فوائد متفرقة
مدة الملف
حجم الملف :
6007 KB
عدد الزيارات 7615

المقدم:
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
 
فهذا لقاء طيب في ليلة مباركة، وفي بيت من بيوت الله تعالى، ونسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجعل هذا اللقاء بداية للقاءات متجددة متكررة، مع والدنا وشيخنا محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله تعالى- وإننا لنعتبر هذا اللقاء فتحاً مبيناً بإذن الله؛ لأن الناس استبشروا خيراً بأن يكون لقاء يجلسون فيه مع فضيلة الشيخ، يدلون إليه بأسئلتهم ومشاكلهم عبر هذا اللقاء.
 
ولعل أدل دليل على ذلك هذا الجمع المبارك -ولله الحمد-، فنسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجزي شيخنا عنا خير الجزاء، ولعل للشيخ تعقيباً أو كلمة تقديمية يريد أن يتحفنا بها في بداية هذا اللقاء ريثما تجتمع لدينا أسئلتكم المباركة، وإني أطرح تساؤلاً لفضيلة الشيخ قبل أن نبدأ اللقاء والإجابة على الأسئلة، وأريده أن يجعل لنا فيه بياناً شافياً ألا وهو:
 
إن الأسئلة التي ترد علينا كثيرة، واللقاء قد لا يكفي لعرضها، فأريد من الشيخ أن يجعل لنا حلاً لهذه الأسئلة، كيف يكون ترتيبها؟ وهل لنا حق الاختيار في تقديم ما نراه أولى؟ وهل إذا سئلنا بالله؛ لأن بعض الإخوة يقول: سألتك بالله إلا عرضت هذا السؤال، وقد يكون السؤال متكرراً أو غيره أولى منه، هل هذا ملزمٌ لنا أو لا؟ هذه تساؤلات أطرحها بين يدي شيخي فليتفضل جزاه الله خيراً على ما بذل.
 
الشيخ:
 
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وإمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، الذي بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
 
فإنني أشكر الله -عز وجل- على تيسير هذا اللقاء المبارك الذي تم باقتراح من مكتب الدعوة في عنيزة، وأسأل الله تعالى الذي منَّ بتيسيره وتسهيله أن يجعله نافعاً لنا ولمن يستمع إليه.
 
إن لقاءنا هذه الليلة -ليلة الأحد الرابع والعشرين من شهر شوال عام اثني عشر وأربعمائة وألف- هو أول لقاء كان استجابة لهذا الاقتراح، وكان المقرر أن يكون في الأحد الثالث من كل شهر، ولكنه تأخر هذا الشهر إلى الأحد الرابع بمناسبة صيام الناس أو أكثر الناس للأيام الست بعد رمضان، وسنعود -إن شاء الله- في الشهر القادم إلى الموعد الأول؛ أي: يكون هذا اللقاء في الأحد الثالث من كل شهر.
 
أما ما تساءل عنه أخونا الشيخ: حمود بن عبد العزيز الصايغ بالنسبة للأسئلة التي قد تكون كثيرة، ولا يتسع المقام لعرضها، فإني أرى أن يقدم الأهم فالأهم؛ لأن هذه هي القاعدة الشرعية فيما إذا تزاحمت الأشياء، وقد يقال: إنه ينبغي أن يقدم الأول فالأول، لكن ضبط هذا يعسر ويصعب.
 
وأما سؤاله الثاني: وهو ماذا نصنع لو قدم السائل بين يدي سؤاله: أسألك بالله أن تعرض هذا السؤال؟
 
فأقول: أولاً: لا ينبغي للسائل أن يقدم مثل هذا لما فيه من الإحراج؛ لأنه قد يحرج مقدم الأسئلة إذا سأله بهذا الأسلوب، ومع ذلك فأرى أن المصلحة مقدمة، وأن هذا السؤال إذا لم يكن هناك مجال لعرضه في هذا اللقاء فإنه يبقى ليعرض في اللقاء الآخر، ويكون قد أجيب هذا السائل حيث عُرض سؤاله، ولكني أقول: أرجو من الإخوة ألا يصدروا أسئلتهم بقولهم: (أسألك بالله) بل يكتب: سؤال من شخص، فإذا يسر الله تعالى أن يُقرأ فإنه يُقرأ. 
 
الآن نبدأ هذا اللقاء بكلام يسير عن وقفات في الصلاة:
 
الصلاة التي هي عمود الإسلام، وأعظم أركانه بعد الشهادتين، لا بد أن يكون لها شأن عظيم، حيث نالت هذه المرتبة، ولنقف وقفات مع هذه الصلاة. فالصلاة لها مقدمات من أهمها:
 
الطهارة؛ فإنها مفتاح الصلاة، فالطهارة من الحدث الأصغر والأكبر، والطهارة من النجاسة في البدن والثوب والبقعة، وهذا يدل على أنها ذات شأن؛ لأنه لا يوجد شيء في العبادات اتفق العلماء على اشتراط الطهارة له إلا الصلاة، فالطواف مختلف فيه، هل يشترط له الطهارة أو لا؟ ومس المصحف مختلف فيه، هل تشترط له الطهارة أو لا؟ ولم يجمع العلماء على شيء من العبادات تشترط له الطهارة إلا الصلاة، فهي ذات شأن، لا يدخلها الإنسان إلا وقد طهَّر ظاهره وباطنه، فيقف بين يدي الله -عز وجل-، ويكبر تكبيرة الإحرام.
 
قال بعض العلماء: والحكمة من ذلك بعد كونها اتباعاً لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنها إشارة إلى رفع الحجاب بين المصلي وبين ربه، ثم بعد ذلك يضع يده اليمنى على اليسرى مطأطئاً رأسه، خاضعاً لله -عز وجل- بعد أن يكبر فيقول: الله أكبر، فأنت ترى نفسك -الآن- واقفاً بين يدي الله، بين يدي ملك الملوك، الذي يعلم ما توسوس به نفسك، ويعلم أحوالك كلها، فلتتأمل من وقفت بين يديه، لو وقفت بين يدي ملك من ملوك الدنيا لوجدت نفسك صامتاً لا تتكلم، ولا ترفع الطرف إليه؛ تعظيماً له، فكيف وأنت بين يدي الله -عز وجل-، فاستحضر عظمة من أنت واقف بين يديه تناجيه بكلامه، فأنت تقول: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الفاتحة:2] فيجيبك الله -عز وجل- من فوق سبع سماوات ويقول:((حمدني عبدي)) فإذا قلت: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ[الفاتحة:3] قال الله: «أثنى علي عبدي» فإذا قلت: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4] قال الله: «مجدني عبدي» فإذا قلت: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ[الفاتحة:5] قال الله: «هذا بيني وبين عبدي نصفين» فإذا قلت: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ۞ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ[الفاتحة:6-7] قال الله: «هذا لعبدي؛ ولعبدي ما سأل».
 
تأمل هذه المحاورة والمناجاة بينك وبين الله -عز وجل-، ولهذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يقف في سورة الفاتحة عند كل آية، يتأمل ويتدبر، ثم بعد القراءة -قراءة الفاتحة وقراءة ما تيسر من القرآن- تحني ظهرك تعظيماً لله راكعاً، ولهذا قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «أما الركوع فعظموا فيه الرب» فتكون معظماً لله -عز وجل- بهيئتك وفعلك وقولك، بهيئتك لأن هيئة الركوع تعظيم، وفعلك لأن الركوع والانحناء فعل، وقولك لأنك تقول في الركوع: سبحان ربي العظيم، ثم تعود مرة ثانية إلى الوقوف بين يدي الله -عز وجل- حامداً له بمحامده التي جاءت عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ثم بعد هذا تخر ساجداً واضعاً أعلى ما في بدنك، وأشرف ما في بدنك، واضعاً إياه في محل أقدامك؛ ولهذا ترى الساجد يضع جبهته عند السجود ويقول: (سبحان ربي الأعلى) لا يقول: سبحان ربي الأعز، يقول: سبحان ربي الأعلى؛ لأن أعلى ما فيك صار محاذياً لأسفل ما فيك.
 
ما هو أسفل ما فيك؟ الأقدام، وأعلى ما فيك؟ الجبهة، فصار أعلى ما فيك محاذياً لأسفل ما فيك، وهذا لا شك أنه ليس كالعلو؛ فلهذا تقول: (سبحان ربي الأعلى) الذي هو منزه عن السفل، فتجد أن هذا الذكر مناسب تماماً للسجود، ثم تعود لتجلس بين السجدتين داعياً الله -عز وجل- بما جاء عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- ثم تعود مرة ثانية إلى السجود، وهكذا نجد أن الإنسان في صلاته يتنفل بين روضات العبودية، من قيام إلى ركوع إلى سجود، ومن قرآن إلى ذكر وتعظيم، ومن ذلك إلى دعاء الله -عز وجل-، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعاً أو ساجداً، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمنٌ أن يستجاب لكم».
 
إنني أحث نفسي وإياكم على تأمل هذه الأشياء وهذه الأفعال وهذه الأقوال حتى تكون صلاتنا صلة بيننا وبين الله -عز وجل-، وحتى لا تكون وكأنها عادة نقوم بها في أوقاتها المحددة.
 
أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الخاشعين في صلاتهم، المداومين عليها، المحافظين عليها.
 
وإلى الأسئلة التي جمعها الإخوة نسأل الله أن يوفقنا فيها للصواب.