تفسير سورة الشورى - 11
مدة الملف
حجم الملف :
77807 KB
عدد الزيارات 1837

عناصر المادة :
تفسير الآيتين (44-45)
تفسير الآية (46)
تفسير الآية (47)
تفسير الآية (48)
تفسير الآيتين (49-50)

تفسير الآيتين (44-45)
00:00:01

ثم قال الله تعالى: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ [الشورى: ٤٤] (من) هذه شرطية، وهي للعموم، يعني أي أحد يقدر الله تعالى أن يضل فإنه لا يمكن أن يتولاه أحد بعد الله. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن يهديه أحد، كما قال تعالى في آية أخرى: فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية: ٢٣]، فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِيقول المفسر: (أي: أحد يلي هدايته بعد إضلال الله إياه) وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ)، (ترى) بصرية، و(الظالمين) مفعول به، و(يقولون) جملة حالية، ولَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَو(لما) هذه أيش هي؟ جازمة؟ بمعنى حين، تَرَى الظَّالِمِينَوالمراد بالظالمين هنا الكافرون؛ كما قال الله عز وجل: وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ [البقرة: ٢٥٤].
لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَأي حين رأوا العذاب بأعينهم يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، (هل) استفهام للتمني، يعني يتمنون أن يكون لهم سبيل إلى الرد.
وقوله: إِلَى مَرَدٍّأي: إلى مرجع، والمراد مرجع للدنيا ليعملوا صالحًا، ولكن هذا التمني باء بالفشل؛ لأن ذلك أمر غير ممكن، بل قد قال الله عز وجل: وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨]، فهم يتمنون هذا، ويدعون أنهم إذا رجعوا صلحوا، ولكن الأمر ليس بذلك، هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍقال: أي من طريق، والجواب: لا سبيل، وكما سمعتم لَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ [الأنعام: ٢٨] كما أنهم إذا غشيهم موج كالظلل في البحار ودعوا الله مخلصين له الدين إذا نجوا عادوا إلى الشرك.
قال: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا [الشورى: ٤٥] غدوًّا وعشيًّا، كلمة (ترى) هنا والتي قبلها هل المراد بها الرسول صلى الله عليه وسلم وحده، أو ترى أيها المخاطب؟
الثاني؛ لأننا إذا قلنا بالثاني صار أعم مما إذا قلنا بالأول، وَتَرَاهُمْأيها الرائي يُعْرَضُونَ عَلَيْهَاغدوًّا وعشيًّا.
(وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَاأي: على النار خَاشِعِينَخائفين متواضعين مِنَ الذُّلِّ)، (من) للسببية، أي: بسبب ذلهم، هؤلاء الذين كانوا في الدنيا مستكبرين متعنجهين لا يرون الناس شيئًا ولا يقبلون الحق، يعرضون على النار على هذا الوصف، خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّيعني قد امتلأت قلوبهم ذلًّا، (يَنْظُرُونَإليها مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّضعيف النظر مسارقة) يعني ينظرون إلى النار والعياذ بالله مِنْ طَرْفٍأي من بصر خَفِيٍّأي ضعيف، يسارقون النظر، كالإنسان الذي هو خائف من شيء؛ تجده ينظر إليه نظرًا ضعيفًا، ثم يصرف النظر على طول، وذلك لشدة ذلهم، أعاذنا الله وإياكم من حالهم، (ومن ابتدائية أو بمعنى الباء)، (من) في قوله: مِنْ طَرْفٍابتدائية أو بمعنى الباء، أي: ينظرون بطرف خفي، وإذا دار الأمر بين أن تكون ابتدائية على بابها أو بمعنى الباء فالأولى أن تجعل على بابها، يعني يبتدئ نظرهم من الطرف الخفي مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ.
وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُواقالوا: مثنين على الله عز وجل، متحدثين بنعمه، قال: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِإن تحتاج إلى اسم وخبر، اسمها الْخَاسِرِينَ، خبرها الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أي: فقدوها، فقدوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدَّة لهم في الجنة)، الخاسرون حقيقة ليسوا الذين فقدوا المال ولا الذين فقدوا الأهل في الدنيا، الخاسرون حقيقة هم الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ، أما خسران أهليهم فظاهر؛ لأنه لا يجمع بينهم وبين أهليهم في النار، بخلاف أهل الجنة؛ فإن أهل الجنة يقول الله فيهم: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور: ٢١]، يعني حتى لو كانت الذرية نازلة المرتبة فإن الله يرفعهم إلى آبائهم، هؤلاء والعياذ بالله يفرق بينهم وبين أهليهم في النار، حتى لو جمع بينهم فماذا يكون؟ فخسرانهم أهليهم واضح، لكن كيف خسروا أنفسهم؟ خسروا أنفسهم لأنهم لم يستفيدوا من الحياة الدنيا شيئًا، حياتهم خسارة لأنهم لم يستفيدوا منها شيئًا، فلم يؤمنوا بالله ورسله.
وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (بتخليدهم في النار وعدم وصولهم إلى الحور المعدة لهم في الجنة لو آمنوا) في هذا نظر ظاهر، والمراد بأهليهم أهلوهم في الدنيا، وليس المراد (الحور المعدة لهم في الآخرة لو آمنوا)؛ لأن هذا قد عُلم من قبل، فإنه يقال للميت إذا دُفن في قبره: هذا مقعدك من الجنة، يعني لو آمنت، ويقال للمؤمن: هذا مقعدك من النار ، يعني لو لم تؤمن، فالمراد بالأهلين هنا أهلوهم في الدنيا لم يربحوا.
وقول المؤلف رحمه الله: (والموصول خبر إن)، أين الموصول؟ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْهذا هو الموصول، ونبه على ذلك لئلا يظن الظان أن الَّذِينَ خَسِرُواصفة للخاسرين.
قال الله تعالى: أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَيقول المفسر: (الكافرين فِي عَذَابٍ مُقِيمٍدائم، وهو من مقول الله تبارك وتعالى)، يعني ليس من مقول الذين آمنوا، اتل الآية: وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍلو نظرنا إلى السياق لقلنا: إن هذا بقية كلام المؤمنين، لكن المؤلف نبه على أن هذا من كلام الله وليس من كلام الذين آمنوا، والسياق محتمِل لهذا وهذا، محتمل أن يكون كما قال المفسر من كلام الله، ومحتمل أن يكون من كلام الذين آمنوا، والذين آمنوا يعلمون أن الظالمين في عذاب مقيم من الوقت الذي هم فيه في الدنيا؛ لأنهم قرءوا كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقوله: أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَالجملة مؤكدة بمؤكدين:
الأول: أَلَالأن أَلَاهنا للتنبيه، والتنبيه يقتضي التوكيد، والمؤكد الثاني: إِنَّ الظَّالِمِينَ، إِنَّلأن (إن) حرف توكيد، فِي عَذَابٍ مُقِيمٍأي: دائم والعياذ بالله.
في هذه الآيات فوائد:
منها: أن من أضله الله فلا أحد يهديه مهما كانت منزلة هذا الذي حاول أن يهديه؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ. ويشهد لهذا الحكم العظيم المخوف ما جرى للنبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب، أبو طالب شقيق أبي الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان ينصر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويحوطه ويدافع عنه، ولما حضرته الوفاة كان عنده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ورجلان من قريش، فكان يعرض عليه الإسلام يقول: «يَا عَمِّ، قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ»، فقال له الرجلان: أترغب عن ملة عبد المطلب -وهي ملة الكفر والشرك- فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب . نسأل الله العافية والسلامة، مع محبته للرسول صلى الله عليه وسلم وشهادته له بالرسالة، لكنه لم يذعن ولم يقبل، فكان آخر حياته أن قال: على ملة عبد المطلب. ومات على الشرك؛ أذن الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفع له في تخفيف العذاب عنه فشفع له، فكان في ضحضاح من نار، وعليه نعلان من نار يغلي منهما دماغه والعياذ بالله، دماغه أعلى شيء في بدنه، والنعلان في أسفل شيء، وإذا كان الأعلى يغلي فما دونه أشد وأشد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ» ، لولا أنا شفعت أو لولا أنا في رسالتي التي كان يدافع عنها أبو طالب؟ الظاهر أنه للأمرين جميعًا؛ لأن الله شكر له، بل لأن الله تعالى أذن لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يشفع فيه لما قدمه للإسلام من نصر.
ويؤخَذ منه أن من نصر الإسلام ولو من الكافرين فله فضل؛ لأن الإسلام دين العدل، يعطي كل ذي حق حقه، فمثلًا إذا أعان الكفار المسلمين إعانة صادقة نعلم أنه ليس لهم طمع في ذلك، وانتفع المسلمون بهذا النصر، فإنه يجب أن نعترف بفضلهم في هذا الباب، لماذا؟ لأنهم صنعوا إلينا معروفًا، ولأن الدين الإسلامي دين العدل، لا يظلم أحدًا حقه. وأما قول بعض الناس: لن نعترف لهم بالفضل لأنهم كفار، فكفرهم بينهم وبين الله، وتفضلهم علينا حق يجب أن نعترف به.
أضرب مثلًا لذلك في قضية كوسوفا، قضية كوسوفا حصل فيها ما سمعه كثير منكم، ومن الذي انتصر لهم؟ الكفار انتصروا لهم، الحلف الأطلسي وضع كل ما يملك من معدات يمكنه أن يقاتل بها ودافع عنهم، ولم نسمع أحدًا من المسلمين أرسل طائرة أو قذيفة، ولعل لها عذرًا وأنت تلوم، لكن كوننا نجحد هذا الفضل غلط، نقول: هؤلاء لهم فضل وكفرهم بينهم وبين الله، ونحن لا نحبهم على كفرهم أبدًا، بل نشكر لهم الفضل وإن كنا نكرههم غاية الكراهة لأنهم أعداء الله ورسوله، هذا إذا علمنا أن النية صادقة، أما إذا علمنا أنه مكر وخديعة علمًا يقينيًّا فهنا نذمهم على ما فعلوا ولا نمدحهم ولا نعترف لهم بفضل؛ لأن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا.
أرجع إلى الفوائد، يقول:
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من هداه الله فقد تولاه؛ لأنه لما نفى الولاية عن الظالمين فإنها تثبت للمؤمنين، وبذلك جاء التصريح في قوله تعالى: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: ٢٥٧].
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للإنسان أن يلح على الله دائمًا أن يهديه من الضلال؛ لأنه إذا كان المرجع في الإضلال إلى الله، فإلى من نلتجئ؟ إلى من؟ إلى الله عز وجل، ما دام الإضلال والهداية بيد الله فلنرجع إليه.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحسر وذل الظالمين إذا رأوا العذاب؛ لقوله: وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ، تحسرهم بقولهم: هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍلأن هذا تمنٍّ.
ومن فوائد الآية الكريمة التي بعدها: أن هؤلاء الظالمين يعرَضون على النار على أكمل ذل وأخزى حال خَاشِعِينَأي: ذليلين خائفين من الذل.
ومن فوائد هذه الآية: أن المستكبرين على الحق المعاندين يجازَون بعقاب يناسب معصيتهم، وجه ذلك؟
طالب: الله سبحانه وتعالى عندما استكبروا على الحق جعلهم أذلاء أمام النار.
الشيخ: وجه ذلك: أنهم يعرضون على النار خاشعين ذليلين، ومعلوم أن العقوبة بالذل مناسبة للمعصية بالاستكبار.
ومن فوائد هذه الآية: أن الظالمين يلحقهم الذل ظاهرًا وباطنًا، الباطن في قوله: خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّوالظاهر في قوله: يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ.
ومن فوائد الآية الكريمة: تحدث الذين آمنوا بنعم الله عز وجل؛ لقوله: وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَفكأنهم يثنون على الله عز وجل بكونهم ربحوا دنياهم وأخراهم.
ومن فوائد الآية: أن العاصي قد خسر نفسه، وعلى حسب معصيته تكون الخسارة؛ لأنه لم يستفد من وجوده في الدنيا شيئًا.
ويتفرع على هذا أنه ينبغي للإنسان أن يحاسب نفسه وينظر ماذا صنع، فإن رأى أنه قد ملأ زمانه من الخير المقصود والوسيلة فليحمد الله، وإن رأى أنه أضاعه فليستعتب. يؤخذ من قوله: إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ.
ولنضرب لهذا مثلًا: رجل قام يصلي ويقرأ القرآن لمدة ساعة، وآخر يلعب هذه المدة، من الرابح؟ الأول هو الرابح؛ لأنه ملأ هذا الفراغ عبادة، والثاني خاسر ضائع، حتى إن بعض أهل العلم قال: إنه يحرم عليه ألا يشغل الزمن بالطاعة؛ لأنه كالذي عنده مال فلم ينفقه في سبيل الله، لكن الصحيح أنه إذا لم يعمره بالمعصية فلا له ولا عليه، إلا أنه يُعتبر خاسرًا بالنسبة لمن شغله بطاعة الله، وأنت فكر في هذا عندما تقوم تصلي، قل لنفسك: إن عمرك هو هذا الزمن الذي أمضيته في طاعة الله، عوِّد نفسك على هذا من أجل أن تحرص على أن تعمر زمنك بطاعة الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الكافرين دائم؛ لقوله: أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ.
ومن فوائدها: تأكيد هذه العقوبة؛ لئلا يقول قائل: إن العذاب قد ينقطع.
قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ(من) شرطية، والفعل مجزوم بها، مجزوم بأيش؟
طالب: بـ(من).
الشيخ: نعم، فعل الشرط.
الطالب: فعل الشرط، وعلامة جزمه السكون، وحرك (...) لالتقاء الساكنين.
الشيخ: علامة جزمه السكون، وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
طالب: (...).
الشيخ: (...) طيب لماذا اقترن الجواب بالفاء؟ لأنه أيش؟
طالب: مقترن بـ(ما).
الشيخ: أحسنت، مقترن بـ(ما)، أخبر الله؟
طالب: أخبر الله عز وجل أن الكفار يُدَعُّونَ [الطور: ١٣] يعني يُقذفون فيها.
الشيخ: يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ [الطور: ١٣]
الطالب: يقذفون فيها دعا، كيف نجمع بين: وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَاالعرض هذا أيش؟
الشيخ: يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها.
الطالب: يعني على الصراط ولَّا كيف؟
الشيخ: الله أعلم، يُعرَضون عليها قبل أن يدخلوها، والكفار لا يحاولون الصعود على الصراط؛ لأنهم يُصرَفون إلى جهنم في عرَصات القيامة.
تفسير الآية (46)
00:21:39

ثم قال الله تعالى: وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ [الشورى: ٤٦] (أي: غيره يدفع عقابه عنهم) وَمَا كَانَ لَهُمْأي: للظالمين مِنْ أَوْلِيَاءَ، (من) زائدة إعرابًا، وهي للتوكيد، أَوْلِيَاءَ يَنْصُرُونَهُمْيعني ليس لهم من يتولاهم وينصرهم من دون الله، أي: من عذابه، و(دون) هنا بمعنى (غير) كما فسرها المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يدفع عذاب الله عمن أراد الله أن يعذبه أبدًا، ولا ينصروه منه، في الدنيا لو أراد ظالم أن يظلم أحدًا أمكن أن يدفعه، لكن عقوبة الله لا يمكن أحدًا أن يدفعها.
قال: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ، مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُجملة شرطية، وهي كما سبق جوابها مقرون بالفاء؛ لأنه اتصل به (ما)، فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍأي (طريق إلى الحق في الدنيا وإلى الجنة في الآخرة)، بل يكون أعمى والعياذ بالله، ليس له سبيل إلى الحق، ولذلك تجد الذين قضى الله بإضلالهم يقدم لهم الحق كالمشمس في رابعة النهار ولكن لا يفهمونه، قد حيل بينهم وبينه، واسمع إلى قول الله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ [المطففين: ١٣]، قال الله عز وجل: كَلَّايعني ليست أساطير الأولين بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]، الذنوب جعلته يرى الحق باطلًا ويرى الباطل حقًّا، تُتلَى عليه آيات الله كالقرآن أو التوراة حين لم تنسخ، ولكنه يقول: هذه أساطير الأولين، قد حيل بينه وبين فهمها، ولذلك كلما رأيت قلبك مطمئنًّا بالقرآن محبًّا له متدبرًا له فاعلم أنه نُقي من الذنوب، وكلما وجدت الأمر بالعكس فطهر القلب.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الظالمين لا أحد ينصرهم من دون الله؛ لأنهم استحقوا العذاب، ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع.
ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الإضلال بيد الله، وأن من أضله الله لا يمكن أن يرجع للحق؛ لقوله: وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ سَبِيلٍ [الشورى: ٤٦].
ومنها: أنه يجب على المرء أن يلجأ إلى الله دائمًا ويسأل الله الهداية، وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن يهديه، أول ما يدعو في صلاة الليل يدعو بالاستفتاح المشهور: «اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» شوف يقول: «اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ» فكيف بنا.
فالمهم أنه يؤخذ من الآية أن يرجع الإنسان في طلب الهداية إلى الله تعالى وحده وأن يعيذه من الضلال.
طالب: (...) نذكر بعض الآيات إذا جاءت صفة كاشفة نقول: تفيد التعليل (...)؟
الشيخ: الصفة الكاشفة هذه معناها أنها كالتعليل لما سبق، وأيضا ليس لها مفهوم، وهذا هو المهم.
طالب: الاعتراف بالفضل للكفار في بعض الجوانب، المستشرقون ما فعلوه من بعض الأشياء من (...) وإن كانت (...).
الشيخ: لا، المستشرقون ترى ما هم بيعملون (...) المستشرق يجوب الأرض لينظر ويفكر ويقدر فنيته سيئة، أما نعم العمال فنعم، هم يطلبون المال بأي وسيلة.
طالب: (...) الآية ما.
الشيخ: كيف؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا، إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [النساء: ١٤٥] لا تدل على أن غيرهم لا يكون فيها، كما لو قلت مثلًا: فلان في بيت فلان، هل ينافي أن يكون أحد في هذا البيت؟ لا، ما ينافي.
طالب: أحسن الله إليك، قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَوْلَا أَنَا» ، والنهي الوارد في (لو)؟
الشيخ: النهي الوارد في (لو) فين؟
الطالب: إي نعم، لما يقول الإنسان: لو، إن (لو) من عمل الشيطان.
الشيخ: هذه (لولا) (...).
الطالب: هل يجوز للإنسان أن يقول: لولا أنا.
الشيخ: (...) أن تقول: ما الجمع بين هذا الحديث وبين النهي عن (لو)، اسحب السؤال، ويجيء إن شاء الله الجواب.
الطالب: سحبناه.
الشيخ: سحبته؟ أقول: نسبة الشيء إلى سببه إذا كان سببًا صحيحًا لا بأس بها، فمثلًا لو أن رجلًا سقط في البحر فقام آخر فأنقذه يجوز أن يقول: لولا فلان لغرقت؛ لأنه نسبه إلى سبب معلوم، لكن لو قال: لولا فلان وهو مدفون في قبره، هل هذا سبب معلوم؟ إنسان غرق في الماء وقال: والله لولا الولي فلان سيدي لغرقت، يصح أو لا يصح؟ لا يصح، شرك. المهم خذ قاعدة: نسبة الشيء إلى سببه المعلوم يجوز، لكن لا يقرن مع الله بالواو، فإن قرن مع الله بالواو صار حرامًا، مثل أن يقول: لولا الله وفلان لغرقت، هذا ما يجوز، فنذكر لك الصور، إذا قال: لولا الله قيض لي فلانًا لغرقت، ما تقول؟
الطالب: هذا يصح.
الشيخ: هذا يصح، وهو أعلى الأنواع؛ لأنه ذكر المسبب والسبب، إذا قال: لولا فلان لغرقت، هذا جائز؛ لأنه أضافه إلى سبب معلوم صحيح، إذا قال: لولا الله وفلان لغرقت، هذا لا يجوز؛ لأنه شرك بين الله وغيره بحرف يقتضي التسوية، إذا قال: لولا الله ثم فلان لغرقت يجوز ولَّا ما يجوز؟ يجوز، الصور كم؟ أربعة، إذا قال: لولا الله ففلان لغرقت، ففلان مثل الواو، ويش تقولون يا جماعة؟ هل الفاء مثل الواو؟ الفاء تقتضي الترتيب لكنها في الواقع في منزلة بين منزلتين، ليست كـ(ثم)؛ لأن (ثم) تدل على الترتيب والتراخي، وليست كالواو؛ لأن الواو تقتضي التسوية، فهي في منزلة بين المنزلتين، فهل نقول: إنها كـ(ثم)؛ لأنها دالة على الترتيب، أو إنها كالواو؛ لأن ترتيبها يقتضي التعقيب؟ الأول هو الصواب، يعني لولا الله ففلان، لأنك جعلت فلانًا بعد الله عز وجل، وكونه متراخيًا أو متعاقبًا هذا شيء آخر، بارك الله فيك.
الطالب: شيخ، يعني يشكل علينا يا شيخ في هذه المسألة ما نُقل عن ابن عباس أنه كان يقول: قول القائل: لولا الربان لغرقت السفينة، كان يعد هذا من الشرك الأصغر، فما وجهه يا شيخ؟
الشيخ: وجهه أمران: أولًا: الحديث رواه ابن أبي حاتم فيحتاج إلى تصحيح، ثانيًا: أن ابن عباس رضي الله عنهما لعله في وقت الناس قريبون من الشرك، فأراد أن يشدد في هذا الأمر حتى ينتهي الناس عنه؛ لأن قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْلَا أَنَا» واضح أنه أضاف الشيء إلى سببه دون أن يقرنه بمشيئة الله (...).

***

تفسير الآية (47)
00:31:50

قال الله تبارك وتعالى: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ [الشورى: ٤٧] استجاب بمعنى أجاب، ولهذا قال المفسر: (أجيبوه بالتوحيد والعبادة) بالتوحيد ضد الشرك، والعبادة ضد الاستكبار، وهذا واجب على كل مسلم أن يجيب الله تبارك وتعالى بالإيمان به وتوحيده وطاعته. (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌهو يوم القيامة لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِأي أنه إذا أتى به لا يرد). لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِأي: لا أحد يرده ويمنعه، وقيل: لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ، أي أن الله سبحانه وتعالى لا يرده إذا أتى به، وكلا المعنيين صحيح، فالله تبارك وتعالى إذا أتى به فقد قضى به، فلا يمكن أن يرده، وكذلك لا يمكن لأحد أن يرده من دون الله، لا أحد يمنعه من الله عز وجل، ولذلك لو أن أحدًا حاول أن يرد يوم القيامة لم يتمكن.
(لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍتلجؤون إليه يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍإنكار لذنوبكم) مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍهذه جملة مبتدأ وخبر، قُدم فيها الخبر على المبتدأ، وأُدخلت (من) الزائدة على المبتدأ من باب التوكيد، يعني: ما لكم أي ملجأ من دون الله عز وجل، والملجأ بمعنى المعاد أو الملاذ الذي يلوذ به الإنسان عما نزل به.
وقوله: يَوْمَئِذٍأي: يومئذ يأتي ذلك اليوم وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍقال: (إنكار لذنوبكم)، فكأنه فسر النكير بمصدر وهو الإنكار، فإن صح ما فسره به: مَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍفإنه يشكل على هذا قول الله تبارك وتعالى: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣]، وهذا إنكار، فعلى تفسير المؤلف: ما لكم من إنكار لذنوبكم، يحتاج أن نجمع بينه وبين هذه الآية، والجواب أن نقول: الجمع بينهما أنهم ينكرون، أولًا يقولون: وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [الأنعام: ٢٣] ظنًّا منهم أنهم إذا فعلوا ذلك نجوا كما نجا أهل التوحيد، ثم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يكسبون، وحينئذٍ يعترفون ويقرون؛ فيكون الإنكار أولًا ثم الإقرار ثانيًا، وتكون الآية: مَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [الشورى: ٤٧] أي: باعتبار المآل، أي: لا يمكنكم أن تنكروا.
وقيل: إن نكيرًا بمعنى منكر؛ كسميع بمعنى مسمع، والمعنى لا أحد ينكر ما نزل بكم ويدفعه عنكم. وهذا المعنى أصح وأنسب لسياق الآية، ما لكم من ملجأ وما لكم من منكر، يعني لا ملجأ تلجئون إليه، ولا أحد يدافع عنكم وينكر ما نزل بكم.
مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ [الشورى: ٤٧].
في هذه الآية فوائد:
منها: وجوب الاستجابة إلى الله تعالى فورًا؛ لقوله: اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهذا اليوم الذي هدد الله به هل له وقت محدد في عمر الإنسان، بحيث يستطيع أن يؤخر التوبة والاستعتاب؟
الجواب: لا؛ لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت، وإذا فاجأه الموت انقطع كل عمل؛ كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ» ، فلا فرق بين قيام الساعة الكبرى وبين موت الإنسان من حيث انقطاع العمل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: رأفة الله تبارك وتعالى بعباده، حيث ينذرهم بعذابه قبل الوقوع، ولا شك أن هذا من رحمته ورأفته بهم، وإلا لتركهم يفعلون ما يشاءون حتى ينزل بهم العذاب.
ومن فوائد هذه الآية: أنه لا ملجأ يوم القيامة من الله عز وجل، في الدنيا يمكن أن يلوذ الإنسان بذي سلطة يستجير به لكن في الآخرة لا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا أحد ينكر ما نزل بأهل العذاب من العذاب؛ لقوله:
طالب: (...).
الشيخ: لا، لا أحد ينكر ما نزل بهم من العذاب.
طالب: مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ.
الشيخ: نعم.

***

تفسير الآية (48)
00:37:16

ثم قال عز وجل مسليًا النبي صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ أَعْرَضُوا [الشورى: ٤٨] عن الاستجابة) ولم يستجيبوا فلا لوم عليك (فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاتحفظ أعمالهم بأن توافق المطلوب منهم) الجواب، جواب الشرط فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًاالمعنى: إن أعرضوا فلا لوم عليك؛ لأنك لم ترسل عليهم حفيظًا على أعمالهم ولا مسيطرًا عليهم، إنما أرسلت للإبلاغ وقد حصل. فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ(ما)، كيف إِنْما؟ أراد أن يفسر إِنْبمعنى (ما)، و(إن) تأتي نافية كما هنا، وتأتي زائدة، وتأتي شرطية، وتأتي مخففة من الثقيلة.
فهنا جاءت نافية، والغالب أنها تكون نافية إذا أتى بعدها إثبات، مثل: إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ [فاطر: ٢٣]، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ [الأعراف: ١٨٨] وما أشبه ذلك، هذه تكون نافية بمعنى (ما).
تأتي شرطية مثل: إِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة: ٢٨٤].
وتأتي زائدة؛ كما في قول الشاعر:
بَنُو غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ الْخَزَفُ

هذه (إن) زائدة؛ لأنها لو حذفت لاستقام الكلام، لو قيل: بنو غدانة ما أنتم ذهب استقام الكلام، فهي زائدة.
وتأتي مخففة من الثقيلة بمعنى أن تكون هي بمعنى (إن) ولكن خففت، وفي هذه الحال يكون اسمها ضمير الشأن محذوفا والجملة التي بعدها تكون خبرًا، هذه أربعة معان لـ(إن).
إِنْ(ما) أي: بمعنى (ما) عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ، يعني ما عليك إلا البلاغ، وقد بلغ أو لا؟ بلغ البلاغ المبين، وتعب في ذلك تعبًا عظيمًا، وأُوذي في ذلك أذًى عظيمًا، ومع ذلك فهو صابر محتسب؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم أن ما أصابه في ذات الله فهو خير ورفعة، جاهد في الله حق جهاده وبلغ الرسالة غاية البلاغ وأوذي على ذلك، ولكنه صبر، وكان يقول:
«هَلْ أَنْتِ إِلَّا إِصْبَعٌ دَمِيتِ وَفِي سَبِــــيلِ اللهِ مَا لَقِيتِ»

قال المفسر: (وهذا قبل الأمر بالجهاد) إذن فالآية على كلام المؤلف منسوخة، والمؤلف ونحوه دائمًا إذا أتى مثل هذه الآية يقول: هذه منسوخة، وهذا غلط؛ لأن النسخ ليس بالأمر الهين، ادعاء النسخ يعني أن المنسوخ باطل حكمًا زائل، وهذا صعب أن ترفع حكم آية أو حديث لمجرد وهم توهمته. لذلك لا يجوز للإنسان أن يسلك هذا المسلك المشين، أنه إذا عجز عن الجمع بين الآيات ذهب يقول: إنها منسوخة، النسخ يحتاج إلى العلم بتأخر الناسخ، ويحتاج أيضًا إلى تعذر إمكان الجمع، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، هل قوله: إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُهل هو منسوخ؟ أبدًا، إلى آخر رمق من حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عليه البلاغ، فلم ينسخ، والبلاغ لا ينافي أن يكون معه جهاد، ولكن من حكمة الله عز وجل أن الله لم يفرض الجهاد إلا حين قويت الأمة الإسلامية، لم يفرض الجهاد في مكة، وإنما فرضه في المدينة حين صار للأمة الإسلامية دولة مستقلة تستطيع أن تجاهد، فهذا من الحكمة، ويعبر عنه أنه من باب التدرج في التشريع، ومن باب الحكمة في التشريع.
إذن نقول: إن قول المؤلف عفا الله عنه وغفر له: (إن هذا قبل الأمر بالجهاد) خطأ عظيم، نقول: البلاغ واجب عليه حتى بعد الأمر بالجهاد، ولا يتنافيان، لا ينافي أن يكون عليه البلاغ وأن يكون مأمورًا بالجهاد.
إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً(نعمة كالغنى والصحة فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْالضمير للإنسان باعتبار الجنس سَيِّئَةٌبلاء بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْأي: قدموه، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاول بها فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌللنعمة).
وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَامعلوم أن الله تعالى واحد، فلماذا قال: إِنَّا؟ نقول: للتعظيم لإظهار العظمة والسلطة وقوة الملك، إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً [الشورى: ٤٨] يعني أوصلناها إليه حتى كأنها طعام ذاقه لا يشك فيه. وقوله: مِنَّالأن كل نعمة بنا فإنها من الله؛ كما قال الله عز وجل: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣].
مِنَّا رَحْمَةًيقول: (نعمة، كالغنى والصحة)، والمثال هنا لا يعني الحصر لكنه مثال، الغنى نعمة، الصحة نعمة، الأولاد نعمة، الأمن نعمة، نعم الله لا تحصى كما قال عز وجل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤]. إذن ما ذكره المؤلف على سبيل التمثيل، والتمثيل لا يعطي الحصر.
وقوله: فَرِحَ بِهَاالمراد بذلك فرح البطر والأشر، لا الفرح بالنعمة مع اعتقاد أنها من عند الله؛ فإن هذا مأمور به؛ أن يفرح الإنسان بنعم الله؛ وفي الحديث: «إِنَّ اللهَ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ نِعْمَةً يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ» . ومن آثار النعمة الفرح، الإنسان إذا رزقه الله مالًا فرح، إذا عافاه الله بعد المرض فرح، إذا تزوج فرح، إذا وُلد له فرح، ولكن الفرح نوعان: فرح أشر وبطر فهذا مذموم، وفرح بنعمة الله تعالى مع التزام شريعته فهذا ممدوح ولا بأس به.
ولا ينبغي أن يكون الإنسان كالحمار لا يفرح بنعمة ولا يتألم بنقمة، بل يجب أن يكون الإنسان إنسانًا منفعلًا مع الحوادث، يفرح في موضع الفرح ويغتم في موضع الاغتمام.
فَرِحَ بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌيقول المؤلف: (الضمير للإنسان باعتبار الجنس) أزال بذلك إشكالًا، وهو أن الآية: وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ، والإنسان واحد ولَّا جماعة؟
طالب: (...).
الشيخ: واحد، كيف يقول: وَإِنْ تُصِبْهُمْفيعيد الضمير عليه جمعًا؟
طالب: المراد بالإنسان الجنس.
الشيخ: نعم، أجاب عنه المؤلف بأن المراد بالإنسان الجنس، فيشمل كل إنسان، ويصح أن يقول: وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌضد رحمة، ولهذا فسرها المؤلف بالبلاء، بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْأي: بما قدموا من أيش؟ من المعاصي، وعبر بالأيدي لأن أكثر الأفعال تزاوَل بها، لو أنك فكرت أيما أكثر عملًا الأيدي أو الأرجل؟
طلبة: الأيدي.
الشيخ: تأملوا يا جماعة، طيب مشيك من بيتك إلى المسجد كم خطوة؟ كم حركة؟ طلبة: (...).
الشيخ: والرجل ما تتحرك؟ لو ما تحركت الرجل ما مشيت؟ فيقال: إن حركة الرجل في جنس واحد وهو المشي، لكن حركة اليد ما أكثر أنواعها فضلًا عن أفرادها، فالأعمال حقيقة إنما تزاول باليد؛ لأنها أكثر من أي عضو في البدن مزاولة للأعمال، حتى لو قال قائل: اللسان أكثر من اليد، من يحصي كلمات اللسان؟ نجيب عن هذا بما أجبنا عن المشي، بأنها من جنس واحد، لكن اليد تبطش، تضرب، تكتب، تمحو، يعني ما تحصى أنواعها، فلذلك عبر بالأيدي عن النفس.
ومن ذلك قوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا [يس: ٧١]، انتبه لهذا مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا، المراد؟ أجيبوا؟ المراد مما عملنا، لكن اللغة العربية واسعة تعبر بالأيدي عن النفس، ومن ثم نعلم أنه لا سواء بين خلق آدم بيد الله وبين عمل أيدي الله سبحانه وتعالى في الإبل ونحوها.
قال: فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌشوف أعاد الإفراد بعد أن جاء الجمع وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنْسَانَهذا ابتدأها بالمفرد فَإِنَّ الْإِنْسَانَختمها بالمفرد من أجل أن يشمل الإنسان مجتمعًا أو منفردًا، فهذه حالة، ولكن من المراد بالإنسان هنا؟ الظاهر والله أعلم أن المراد بذلك الكافر؛ لأنه هو الذي ينطبق عليه فرح البطر والأشر والكفر إذا أصيب بسوء.
في هذه الآية فوائد:
منها: تسلية النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما أعرضوا عن إجابته؛ لقوله: فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا.
ومن فوائد الآية: أنها تسلية للدعاة من بعد الرسول عليه الصلاة والسلام، أن الداعي عليه البلاغ، وليس عليه أن يهدي الناس ولا يمكنه ذلك، وإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بأنه رأى النبي وليس معه أحد فكيف نغضب إذا دعونا إلى الله ولم يستجب لنا أحد؟ إذا كان الأنبياء وهم الأنبياء لا يستجاب لهم كيف بنا نحن؟
ولهذا نرى بعض الدعاة إذا لم يجد مجيبًا استحسر وترك الدعوة، هذا غلط، لا يجوز أبدًا أن تيئس من رحمة الله، ادعُ ثم ادعُ ثم ادعُ حتى لو أُوذيت بدل أن يستجاب لك فلا تيئس.
إذن في هذه الآية تسلية لمن؟ للدعاة إلى الله عز وجل، كما أن فيها تسلية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فأنت إنما عليك البلاغ، وما أجلَّ أن تقوم بما عليك من البلاغ، أما أن الناس يهتدون فلا، هذه واحدة.
ثانيًا: بعض الناس يريد أن يهتدي الناس بين عشية وضحاها، وهذا غلط، هذا لا يمكن، خلاف سنة الله عز وجل، إن النبي صلى الله عليه وسلم بقي في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله، إلى التوحيد فقط، وفي الآخر إلى الصلاة، ومع ذلك لم يستجب أكثرهم، لم يستجب ملؤهم، حتى ألجئوه إلى أن يهاجر ويدع بلده، فكيف بك أنت تعيش في قوم أفسدهم الاستعمار العسكري والفكري والخلقي، تريد أن يهتدوا بين عشية وضحاها، من أنت حتى تريد خلاف سنة الله عز وجل؟ اصبر وبالتدريج، ولا حرج عليك فيما أرى أن تعامل الناس بالتدريج، لا حرج ما دام المقصود الإصلاح، فاصبر على بعض المعاصي ودرج الناس عليها، يعني مثلًا لو أن إنسانًا حذر الناس من شرب الدخان الذي ابتُلي به كثير من الناس، فقال له الشارب: أنا ما أستطيع، قال: ما فيه مانع، كل يوم اشرب عشرة لمدة أسبوع، ثم ثماني لمدة أسبوع، حتى يتقاصر إلى آخر النهاية، هل هذا جائز أو لا؟ هذا جائز؛ لأني الآن لم أقره على شرب الدخان، أقررته على بعض المفسدة من أجل أن أتوصل إلى زوال المفسدة نهائيًّا، وهذا من العلاج ومن الدعوة بالحكمة، وهذا كما أنه في الأمراض المعنوية الدينية فهو أيضًا في الأمراض البدنية، الطبيب يعالج المريض شيئًا فشيئًا، ويصبر على ما به من مرض شيئًا فشيئًا، ولا يعطيه الدواء كاملًا للحظة واحدة كما فعل البدوي لما أعطوه نوفالجين وقالوا: خذ هذا كل ست ساعات واحدة، فاستبطأ الأمر وقال: هذا أبغي أخليه كل ست ساعات واحدة! أبلع الجميع، فبلع الجميع فقضي عليه، استعجل الأمر وهلك، اصبر عالج الشيء بالتي هي أحسن. المهم أن تكون عازمًا على إزالة هذا.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليس حفيظًا على الأمة؛ لا في حياته ولا بعد مماته. وعلى هذا فلا يُستغاث به بعد موته ولا تطلب منه الهداية، وإنما الهداية من عند الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الإبلاغ، ولم يبين الله تعالى الوسيلة للإبلاغ، فنقول: كل وسيلة للإبلاغ فهي واجبة، والوسائل لها أحكام المقاصد، فيما سبق الإبلاغ محصور يبلغ الإنسان أهل بلده ومن يفد إليها من الناس، الآن يمكنه أن يبلغ العالم كله، وحينئذ نسأل لو أن شخصًا أمكنه أن يجعل له صفحة في الإنترنت أيجوز أن يفعل؟
طلبة: يجوز.
الشيخ: يجوز؟ إنترنت فيه أغان، فيها بلاوي (...).
طالب: لا، دخل له في ذلك.
الشيخ: لا، دخل له في ذلك؟
الطالب: ينشر له الخير.
الشيخ: طيب، إذا صار قبله غنية وبعده غنية؟
الطالب: لا يضره عمل عامل.
الشيخ: لا يضره عمل عامل، عجيب، لو أن اللي قبله أغنية يفتتح بالأغاني ويختتم بالأغاني؟
الطالب: ليس له..
الشيخ: ليس له ذلك، إذا لا يبلغ؟
الطالب: لا، يبلغ.
الشيخ: يبلغ حتى لو قبله أغنية وبعده أغنية؟ ما تقولون في قوله؟ صحيح لأن الأغنية قبل وبعد ليست من فعله، هذا من فعل من يتصرف بهذه المحطة، لكن لا يجوز أن نترك الدعوة إلى الحق؛ لأن في هذه الإذاعة مثلًا أو المحطة لأن فيها سيئة، هذا غير صحيح ونظرية قاصرة، زاحم أهل الباطل حتى يتبين الحق، ولا يضرك إذا دخلوا فيها أشياء منكرة.
بعض الناس مثلًا يقول لنا أو لغيرنا: لا تدخلوا إنترنت، لا تدخلوا فيها، كيف تدخلون فيها وفيها الأغاني وفيها البلاء ما يصير هذا، أيهما أولى أن ندخل في هذا المضمار لعل الله أن يهدي بنا واحدًا من الناس أو أن ندع المجال لأهل الشر؟
طلبة: الأول.
الشيخ: الأول بلا شك، الأول أحسن.
ومثل ذلك ما يقال في الانتخابات، إذا كان البلد مبنيًّا على الانتخابات، يقول بعض الناس: لا تنتخب، يا جماعة ما أرشح واحدًا من أهل الخير؟ قال: لا؛ لأن الانتخابات فيها بلاء، فيها رشاوٍ، فيها أهواء، إذا كان فيها رشاوٍ وأهواء أنا لن أدخل في الرشاوي والأهواء ولكن أدخل في ترشيح رجل أعرف أن فيه خيرًا، قالوا: إذا رشحت واحدًا يجيء مئة فاسق، طيب إذا كان مِئة فاسق ليس معه مستقيم أو مِئة فاسق معهم مستقيم؟ الثاني أحسن، وإذا قالوا: إن هذا لا يجدي ولا ينفع واحد في المِئة ما فيه فائدة، نقول: لا بد أن يكون فيه فائدة، إذا أخلص النية لله لا بد أن يؤثر؛ لأن الكلمة لله ليست تؤثر لأن فلانًا تكلم بها، لكن تؤثر لأنها كلمة الله. واسمع إلى قول الله تعالى: جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىوبعده؟ وَكلمةَ الله هِيَ الْعُلْيَا [التوبة: ٤٠] ولا: وَكَلِمَةُ اللَّهِ؟ بالرفع؛ لأنه لو قال: وكلمةَ الله دخلت في المفعول به، يعني وجعل كلمة الله، وكلمة الله هي العليا بجعله وبغير جعله. ولهذا تبين الآن أن قوله: وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَالها موقع عظيم جدًّا، يعني أن كلمة الله هي العليا مهما جاءت هي العليا.
ولا يخفى عليكم ما يتكرر في قصة موسى مع السحرة وفرعون، لما اجتمعوا وكان موسى واثقًا بنصر الله عز وجل، ولهذا لما قالوا: اجعل لنا موعدًا، جعل لهم موعدًا في وسط الليل في حجرة مظلمة؟ لا، متى؟ في وضح النهار، وفي يوم الزينة يوم العيد: قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى [طه: ٥٩] شيء عجيب، جاء السحرة وجمع فرعون كيده: فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى [طه: ٦٤] فقال موسى كلمة واحدة، قال: وَيْلَكُمْكمل؟
طالب: لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ [طه: ٦١].
الشيخ: وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى [طه: ٦١]، ما الذي حصل من هذه الكلمة؟ فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ [طه: ٦٢] في الحال، الفاء تدل على الترتيب والتعقيب والسببية: فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْوإذا تنازع الناس فلا تحدث عن الفشل، حدث ما شئت ولا حرج: تَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْففشلوا، وفي النهاية أن هؤلاء السحرة الذين جاءوا يكيدون لموسى صاروا مع موسى وهددوا بالقتل والصلب ولكن أبوا، قالوا لفرعون: لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍمثلما نقول نحن: سوِّ الذي تريد إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: ٧٢] الله أكبر، الله أكبر، الإيمان إذا دخل القلب فلا تسأل عن الحزم والعزم والقوة إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَاوالذي لا يموت اليوم يموت غدًا.
فالمهم أني أقول: إن بعض الناس إذا رأى الموقف غلب فيه الشر استحسر وتخلى، وهذا غلط، خُض غمار القوم والنصر للحق، أنا ما دخلت مع هؤلاء لأوافقهم على باطلهم، سأدافع عن الحق الذي أعتقده مهما أمكن، ثم إنه من الحكمة أن يفتَّت القوم المجتمعون، يفتتون يعني يؤخذون واحدًا واحدًا، ويتكلم مع كل واحد، ويقال: يا فلان، أيش فائدتك من هذا؟ هذا إثم عليك، هذا سوء في الدنيا والآخرة، كما فعلت قريش في نقض الصحيفة الذين تعاهدوا فيها على مقاطعة بني هاشم، والقصة مشهورة صار أحد المعارضين لهذه الصحيفة يأتي كبراءهم، الكبراء الذين وقعوا، ويأتيهم على واحد واحد ويقول كذا وكذا حتى تفتتوا، وهذه من السياسة لأنك إذا فتت المجتمعين أيش؟ زالت قوتهم وزال سلطانهم، وحصلت على الخير.
ومن فوائدها أيضًا: أن الناس ينقسمون إلى قسمين: قسم: إذا أصابته رحمة من الله فرح بها فرح أشر وبطر.
وقسم آخر: إذا أصابته رحمة الله تعالى فإنه يستعملها في طاعة الله، وهذا يستفاد من غير هذه الآية.
ومنها: التحذير من الفرح بنعمة الله إذا كان فرح أشر وبطر، وأما إذا كان فرح استبشار وسرور وقيام بطاعة الله فإنه يمدَح، قال الله تعالى: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس: ٥٨].
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما يصيب الإنسان من سيئة فإنما هو بسبب عمله؛ لقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
ومن فوائدها: التعبير بالبعض عن الكل إذا كان لهذا البعض تأثير كبير؛ لقوله: بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان من حيث هو إنسان إذا أصابته السيئة كفر، بمعنى أيس من رحمة الله تعالى أن يصرف عنه هذه السيئة، وأما المؤمن فإنه لا ييئس، بل يصبر وينتظر الفرج إيمانًا بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا» .
طالب: (...).
الشيخ: ورد حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن قومًا أتوا إليه واشترطوا ألا يصلوا الصلوات الخمس، فوافقهم على هذا وقال: «إِنَّهُمْ إِذَا أَسْلَمُوا صَلَّوْا».
طالب: بعض الناس يعتذر عن صلاة جميع الصلوات الخمس.
الشيخ: يعتذر عنه أيش؟
الطالب: عن فعلها يعني.
الشيخ: إي نعم.
الطالب: فهل يخرج من دائرة الكفر بأن يقال له: صل أربع صلوات.
الشيخ: ورد حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن قومًا أتوا إليه واشترطوا ألا يصلوا الصلوات الخمس، فوافقهم على هذا وقال: إنهم إذا أسلموا صلوا.
طالب: بعض من يكتب في الدعوة يقسم يا شيخ المجتمعات إلى أقسام؛ يقول: المجتمع المكي والمجتمع المدني، المجتمع الحبشي، وينزل على كل مجتمع آيات نزلت في الصحابة في ذاك الظرف (...) لهم سلطة ودولة.
الشيخ: هو لا شك هذا ما هو (...) حبشيين أو مكيين أو مدنيين، هذه قاعدة عامة، يعني تنزل الآيات التي نزلت مثلًا في مكة على من كان مثل أهل مكة كما نزلت فيهم، العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
طالب: فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ [الشورى: ٤٨]؟
الشيخ: هذه ما هي صيغة مبالغة، هذه صفة مشبهة، يعني يكون من صفته الكفر.
طالب: أحسن الله إليك، قوله تعالى: وَإِنَّا إِذَامن يقول (...) ضمير المتكلم إذا كان الله سبحانه هو المتكلم به جمعًا كان هذا من متشابه القرآن، ويرد إلى المحكم هل هذا صحيح يا شيخ؟
الشيخ: هذا ما قاله إلا النصارى، تعرف النصارى؟ يقولون: إن الله ثالث ثلاثة، الدليل؟ قال: هذا القرآن: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩]، إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى [يس: ١٢]، فجمع الله تعالى الضمير في الآيات الشرعية: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ [الحجر: ٩]، وفي الآيات الكونية: إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى [يس: ١٢] إذن الله متعدد، وهو لا شبهة فيه عند المسلمين إطلاقًا، المراد التعظيم وإظهار العظمة والسلطان والقوة والقدرة (...).

***

تفسير الآيتين (49-50)
01:05:51

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ [الشورى: ٤٩] الجملة خبرية خبرها مقدم؟
طالب: تفيد الحصر.
الشيخ: نعم يراد به الحصر؛ لأن القاعدة البلاغية أن تقديم ما حقه التأخير يدل على الحصر والاختصاص، إذن لله لا لغيره مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأي: خلقًا وتدبيرًا، فالله تعالى مالك السماوات والأرض خلقًا وتدبيرًا، ولهذا قال: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُوقوله: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ، (ما) هذه موصولة، ويعبر عنها غالبًا لما لا يعقل، وكان التعبير بـ(ما) ليعم الأعيان والأوصاف؛ لأنه إذا قصدت الأوصاف عبر بـ(ما) ولو كان لعاقل، انظر إلى قول الله تعالى: فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] ولم يقل: من طاب، مع أن النساء من العقلاء، لكن لما كانت المرأة إنما تنكح من أجل صفاتها، لا لعينها، قال: انْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء: ٣] هنا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [الشورى: ٤٩] نقول: عبر بـ(ما)؛ لأن المقصود بذلك الأعيان والأوصاف، أما الأعيان فلو سُئلنا: أيهما أكثر؟ العاقل أو غير العاقل؟ على الأرض غير العاقل، لكن في السماء لا، السماء أوسع من الأرض، وما فيها موضع أربع أصابع إلا وفيه ملك، فيكون العاقل باعتبار الجميع أكثر، لكن باعتبار ما في الأرض أيهما أكثر؟
طالب: غير العاقل.
الشيخ: غير العاقل، كذلك أيضًا إذا اعتبرنا الأوصاف فالأوصاف تشمل العقلاء وغيرهم، فلهذا عبر بـ(ما) يَخْلُقُ مَا يَشَاءُأي: يوجده بعد العدم، ولكن الخلق ليس مجرد إيجاد، بل هو خلق عن تقدير يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ، هذا من جملة خلقه أيضًا يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا، الهبة هي التبرع بالشيء مجانًا، ووصف الله تعالى الأولاد بالهبة؛ لأنه لا طاقة للإنسان في إيجادهم، بل هو مجرد فضل من الله عز وجل.
يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ(من الأولاد) إِنَاثًاقوله: (من الأولاد) كيف تتلاءم مع قوله: إِنَاثًا؟ لأن الأولاد في اللغة العربية تشمل الذكر والأنثى، كما في قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ [النساء: ١١]، يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَولم يقل: ذكورًا، بل أتى بـ(أل) المعرفة الدالة على شرف مدخولها؛ فإن الذكور عند الناس أشرف من الإناث، ولكن مع هذا جبر نقصهن بتقديم ذكرهن على الذكور، أو يقال: إن الله قدم الإناث لأن إرادة الإنسان أن يكون أولاده ذكورًا، فقدم الإناث إشارة إلى أن الأمر إلى الله وحده، لا إلى ما يريده الإنسان ويهواه.
وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ [الشورى: ٤٩، ٥٠] قال: (أي: يجعلهم) والصواب يصنفهم؛ لأن التزويج بمعنى التصنيف؛ كما قال الله تعالى: وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ [ص: ٥٨] أي: أصناف، فمعنى يُزَوِّجُهُمْأي يصنفهم، فيجعلهم صنفين ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا(فلا يلد ولا يولد له)، فلا يلد باعتبار الأنثى، ولا يولَد له باعتبار الذكر، فهذه أربعة أصناف:
الأول: أن يهب لمن يشاء إناثًا.
الثاني: أن يهب ذكورًا.
الثالث: أن يهب ذكورًا وإناثًا.
الرابع: أن يجعل الإنسان عقيمًا لا ذكور ولا إناث.
ذلك لأن الأمر أمر الله عز وجل، ولا أحد يستطيع أن يخلق شيئًا من هذا، بل الله وحده هو الخالق.
قال: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ، عَلِيمٌ(بما يخلق) قَدِيرٌعلى ما يخلق، فهو يعلم ما يخلق عز وجل، وقدير على أن يخلق ما أراد.
في الآية الكريمة: عموم ملك الله سبحانه وتعالى لما في السماوات والأرض؛ لقوله: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ومن فوائدها أيضًا: اختصاص الله تبارك وتعالى بذلك، من أين نأخذ الاختصاص؟
طالب: (...).
الشيخ: غلط، إلا إذا كنت لم تفهم السؤال، والسؤال اختصاص الله تعالى بملك السماوات والأرض؟
الطالب: (...).
الشيخ: وجه ذلك أن الله قدم الخبر، والخبر حقه التأخير، وتقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله، أليس الإنسان له ملك؟ قال الله تعالى: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء: ٣] فللإنسان ملك، فكيف الجمع بين قولنا: إن ملك السماوات والأرض خاص بالله وإثبات الملكية لغير الله؟
الجواب: ملك الله تبارك وتعالى تام شامل، ففيه شمول التصرف وفيه شمول المكان، بمعنى أن ملك الله تعالى تام من كل وجه، عام من كل وجه، ملك الإنسان قاصر لا من جهة العموم المكاني ولا من جهة عموم التصرف، فكلنا نملك لكن ملكنا محدود، أنا أملك حقيبة ولا أملك حقيبة أخرى لغيري، فهو محدود.
ثانيًا: ناقص، ملك ناقص لا يمكنني أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ لا يمكن أن أتصرف في ملكي كما أشاء، صحيح؟ صحيح، لا يمكن أن أضيعه؛ لأنني منهي عن إضاعة المال، لا يمكن أن أعذبه إذا كان حيوانًا؛ لأني منهي عن ذلك، لا يمكن أن آكل من ملكي ما شئت وأدع ما شئت، فالحيوان المحرم لا يجوز أن آكله ولو كان ملكي. المهم أن ملك الإنسان محدود، ثانيًا: ناقص، محدود لا يشمل كل شيء، ناقص لا يملك كل تصرف.
من فوائد الآية الكريمة: أن الله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء من الأعيان والأوصاف، على أي كيفية، وعلى أي صفة، ولهذا انظر إلى مخلوقات الله هل هي واحدة؟ لا، ليست واحدة، تختلف اختلافًا عظيمًا كبيرًا في الشكل، في الأيدي، في الأرجل، في الغذاء، في كل شيء، فالله تعالى يخلق ما يشاء.
لكن اعلم أن الله تعالى هدى كل مخلوق لما خلق له، قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُأي: خلقه اللائق به ثُمَّ هَدَى [طه: ٥٠] أي: هدى كل مخلوق لما خُلق له، ولذلك تجد هذا المخلوق لا يأكل من هذا النوع من العشب، والمخلوق الآخر يأكل منه، تجد هذا المخلوق لا يسكن هذا النوع من الأرض ويسكن أرضًا أخرى، ومخلوق آخر بضده، الرمل مثلًا لا يسكنه النمل؛ لأنه لا يملك الجحور، لكن يسكنه الحشرات أو الزواحف التي تندس في الرمل؛ لأن هناك زواحف صغيرة تندس في الرمل اندساسًا تشاهدها كأنما يغوص السابح في الماء، وليس لها جحور، هناك أشياء ما تسكن هذا النوع من الأرض، بل تسكن أرضًا صلبة حتى تبني لها الجحور، أشياء غريبة في مخلوقات الله، لأن الله سبحانه وتعالى أعطى كل شيء خلقه.
من فوائد الآية الكريمة: أن الأولاد هبة من الله عز وجل؛ لقوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُوَيَهَبُ، والهبة هي العطية بلا عوض، فما هو العوض الذي علينا بالنسبة لهذه النعم؟ هو الشكر.
وهنا سؤال، هل يجوز أن تسمي ابنك أو بنتك هبة الله؟ نعم يجوز، ولهذا قال الفقهاء رحمهم الله في السقط: السقط إذا سقط يعني الحمل، إذا سقط بعد أن تنفخ فيه الروح فسمه ولو مات في الحال سمه، فإذا جهلت أنه ذكر أو أنثى فسمه اسمًا يصلح لهما بأن تقول: هذا هبة الله، تسميه هبة الله.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا اختيار للمرء بالنسبة للأولاد؛ لقوله: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُفجعل الأمر راجعًا إلى مشيئته تبارك وتعالى.
ومنها: أنه لا ينبغي للإنسان أن ييئس إذا أتاه إناث متتابعات، فإن بعض الناس إذا أتاه إناث متتابعات أيس وقال: لن يولد لي ذكر، وهذا غلط، فالله تبارك وتعالى يخلق ما يشاء.
ومن فوائد الآية: تمام قدرة الله تبارك وتعالى، حيث خلق من هذه النطفة، وهي واحدة، خلق منها ذكورًا خلصًا وإناثًا خلصًا، والثالث أصنافًا ذكورًا وإناثًا، مع أن الماء واحد، ولكن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
ومنها من فوائد الآية الكريمة: أن العقم يعتبر نقصًا بالنسبة لمن يُولَد له؛ لقوله: وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًابعد أن ذكر أن الأولاد هبة، فيكون العقيم موهوبًا له أو لا؟ لا، إذا هذا نقص.
ويتفرع على هذه القاعدة أنه لو تبين زوج المرأة عقيمًا فلها الفسخ؛ فسخ النكاح، يعني لو أن أحدًا تزوج امرأة وهو لا يعلم عن نفسه ثم تبين أنه عقيم، فلها أن تفسخ، إما بنفسها تشهد اثنين، تقول: إني فسخت نكاحي من فلان، أو بالقاضي تذهب وزوجها إلى القاضي فيفسخ النكاح، وهذا حق لها، فإن قال الزوج: أنا ليس في عيب، إنه يقدر على الوطء، وإنه مستقيم خلقًا ودينًا، ليش تفسخونها مني؟ ماذا نقول؟ نقول: لأن العقم عيب، والمرأة لها حق في الأولاد، ولذلك يحرم على الزوج أن يعزل عن زوجته إلا بإذنها؛ لأنه إذا عزل عنها حرمها من الأولاد، إلا أن تأذن.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات هذين الاسمين الكريمين لله عز وجل، وهما العليم والقدير.
ومن فوائدها أيضًا: إثبات ما دل عليه هذان الاسمان من صفة، العليم دل على أيش؟
طلبة: على العلم.
الشيخ: والقدير؟
طلبة: على القدرة.
الشيخ: على القدرة، وكل اسم من أسماء الله متضمن لصفة أو أكثر، وليست كل صفة يشتق منها اسم، كل اسم من أسماء الله فهو متضمن أيش؟ لصفة أو أكثر، ولا يشتق من كل صفة اسم لله، وبه نعرف أن الصفات أكثر من الأسماء.
ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: يَخْلُقُ مَا يَشَاءُلا أحد يجبره على أن يخلق أنثى أو ذكرًا، بل له عز وجل المشيئة التامة في خلقه.
واعلم أنه كلما ذكرت المشيئة لله عز وجل فإنها مقرونة بالحكمة، انتبه لهذه النقطة، يعني أن مشيئة الله ليست مشيئة مجردة، بل هي مقرونة بالحكمة، والدليل على هذا قول الله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ، أكمل: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] عَلِيمًا حَكِيمًابعد أن قال: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُفعلم من هذا أن مشيئة الله تابعة لعلمه وحكمته، وأنه لا يشاء شيئًا مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، وهذا في كل نص يأتيك فيه ذكر المشيئة لله فاعلم أنها مقرونة بالحكمة.
ثم قال عز وجل لما ذكر خلقه سبحانه وتعالى، وأنه هو الخالق له المشيئة المطلقة، ذكر شيئًا آخر وهو الشرع، لو تأملت الآيات القرآنية لوجدت أن الله تعالى يذكر الشرع قبل القدر، اقرأ: الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ [الرحمن: ١، ٢] بعدها: خَلَقَ الْإِنْسَانَ [الرحمن: ٣] فبدأ بالشرع عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ [الرحمن: ٢، ٣] اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ [العلق: ١، ٢] فبدأ بالقراءة، وهكذا تجد هذه القاعدة مطردة إلا أن يكون هناك سبب لتقديم الخلق على الشرع (...) نسأل الله تعالى أن يرحمنا وإياكم برحمته، وأن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى.