذا لم يكن لسانه عربياً فإنه لن يدرك طعم القرآن تماماً، لن يدرك طعم القرآن إلا من وفقه الله للفهم وكان لسانه لساناً عربياً، ولهذا تعربت الأمم في صدر الإسلام حتى صاروا عرباً فصحاء في الكلام، فالبخاري نسبه فارسي من بخارى بعيد عن العرب، لكنه تعرب، وكذلك الفيروز أبادي الذي له "القاموس المحيط" في اللغة العربية أصله غير عربي لكنه تعرب؛ لأنه لا يمكن أن يفهم كتاب الله أو سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- إلا باللسان العربي، وكانت اللغة العربية مزدهرة في صدر الإسلام، فالعجم يتعلمونها حتى يكونوا عرباً بلسانهم، ولكن الآن -مع الأسف الشديد- أن أقوامنا العرب يريدون أن يقضوا على لغتنا العربية، لغة الإسلام، الآن في رياض الأطفال مع الأسف هنا في المملكة العربية السعودية يعلمون الصبيان الصغار اللغة الإنجليزية أكثر مما يعلمونهم اللغة العربية، وسبحان الله! أيريدون أن يخرج أبناؤنا وأطفالنا غداً باللغة الإنجليزية البعيدة عن اللغة العربية، حتى يصبحوا لا يفقهون كتاب الله ولا سنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم سوف يعشقون هذه اللغة ويتكلمون بها؟! ولهذا أنا أنصح كل ذي طفل أن يبتعد عن هذه الرياض وألا يدخل أبناءه فيها ولا بناته؛ لأنه مسئول عنهم، وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يضرب الناس إذا رطنوا رطانة الأعاجم، كيف تذهبون عن اللغة العربية لغة دينكم وكتابكم وسنة نبيكم إلى لغة أعجمية؟ إذا كان الدين ضعيفاً في عهدنا هذا، واللغة الأجنبية معشوقة يعلمها الصبيان من ذكور وإناث ماذا تكون الحال في المستقبل؟ خطيرة بلا شك.

أنرضى أن يكون شعبنا غداً لا يتخاطب إلا باللغة الإنجليزية؟ لا أحد يرضى بذلك، وثقوا بأننا إذا علمنا أبناءنا اللغة الإنجليزية، فهو فخر للإنجليز مثلاً، هم يفخرون أن لغتهم يتعلمها العرب حتى يدعوا لغتهم العربية، فنصيحتي من هذا المكان لله -عز وجل- ولإخواني المسلمين أن يبتعدوا عن هذه الرياض ما دامت على هذه المناهج، والحمد لله في المدارس الحكومية ما يغني عنها، اصبر ودع ولدك حتى يتم السن الذي يؤهله لدخول المدرسة الابتدائية مثلاً واجعله يدخل، وإذا كنت تريد مصلحة ابنك فاجلس معه ساعة من النهار أو ساعة من الليل علمه الفاتحة، علمه السور القصيرة من القرآن الكريم، علمه ما يحتاج إليه في وضوئه وصلاته، حتى تنشئه تنشئة دينية صحيحة، أما أن تدخله رياضاً لا نعلم عن مناهجها، وإن كنا لا نسيء الظن، لكن أدنى ما فيها أنها تعلم اللغة الإنجليزية لهؤلاء الصبيان، وغداً تقلب ألسنتهم ألسنة أجنبية، لماذا؟ ألا نخاف الله؟ ألم يعلم الواحد منا أن كل شخص قد استرعاه الله ورسوله على أهله، الرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، فإذا مات الإنسان وهو غاش لرعيته، أي: لأهله حيث لم يوجهم التوجيه السليم، فقد جاء في الحديث أنه: «ما من مسلم يسترعيه الله على رعيته فيموت يوم يموت وهو غاش لها إلا حرم الله عليه الجنة» وهذه مسألة ليست هينة، أولادنا لسنا نربيهم ليؤكلوننا إذا عجزنا بعد عن تحصيل الأكل، إنما نربيهم ليقوموا لله -عز وجل-، وليعبدوا الله، فنحن مسئولون عنهم من هذه الناحية.

أما مسألة الترف والتنعيم الدنيوي فاستمع إلى قول الله تعالى في نفس الآيات التي قرأناها الليلة: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ۞ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ ۞ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء:105-207] وقال تعالى في آل فرعون: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ ۞ وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ۞ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ﴾ [الدخان:25-27] لما عصوا الله تركوا كل هذا وهلكوا، وتركوها وراء ظهورهم.

فالله الله أيها المسلمون لا نغلب على لغتنا؛ لأن لغتنا من مقومات ديننا، هي لغة كتاب الله ولغة سنة رسول الله، لغة أئمة المسلمين، لغة علماء المسلمين، وليكن على أقل تقدير لدينا نخوة عربية، لا نأخذ بدل لغتنا شيئاً، فإني الآن أبرأ إلى الله من أولئك القوم الذين يدخلون أبناءهم مثل هذه الرياض حتى يتعلموا اللغة الإنجليزية من الصغر، وحتى ينسوا لغتهم العربية، وأرى أنهم متحملون للمسئولية أمام الله -عز وجل-، وأن هذا له خطره العظيم في المستقبل. وأرجو منكم أن تبلغوا هذه النصيحة لكل من رأيتموه قد أدخل أبناءه أو بناته لهذه الرياض التي فيها مثل هذه المناهج.

وأقول: اصبروا، اجعلوا أولادكم عندكم في البيوت يألفونكم وتألفونهم، ويحبونكم وتحبونهم، ثم إذا بلغوا السن التي تخولهم أن يدخلوا المدارس الحكومية فأدخلوهم، وأنتم لم تدخلوا الرياض والحمد لله أنتم على مستوى عظيم من الثقافة، فأبناؤكم مثلكم.

هذا ما أقوله، وأستغفر الله لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنب.

والآن قد أتى دور الأسئلة، نسأل الله أن يوفقنا فيها للصواب.