تفسير سورة آل عمران - 55
مدة الملف
حجم الملف :
84372 KB
عدد الزيارات 1122

عناصر المادة :
تفسير الآية (180)
تفسير الآيتين (181-182)

فحذف المشبه به ورمز إليه بشيء من لوازمه..
طالب: الاسم فيه استعارة مكنية يا شيخ.
الشيخ: إي، شبّه الكفر بالسلعة التي تباع وتشترى، وحذف المشبه به.
الطالب: وأتى بالمشبه.
الشيخ: إي نعم، لكن رمز إليه بشيء من لوازمه وهو الشراء. طيب هذا على أنها مكنيّة، على أنها تصريحيّة تبعية؟
طالب: حذف المشبه وهو الكافر الذي اشترى.
الشيخ: لا، التصريحية التبعية معناها أنها تُجرى الاستعارة بالفعل أو باسم الفاعل؛ يعني بالشيء المشترك، فهنا اشْتَرَوُابمعنى اختاروا، فشبّه الاختيار بالشراء، ثم اشتق من لفظ الشراء اشْتَرَوُاعلى سبيل الاستعارة التصريحية التبعية، عرفتم؟
في قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ [آل عمران: ١٧٨] إشكال نحوي؟
طالب: أنه رفع خَيْرٌ.
الشيخ: أنه رفع خَيْرٌ.
الطالب: و(ما) اسم موصول.
الشيخ: نعم.
الطالب: وهنا رفعت؛ لأنها خبر (أن).
الشيخ: خبر (أن)، أين اسمها؟
الطالب: الاسم الموصول (ما).
الشيخ: الاسم الموصول (ما). هل الكتابة هنا في المصحف جارية على القواعد المعروفة الآن؟
الطالب: غير جارية.
الشيخ: غير جارية على القواعد. القاعدة المعروفة الآن أن..
الطالب: نفصل (أن) عن (ما).
الشيخ: أن نفصل (أن) عن (ما)؛ لأنها اسم موصول، وهنا كتابتها كأنها أداة حصر. إي، أحسنت، ما معنى الإملاء؟ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ [آل عمران: ١٧٨] ويش معنى نُمْلِي لَهُمْ؟
الطالب: نستدرجهم.
الشيخ: أملى له: نمهله. أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْنمهلهم، اللام في قوله تعالى: لِيَزْدَادُوا إِثْمًا [آل عمران: ١٧٨] هل هي للتعليل أو للعاقبة؟
طالب: للتعليل يا شيخ.
الشيخ: للتعليل؛ يعني أن الله أمهلهم من أجل زيادة الإثم، فيكون الله تعالى قد أراد بهم شرًّا.
طالب: هنا للتعليل، الله سبحانه وتعالى أملى لهم حتى يزدادوا إثمًا، هذا التعليل، أو أنها للعاقبة مع أنهم لم يكفروا حتى يزدادوا إثمًا، وإنما الكفر كان.. كان سببًا في زيادة الكفر، يعني وجهان.
الشيخ: يعني باعتبار فعل الله يجوز أن نجعلها للتعليل؛ وباعتبار فعلهم هم ما هم عليه تكون للعاقبة ولا بد؛ لأنهم لا يحبون أن تطول أعمارهم لأجل أن يزدادوا إثمًا، لكن الله عز وجل قد يحب ذلك لحكمة تقتضي هذا.
قال الله تبارك وتعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ [آل عمران: ١٧٩]، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَمَانافية وكَانَفعل ماضٍ ناقص؛ واللام يسمونها لام الجحود؛ يعني لام النفي، وهي التي تأتي بعد كون منفي؛ إما (ما كان) وإما (لم يكن)، مثالها في (ما كان) هذه الآية: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَومثالها في (لم يكن): لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ [النساء: ١٣٧]؛ وسُميت لام الجحود، والجحود هو النفي؛ لأنها واقعة في سياق النفي؛ أين النفي؟ لم يكن أو ما كان؛ وهي تنصب الفعل المضارع إما بنفسها كما هو اختيار الكوفي أو بـ(أن) مضمرة وجوبًا كما هو اختيار البصري.
وقوله: مَا كَانَ اللَّهُيعني أن هذا ممتنع غاية الامتناع؛ إذا جاء مثل هذا التعبير في القرآن فإنه يعني الامتناع؛ أنه ممتنع على الله عز وجل غاية الامتناع أن يفعل كذا؛ وهذا الامتناع ليس امتناعًا لعدم القدرة عليه فهو قادر، لكنه امتناع شرعي؛ أي: يمتنع بحسب ما تقتضيه حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب.
وقوله: لِيَذَرَأي: ليترك. وقوله: الْمُؤْمِنِينَيعني الذين آمنوا بالله؛ على ما هم عليه بدون تمييز بين الخبيث والطيب، هذا مستحيل على الله.
وقوله: عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِأي: من غير بيان؛ وذلك لأن المجتمع النبوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم خليط بين المنافقين الخلّص والكافرين الخلّص والمنافقين؛ أما الكافرون الخلّص فهم متميزون؛ بماذا؟ بإعلانهم بالكفر وتصريحهم به، ولا تخفى حالهم على أحد؛ وأما المؤمنون الخلّص فكذلك، أمرهم واضح ظاهر؛ يبقى الآن الاشتباه بين المؤمن الخالص وبين المنافق؛ لأن المنافقين يظهرون الإيمان وأنهم معهم: إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا [البقرة: ١٤]، فإذن يحتاج أن يميز الله عز وجل بين الخبيث والطيب؛ ولهذا قال: عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِيعني من الخفاء والإشكال.
حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِيَمِيزَبمعنى يفصل؛ يعني يفصل بين الخبيث والطيّب بما يخبر به عز وجل؛ فإذا كان الأمر كذلك قال: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب في تمييز الطيب من الخبيث؛ فأنتم لا تعلمون ما في صدورهم؛ أي: ما في صدور هؤلاء الخبثاء المنافقين؛ لأنكم لا تعلمون الغيب، والله عز وجل ما كان ليطلعكم على الغيب؛ وهذه الآية مقيّدة بآية الجن: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (٢٧) [الجن: ٢٦، ٢٧]. أقول: هذه الآية تشبه تمامًا آية الجن، ولهذا قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ. هذا استدراك على قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِفإن هذا الخطاب عام حتى النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنه استدرك فقال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُيَجْتَبِييعني يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على الغيب الذي يريد أن يطلعه عليه، كما قال: عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ.
وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ. الآن هذه القطعة والجملة من الآية تصوّر لنا حال المجتمع النبوي في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أن فيهم أُناسًا يخفى أمرهم، فبيّن الله عز وجل أن هؤلاء الناس الذين يخفى أمرهم لا بد أن يفصل الله بينهم وبين المؤمنين بالعلامات التي يظهرها؛ ولا يكون هذا بإطلاعكم على الغيب؛ لأن الله عز وجل لا يطلع أحدًا على الغيب إلا من ارتضى من رسول؛ ويكون هذا عن طريق من؟ إطلاعنا على ما في قلوب هؤلاء عن طريق الوحي، ولهذا سمّى النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من المنافقين لحذيفة بن اليمان الذي كان يُلقّب بـ(صاحب السرّ)؛ سر النبي عليه الصلاة والسلام؛ شوف الآن الرسول عليه الصلاة والسلام أسرّ إلى حذيفة بأسماء رجال من المنافقين ولم يسر إلى أبي بكر ولا إلى عمر ولا إلى من هو أفضل من حذيفة، وهذه تذكرنا بقاعدة ذكرها ابن القيم في النونية مرت علينا قريبًا، ما هي؟
طالب: أن الفضل في شيء معين لا يستلزم الفضل المطلق.
الشيخ: نعم، أن الخصيصة بفضيلة معينة لا تستلزم الفضل المطلق؛ وأن الفضل نوعان: مطلق ومقيد؛ فهنا لا شك أن حذيفة رضي الله عنه امتاز عن الصحابة بما أخبره به النبي عليه الصلاة والسلام من هؤلاء المنافقين؛ لكنه لا يلزم من هذا أن يكون أفضل ممن له الفضل المطلق عليه كأبي بكر وعمر وما أشبههما؛ المهم أننا لا نعلم عما في قلوب هؤلاء، ولكن الله يميزهم بما يطلع عليه نبيه صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا قال: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ.
ومن الذي اجتباه من الرسل في عهد النبوة المحمدية؟ مَنْ؟ محمد صلى الله عليه وسلم، ولا نبيّ غيره.
ثم قال: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِيعني حقّقوا إيمانكم بالله ورسله، وذلك بالتصديق التام والانقياد والإذعان بدون اعتراض لا على القضاء والقدر ولا على الحكم الشرعي، آمنوا بالله ورسوله؛ وهكذا حال المؤمن حقًّا هو الذي ينقاد لأمر الله الكوني فيرضى به، وينقاد لأمر الله الشرعي فينفذه ويذعن له، مع أن الانقياد للحكم الكوني يعم كل أحد سواء طوعًا أو كرهًا. فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِجمْع (رسول)، ومن المعلوم أن الرسل هم الذين كلفهم الله سبحانه وتعالى بما أوحى إليهم أن يعملوا به ويدعو إليه ويبلغوه للناس؛ ولهذا كان أصل جمهور العلماء في الرسول: أنه من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه، والنبي: من أُوحي إليه بشرع يتعبد به، ولم يكلّف أن يبلِّغَه الناس؛ فآدم عليه الصلاة والسلام نبي لكنه ليس رسولًا، ليس عنده أحد؛ نُبِّئ وصار يعمل بحسب ما يوحى إليه واتبعه على ذلك ذريته، ولما طال الزمن واختلف الناس احتاجوا للرسالة فأرسل الله إليهم، وأول من أرسل إليهم نوح.
وقوله: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِالإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الإيمان بوجوده، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته، لا بد من هذا كله، فمن نقص شيئًا منها فإنه لم يؤمن بالله حقيقة، الإيمان بأيش؟ بربوبيته، ألوهيته، أسمائه، وصفاته.
الإيمان بالرسل يتضمن تصديقهم فيما جاؤوا به من الوحي، ويتضمن التعبد لله بشريعتهم على من ألزموا باتباعه، ومن المعلوم أنه بعد بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يُلزم الخلق إلا باتباع النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فإن شريعته نَسخت جميع الأديان، إذن كيف نؤمن بعيسى مثلًا؟ نؤمن بأنه رسول الله حقًّا، وأن الله أنزل إليه الكتاب، وأنه صادق فيما جاء به من الرسالة، وأما شرعه فلسنا مأمورين باتباعه، نحن مأمورون بالإيمان به فقط.
قال: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌإن تؤمنوا بقلوبكم وتتقوا بجوارحكم فلكم أجر عظيم.
الإيمان بالقلب: هو الإقرار المتضمّن للقبول والإذعان، هذا الإيمان بالقلب. التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله عز وجل؛ وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في التقوى، ولكن ليُعْلَم أن التقوى قد تقرن بالبر وقد تقرن بالإحسان: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا [النساء: ١٢٨]، قد تقرن بالإصلاح، فإذا قرنت بمثل هذا تفسّر بأن المراد بها تقوى المحارم؛ يعني اجتناب محارم الله، أما إذا أطلقت فإنها تشمل الأوامر والنواهي، وهذا كثير من الأسماء إذا قرن مع غيره صار له معنى، وإذا وُحِّد صار له معنى، لكن أيهما أشمل وأعم إذا قرن أو إذا أفرد؟ إذا أُفرد؛ لأنه إذا قرن مع غيره فإن هذا الذي قرن معه سيأخذ جانبًا كبيرًا من المعنى.
قال: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌالفاء هنا واقعة في جواب الشرط لربط الجملة الجوابية بالجملة الشرطية الفعلية، وإنما قرنت بالفاء؛ لأن الجواب وقع جملة اسمية، وقد أنشدناكم بيتًا في هذا الموضوع، فمن يحفظه؟
طالب:

اسْمِيَّــــةٌ طَلَبِيَّـــــــــــــــــةٌ وَبِجَـــــامِــــدٍ وَبِمَا وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ

الشيخ: يعني معناه هذه السبع الجمل إذا وقعت جوابًا للشرط فيجب أن تقترن به الفاء.
وقوله: أَجْرٌيعني ثوابًا، وسمى الله الثواب أجرًا من باب التكرّم والتفضل، كأننا نحن مستأجرون أدّينا العمل فنطالب بأيش؟ بالأجرة، مع أن الحق لله علينا، لكنه عز وجل أوجب على نفسه أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: ٥٤].
إذن نقول: الأجر هنا أيش؟ الثواب، وسمى الله ذلك أجرًا تفضلًا منه، كأننا أجراء قمنا بالعمل فنطالب بالأجرة، وهذا كقوله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢٤٥] فهل الله فقير حتى نقرضه؟ كلا، ولكن هذا من باب إظهار التزام الله عز وجل بالوفاء لعبده إذا أوفى بعهده: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ [البقرة: ٤٠].
وقوله: عَظِيمٌهذا وصف من الله عز وجل لهذا الأجر، والوصف بالعِظَم من العظيم يدل على عظمه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث؛ حديث الدعاء الذي علّمه أبا بكر رضي الله عنه قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ» ، أضافها إلى عنديّة الله عز وجل.
يقول الله عز وجل: مَا كَانَ اللَّهُإلى آخره.
يستفاد من هذه الآية الكريمة فوائد؛ منها: أن الله عز وجل لا بد أن يميز الخبيث من الطيب؛ لقوله: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
فإن قال قائل: بماذا يحصل الميز؟ قلنا: يحصل بالوحي في عهد النبوة، يحصل بالقرائن في غير عهد النبوة وفي عهد النبوة أيضًا، فإن القرائن قد تبين الخبيث من الطيّب، بحيث نلاحظ أعماله وننظر كيف يسير وكيف يعمل فيتبين لنا خبثه من طيبه.
ومن فوائد هذه الآية: بيان رحمة الله عز وجل بعباده، حيث لا يتركهم هكذا يشتبه بعضهم ببعض بل لا بد من ميز هذا عن هذا.
ومن فوائدها: بيان الحكمة؛ حكمة الله عز وجل في أفعاله ومشروعاته أيضًا؛ لقوله: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.
ومن فوائدها:
انقسام الناس إلى خبيث وطيب؛ لقوله: حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ، وهذا كقوله: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ [التغابن: ٢]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، وقال تعالى في سورة هود: فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ [هود: ١٠٥]، ولم يذكر قسمًا ثالثًا، ففي العمل قسم الله الناس إلى قسمين، وفي الجزاء أيضًا قسمهم إلى قسمين.
فإذا قال قائل: أليس في هذا دليل على مذهب الخوارج الذين يقولون: إن الناس إما مؤمن أو كافر، ولا يمكن لأحد أن يجمع بين الإيمان والكفر؟
فالجواب أن يقال: ليس فيه دليل لمذهبهم؛ لأن المؤمن إذا لم يفعل ما يخرج به من الإيمان فإنه لا يصدق عليه وصف الخبيث على سبيل الإطلاق، بل هو من قسم أيش؟ الطيب، لكن فيه خُبث، هو من قسم الطيّب لكن فيه خبث، وهذا الطيب غلب على خبثه، كما أن الكافر أيضًا، الكافر وإن فعل ما يُحمد عليه كالبر والجود والشجاعة وطلاقة الوجه وما أشبه ذلك، هذه خصال إيمان، لكن خبثه أعظم من هذه الخصال فهو من قسم الخبثاء وليس من قسم الطيبين، إذن نقول: هؤلاء المؤمنون الذين عندهم صفات كفر من أي القسمين؟
الطلبة: الطيب يا شيخ.. الطيب.
الشيخ: من قسم الطيب الذي فيه خبث، لكن طيبه يغلب على خبثه، والكفار الذين فيهم خصال من الطيب من قسم الخبيث لكن الطيب الذي فيهم قد انغمر في جانب الخبث، وعلى هذا فلا تقسيم، فليس هناك قسم ثالث، بل هما قسمان، لكن ما غلب عليه أحد الوصفين فهو منهم.
من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من ادعى علم الغيب فهو كاذب، من أين تأخذها؟
طالب: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
الشيخ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ، فمن ادعى علم الغيب فهو كاذب، بل هو كافر؛ لقوله تعالى: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [النمل: ٦٥]، ولأنه إذا ادعى علم الغيب فقد كذب بمضمون قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
ولكن ما المراد بالغيب؟ المراد بالغيب ما غاب غيبًا مطلقًا، وذلك الذي يكون في المستقبل، أما الشيء الحاضر ولكنه غائب عن ناس دون أناس فهذا قد يطلع عليه الإنسان وإن لم يشاهده بخبر الجن؛ الجن يسيحون في الأرض، يذهبون شمالًا ويمينًا، وهم سريعو التصرف، فربما يسعون في الأرض، ثم يخبرون أولياءهم بما شاهدوا في أراضٍ بعيدة فيكون هذا غيبًا، غيبًا حقيقيًّا أو غيبًا إضافيًّا؟
طالب: إضافي.
الشيخ: إضافيًّا، ومعنى إضافي؛ يعني بالإضافة إلى قوم دون قوم، فالذين شاهدوه ليس غيبًا عندهم، والبعيدون عنه هو غيب، الآن الذي في الشارع هذا اللي جنب المسجد ونحن هنا هو بالنسبة إلينا غيب لا نطّلع عليه، لكن لو دخل علينا رجل وقال: رأيت في الشارع كذا وكذا، نقول: نحن لم نعلم الغيب، لكن أُخبرنا عن أمر وقع شاهده من أخبرنا به، فالمراد بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله هو الغيب المطلق، وهو الذي يكون في المستقبل، فهذا لا يطّلع عليه إلا الله.
فإن قال قائل: ألسنا إذا رأينا السماء مدلهمة والرعد قاصفًا والبرق خاطفًا، ألسنا نتوقع المطر؟ بلى، فإذا قلنا: ستمطر، فليس هذا من علم الغيب، بل هذا مبنيّ على قرائن قد يخطئ ظننا، وقد يأمر الله هذا السحاب فيتمزق ولا يمطر، لكن هذا حسب ما أيش؟ حسب ما نتوقع، ولسنا نقول: هذا علم، بل هو ظن مبني على قرائن، المهم لئلا يلتبس عليكم الأمر: أن الغيب هو الغيب المطلق وهو الذي يكون في المستقبل، أما الغيب الإضافي النسبي فهذا قد يُطلع الله عليه من شاء من عباده بواسطة كالجن مثلًا؛ الجن يعلمون ما حصل في الأرض ويخبرون به أولياءهم، لكن من أولياء الجن؟ أولياء الجن قد يكونون متقين وقد يكونون مجرمين، فإن كانت ولاية الجن لهم بسبب الشرك فيهم كالذبائح للجن وما أشبه ذلك فهذه ولاية إجرام، لكن يقول شيخ الإسلام رحمه الله: إن الجن قد يتولّون المؤمن لإيمانه، يحبونه في الله ويخدمونه في أمره، قال: وهذا جائز بشرطين: ألا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرم، انتبهوا أن لا تكون وسيلة استخدامهم محرّمة، وألا يستخدمهم في محرّم، فمثلًا إذا قالوا: لا نخدمك حتى تسجد لنا؟
الطلبة: هذا حرام يا شيخ.
الشيخ: هذا حرام شرك، لا نستخدمك حتى تُدخل فلانًا السجن؟ هذا حرام لكنه ليس بشرك؛ يعني خدموه بدون شرك، بدون حرام، لكن استخدمهم في شيء محرم فقال لهم مثلًا: اذهبوا إلى فلان فأرجفوا بإبله حتى تهرب وتشرد، حرام؟
الطلبة: استعمال محرم.
الشيخ: نعم، اذهبوا إلى فلان فآذوه، روّعوه في بيته، روّعوه في سوقه، هذا أيضًا حرام ولا يجوز، فلو قال قائل: إن استخدامهم حرام بكل حال؛ لأن الله تعالى يقول: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام: ١٢٨]، وهذا يدل على أن استمتاع الإنسي بالجني محرّم بكل حال.
فالجواب على ذلك أن نقول: اقرأ الآية التي بعدها حيث قال: وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأنعام: ١٢٩]، فهذا الاستمتاع استمتاع في ظلم، ولا شك أنه حرام، أما إذا كان استمتاعًا بما ينفع وخلا من المحرّم في طريقه أو في استخدامه فإن هذا لا بأس به.
طالب: يا شيخ، ما المقصود بالأسباط، (...) أبناء يعقوب؟
الشيخ: أيش؟
الطالب: الأسباط.
الشيخ: وين الأسباط؟
الطالب: يوم تكلمنا عن النبي والرسول يا شيخ، عرّفت النبي والرسول، هل هم أنبياء أو رسل؟
الشيخ: بعضهم قال: الأسباط يعني قبائل بني إسرائيل، والأسباط يعني والأنبياء من الأسباط، وبعضهم يقول: هم أولاد يعقوب.
الطالب: والصحيح.
الشيخ: فيها خلاف.

***

طالب: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٨٠) لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) [آل عمران: ١٨٠، ١٨٢].
الشيخ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِماذا يسمي اللام نحاة العلماء؟
طالب: لام الجحود.
الشيخ: لام الجحود، وما هو الجحود؟
طالب: هو المحاولة (...).
الشيخ: لا.
الطالب: هو المخالفة (...).
الشيخ: أيش؟
الطالب: المخالفة.
الشيخ: لا.
طالب: بمعنى النفي.
الشيخ: النفي، الجحود هنا بمعنى النفي، وضابطها؟
الطالب: أن تأتي بعد كون منفي.
الشيخ: أن تأتي بعد كون منفي، تمام، وما معناها إذا قلت: ما كان لكذا؟ ما كان الله لكذا؟
طالب: أن يمتنع امتناعًا أن الله عز وجل يفعل هذا الشيء.
الشيخ: معناه أنه يمتنع غاية الامتناع أن يفعل الله هذا الشيء.
وقوله: لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَمعنى لِيَذَرَ؟ أي: ليترك المؤمنين على ما أنتم عليه. ويش معنى يتركهم على ما أنتم عليه؟ يقول: حتى؟
طالب: يتركهم على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص.
الشيخ: على اشتباه بين المنافق والمؤمن الخالص حتى يبين الخبيث من الطيّب.
قوله: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِوالصلة، ما صلتها لما قبلها؟
طالب: استدراك.
الشيخ: استدراك، المعنى؟
الطالب: المعنى أن الله عز وجل ما كان ليخبركم بالغيب بأن تعلموا ما في قلوب الناس من المنافق أو المؤمن الخالص.
الشيخ: إي نعم، يعني ليطلعكم على ما في قلوبهم من النفاق أو غيره. إذن ما فيها استدراك، ما فيها استدراك.
طالب: استدراك هنا..
الشيخ: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ.
طالب: ليذر (...).
الشيخ: لا، أنا أقصد: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ.
طالب: فيه استدراك على أن الأمور هذه يعلمها الله عز وجل فقط.
الشيخ: لا.
طالب: تعليل.
الشيخ: تعليل؛ يعني وما كان الله ليطلعكم على الغيب فيخبركم بما يتميز به هذا عن هذا.
قوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ؟
طالب: هذا استثناء.
الشيخ: أو استدراك، (لكن) للاستدراك، طيب، المعنى؟
الطالب: المعنى: ولكن الله قد يخبر من رسله من يشاء، والله أعلم.
الشيخ: فيطلعكم على الغيب بواسطة؟
الطالب: الرسل.
الشيخ: الرسل. الخلاصة أن الله عز وجل بيّن في هذه الآية أن الله لم يترك المجتمع الإسلامي في حيرة وشك، بل لا بد أن يميز؛ أي: يفصل الخبيث من الطيب بذكر الأوصاف التي تنطبق على هذا وهذا، ولا يكون هذا بأن يطلعكم، أن يطلع كل واحد منكم على الغيب ولكن عن طريق الرسل.
قوله: وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌيقرن الله بين الإيمان والتقوى كثيرًا، فبماذا نفسّر الإيمان إذا قرن مع التقوى؟
طالب: الإيمان إذا قرن مع التقوى بم يفسر؟ الإيمان عمل بالقلب، والتقوى المقصود بالجوارح؟
الشيخ: عمل الجوارح، إذن يكون الإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح.
ومن فوائد هذه الآية: أن الله قد يُطلع الخلق على الغيب بواسطة الرسل؛ لقوله: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ.
ومن فوائدها: أن الرسل ممن اجتباهم الله واصطفاهم على الخلق، وهذا موجود في القرآن بأن الأنبياء هم الصفوة كما قال تعالى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ [ص: ٤٧].
ومن فوائدها: إثبات المشيئة لله عز وجل في قوله: مَنْ يَشَاءُولكننا نقول: كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة، ليست مشيئة مجردة، بل لا بد أن تكون مقرونة بالحكمة، ودليل ذلك قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا [الإنسان: ٣٠] فقال: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًاإشارة إلى أن مشيئته تتبع علمه وحكمته.
ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية: وجوب الإيمان بالله ورسله عمومًا؛ لقوله: فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ، وقد بيّنا في التفسير كيفية الإيمان بالرسل، وأنه يؤمن بأنهم حق، وجاؤوا من عند الله وهم صادقون، أما اتباعهم فهو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ومن فوائد هذه الآية: فضيلة الإيمان والتقوى، وأنه يترتب عليهما الأجر العظيم.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: بيان مِنّة الله على العباد، حيث جعل إثابتهم على العمل بمنزلة الأجر المتقرّر لهم، كأن شخصًا استأجر أجراء وأعطاهم أجرهم فرضًا، ولكن من الذي فرض ذلك عليه؟ الذي فرضه هو الله عز وجل.
من فوائد هذه الآية أيضًا: إثبات الجزاء، وأنه من جنس العمل، فكما أن الإيمان والتقوى يعتبروا أمرًا عظيمًا ظاهرًا وباطنًا فكذلك الأجر كان أجرًا عظيمًا.
تفسير الآية (180)
00:41:06

ثم قال عز وجل: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْيَحْسَبَنَّفيها ثلاث قراءات، الأولى: {وَلَا يَحْسِبَنَّ}، والثانية: وَلَا يَحْسَبَنَّ، والثالثة: {وَلَا تَحْسَبَنَّ} بالخطاب، وكلها قراءات سبعية يُسن للإنسان أن يقرأ بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أنه لا ينبغي أن يقرأ بالقراءة الخارجة عن المصحف أمام العامة؛ لأن ذلك قد يوجب فتنة.
يقول الله عز وجل: وَلَا يَحْسَبَنَّأي: لا يظن الذين يبخلون بما آتاهم الله، والبخل هو المنع، البخل هو المنع مع شُحّ، ولهذا عُدِّي بالباء، ولم يقل: يبخلون ما آتاهم، بل قال: يبخلون به، أي: يمنعوه مع شُحّ، يشحون به.
وقوله: بِمَا آتَاهُمُأي: أعطاهم الله من فضله، وفيه إشارة إلى أن هذا البخل في غير موضعه؛ لأنهم بخلوا بشيء ليس من كسبهم ولا من كدّهم، بل هو من الله، وبخلوا به أن يصرفوه فيما أمرهم الله به، وهذا غاية ما يكون من الحمق أن الذي أعطاك وقال: اصرفه في كذا، تبخل، فإن هذا من الحمق البالغ؛ إذ إن الأمر يقتضي أن الذي أعطاك إذا أمرك أن تصرفه في كذا أن أيش؟ أن تصرفه كما أمر؛ لأنه فضله.
وقوله: بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِأي: من خيره؛ لأن الفضل في الأصل هو الزيادة، فالإنسان قد يعمل أحيانًا عملًا يؤمّل أنه يكسب فيه ألفًا فيكسب ألفين أو أكثر من فضل الله عز وجل، وقد يخسر.
وقوله: هُوَ خَيْرًا لَهُمْخَيْرًامفعول ثانٍ لـ(يحسب)، والمفعول الأول محذوف تقديره: بخلهم هو خيرًا لهم، ولا يحسبن الذين يبخلون بخلهم خيرًا لهم، بل هو شرّ لهم، كما ذكر الله عز وجل.
وقوله: خَيْرًا لَهُمْ(خير) هنا اسم تفضيل، فلا بد من مفضل ومفضل عليه، فما هو المفضل والمفضل عليه؟ المفضل عليه هو البخل، يعني: هو خيرًا لهم من العطاء؛ يعني: لا يظنوا أن البخل خير من العطاء، فهم يظنون أن البخل أفضل من العطاء، وهذا الظن خطأ، هذا ظن خطأ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» . وكم من إنسان يزداد ماله بالصدقة، ولا تنقص الصدقة مالًا مع الاحتساب؛ لقوله تعالى: وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: ٣٩] ومعنى يُخْلِفُهُأي: يأتي بخلفه.
يقول عز وجل: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْشر لهم من أي شيء؟ من العطاء، هو شر من العطاء، والعطاء ليس فيه شر، لكن الله خاطب هؤلاء بحسب اعتقادهم؛ حيث يظنون أنهم إذا أنفقوا ضاق عليهم الرزق، فيقول القائل منهم: أنا عندي ألف إذا أنفقت منه مئة نقص وصار تسع مئة، فيظنون أن هذا شرّ، فيقول عز وجل: إن المانع هو الشر، ولهذا قال: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْشر لهم من أي شيء؟ من العطاء؛ فالعطاء خير والمنع شر. بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ.
ثم قال: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِالسين يقول علماء النحو: إنها للتنفيس وتفيد التحقيق؛ التنفيس معناه حصول الشيء عن قرب، والتحقيق واضح؛ يعني أن كلمة: سَيُطَوَّقُونَأبلغ في التحقيق من كلمة يُطوّقون؛ لأن السين تفيد التحقيق، وتفيد أيضًا التنفيس وهو الشيء عن قرب، فتفيد سَيُطَوَّقُونَأن هؤلاء سوف يعاقبون هذه العقوبة حتمًا وعن قُرب، من أين أخذنا الحتمية؟
الطلبة: من السين.
الشيخ: من السين الدالة على تحقق الوقوع، وأخذنا القرب؛ لأن التنفيس الذي تدل عليه السين معناه القرب، فإذا قال قائل: إن تحققه معلوم، لكن كيف يكون قريبًا؟ قلنا: إن يوم القيامة قريب، قال الله تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا [الأحزاب: ٦٣]، وقال تعالى: وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ [الشورى: ١٧]، فيوم القيامة وإن كان بعيدًا في نظر الناس، لكنه في الحقيقة قريب، وانظر إلى الأيام كيف تنطوي بسرعة حتى تنتهي لتعرف أن يوم القيامة وإن بعد أمده فهو في الحقيقة قريب.
وقوله: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِأي: سيُجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم، والطوق معروف مثل طوق القميص يحيط بالعنق، وقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام كيف يكون هذا التطويق فقال: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ فَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ» .
قال العلماء: الشجاع الأقرع: هو الذكر من الحيات، والأقرع كثير السّمّ؛ لأن رأسه من كثرة سمه قد تمزّق شعره فهو أقرع، و«لَهُ زَبِيبَتَانِ» أي: غدتان تشبهان الزبيب قد امتلأتا من السم، «فَيَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ» يعني شدقيه كما جاء مفصلًا بالحديث، ويقول: «أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ». يقول ذلك توبيخًا له، فيزداد بذلك حسرة، هذا هو تفسير الآية الكريمة كما فسرها النبي عليه الصلاة والسلام.
وقوله: مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِيعبر الله تعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، وهو كثير في القرآن.
يعبر الله سبحانه وتعالى عن الجزاء بالعمل نفسه، مثل: سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأعراف: ١٨٠]، وهنا: سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِوذلك لأن الجزاء من جنس العمل، فكأنه هو العمل نفسه، فلهذا يعبّر الله عنه كثيرًا سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِويوم القيامة هو يوم يبعث الناس، وسمي يوم القيامة لوجوه أربعة، أو ثلاثة؟
طالب: ثلاثة.
الشيخ: ثلاثة، يقوم الناس فيه لرب العالمين، ويقوم فيه الأشهاد، ويقوم فيه العدل، يقوم الناس لرب العالمين كما قال تعالى: أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [المطففين: ٤ - ٦]، وكذلك يقام فيه القسط لقوله: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: ٤٧]. والثالث: يقام فيه الأشهاد كما قال تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر: ٥١]، فلهذا سُمي يوم القيامة.
يقول: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ(لله) اللام هذه للاختصاص، والجار والمجرور خبر مقدم، وتقديمه يفيد الحصر؛ أي: أنه له وحده، لله وحده، والميراث انتقال المال من سابق إلى لاحق كانتقاله من الميت إلى الحي، فمن الذي يرث السماوات والأرض ويبقى بعدها؟ هو الله، ولهذا قال: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِلا يتحول ميراثها إلا إليه وحده عز وجل، ومناسبة هذه الجملة لما بعدها واضح، وذلك أن الذي يبخل بماله إنما يبخل به ليبقى له، فبيّن الله أنه لن يبقى لماله، لا بد أن يموت ويرثه ورثته، ثم ورثته يموتون، ويرثهم ورثتهم، ثم هكذا إلى أن ينتهي الإرث إلى من؟ إلى الله عز وجل، فالمناسبة إذن بين هذه الجملة وما قبلها ظاهرة جدًّا؛ يعني: امنع أو لا تمنع، سوف تخلِّف مالك من بعدك ويرثه ورثتك ومن ورائهم ورثتهم إلى أن ينتهي الإرث إلى الله عز وجل، فتفارق أنت جميع مالك ويكون لمن بعدك.
وقال: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌفيها قراءتان: تَعْمَلُونَو{يَعْمَلُونَ} وختم الآية بهذا الاسم وهو الخبير واضح المناسبة؛ لأن هؤلاء الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله قد لا يطلع عليهم الخلق، فالإنسان قد يكون عنده ملايين ولا يعلم الناس عنه ويبخل بزكاتها ولا يُعلم عنها، فبين الله سبحانه وتعالى أن الله خبير بعملهم، والغالب أن من منع الحق في ماله سُلِّط على هلكته في الباطل؛ يعني فتحت له أبواب من الباطل يصرف فيها ماله، فيكون مانعًا لما يجب واقعًا فيما يَحرُم، ولهذا هدّدهم الله بقوله: والله خبير بما يعملون.
في هذه الآية من الفوائد الكثيرة: تهديد مَن بخل بما آتاه الله من فضله، وسبق لنا أن البخل هو منع الواجب في المال؛ منع الواجب في المال هذا هو البخل الذي يُتوعّد عليه.
ومن فوائد هذه الآية: أن الشيطان قد يغر الإنسان، قد يغره فيقول: لا تنفق فيهلك مالك؛ لقوله: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْولا شك أن هذا هو الواقع، ودليل ذلك أن الله يحذرنا دائمًا من هذا الشيطان فيقول: لَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [لقمان: ٣٣]، وأول من يغرنا بالله هو الشيطان.
ومن فوائد الآية الكريمة: إقامة اللوم والتوبيخ على هؤلاء الذين بخلوا، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، أي: كيف يبخلون بشيء ليس من كسبهم ولا من كدهم بل هو من فضل الله فيبخلون به في طاعة الله.
ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما أوتيه الإنسان من علم أو مال أو ولد فإنه من الله عز وجل، فالولد لا يقول الإنسان: أوتيته بسبب أني تزوجت وأتيت أهلي، والعلم لا يقول: أوتيته بأني سعيت فيه، والمال كذلك لا يقول: أوتيته بأني سعيت فيه؛ لأن الكل من فضل الله، فتوفيقك للسعي في هذا الأمر من فضل الله، ثم حصول النتيجة التي كنت ترجوها، أيش؟ من فضل الله، فكم من إنسان خُذل فلم يسعَ، وكم من إنسان سعى ولم يحصل على ثمرة، فأصل السعي والثمرة كلها من الله، ولهذا قال: بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
ومن فوائد هذه الآية الكريمة: تحذير الباخلين من البخل؛ لقوله: لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ.
ومن فوائدها: أن الإنسان قد يُزيّن له سوء عمله فيظنه حسنًا، فالبخل خلق سيء وعمل سيء، قد يزين للإنسان فيبخل مع أنه من الأعمال السيئة والأخلاق السيئة.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات الجزاء، بل إثبات العقوبة العظيمة على هؤلاء الباخلين، ما هي العقوبة؟ أنهم يطوّقون به يوم القيامة حين لا ينفعهم الندم ولا يمكنهم الخلاص.
ومن فوائدها: تحقُّق وقوع الجزاء؛ لقوله: سَيُطَوَّقُونَوذلك بواسطة أيش؟ بواسطة السين.
ومن فوائد هذه الآية أيضًا: إقامة الحجة على أن هذا البخل ليس بنافع أصحابه، مأخوذ من قوله: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِفبخلهم لن يُخلّدهم في الدنيا، ولن يخلد المال لهم، بل هم سوف يجازون عليه، وسوف ينتقل المال منهم إلى ورثتهم، ومن ورثتهم إلى الآخرين حتى ينتهي الأمر إلى الله عز وجل.
ومن فوائد هذه الآية: إثبات يوم القيامة؛ لقوله: مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِوالإيمان بيوم القيامة أحد أركان الإيمان الستة كما هو معروف، ولا يتم إيمان عبد حتى يؤمن به، فإن وقع منه شك فيه فإنه لم يتم إيمانه.
ومن فوائدها: إثبات علم الله عز وجل؛ لقوله: {بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}، {بما يَعْمَلُونَ} وتَعْمَلُونَقراءتان؛ لأن الخبرة كما قال العلماء: هي العلم بأيش؟ ببواطن الأمور، ومن المعلوم أن العليم ببواطن الأمور عليم بظواهرها من باب أولى.
ومن فوائد هذه الآية: الإشارة إلى اسم الله الآخر؛ فإن الله هو الأول والآخر، من أين تؤخذ؟ من قوله: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِفإذا ثبت إرثه لهما لزم من ذلك أن يكون هو الآخر عز وجل.
طالب: يا شيخ، قلنا في قوله تعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّثلاث قراءات، ثلاث قراءات يا شيخ، كيف المعاني؟
الشيخ: بس للخطاب والغيبة، ما فيه إلا الخطاب والغيبة، بس هل هي للخطاب أو للغيبة؟ أما مسألة المعنى هو هو.
طالب: أحسن الله إليكم، في الميراث وانتقال المال من الميت بعد موته إلى الحي، قد يشكل يا شيخ أو قد يظن أن لِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِأنها يعني لم تكن قبل يعني نفي أو موت، نفي العالمين أنها لم تكن..
الشيخ: لله، لا، هي لله، لكنها قبل ذلك بيد ملاكها يتصرفون فيها، والميراث الأخير هذا معناه أن أهلها لا يتصرفون فيها إطلاقًا، فمثلًا ما دام الأموال بأيديهم فهم يتصرفون فيها حسب ما أُذن لهم فيه شرعًا، لكن إذا ماتوا لم يكن هناك تصرف إطلاقًا.
طالب: يا شيخ، أحسن الله إليك، بالنسبة للبخل للذي آتاه الله فضل في العلم وفي المال، هل هذا..؟
الشيخ: أيش لون؟
الطالب: اللي يبخل بالعلم..
الشيخ: إي نعم، يدخل في هذا، البخل في العلم أشد من البخل في المال «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ يَعْلَمُهُ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» .

***

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٨٣) فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (١٨٤)} [آل عمران: ١٨١ - ١٨٤].
الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.
في قوله: وَلَا يَحْسَبَنَّقراءتان؟
طالب: (ولا يَحْسِبنَّ)، (ولا تحسبَنَّ)، (ولا يُحْسِبَنَّ).
الشيخ: يَحْسَبَنَّ.
الطالب: {ولا يَحْسِبَنَّ}.
الشيخ: {ولا تَحْسَبَنَّ}، {ولا يَحْسِبَنَّ}؟
طالب: {ولا يَحْسِبَنَّ}.
الشيخ: تَحْسبَنَّ، نعم. {يَحْسِبَنَّ}، {تَحْسَبَنَّ}.
الطلبة: {يَحْسِبَنَّ}.
طالب: (...).
الشيخ: لا لا، عندنا ثلاثة: {ولا يَحْسِبَنّ} ولا يَحْسَبَنَّ، {وَلَا تَحْسَبَنَّ}.
طالب: (تَحْسبَنَّ) بكسر السين.
الشيخ: لا.
الطالب: بالفوقية.
الشيخ: لا، ما هي عند كسر السين بالفوقية، عندك..
الطلبة: شيخ، تَحْسِبَنَّ.
الشيخ: الله!! هي بالياء مفتوحة السين ومكسورتها، وبالتاء مفتوحة فقط.
طلبة: يُحْسِبن.
الشيخ: يُحْسِبن، من قاله؟!
الطلبة: بضم الياء.
الشيخ: المهم بالياء بفتح السين وكسرها، بالتاء بالفتح.
طالب: فيه بالتاء يا شيخ؟
الشيخ: طيب، على قراءة التاء.
طالب: {ولا تَحْسَبَنَّ}.
الشيخ: الخطاب لمن؟
طالب: للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين عامة.
الشيخ: كيف للنبي وللمؤمنين؟ لو كان للمؤمنين كان قال: ولا تَحْسَبُنَّ.
طالب: لا تَحْسَبُنّ (...).
طالب آخر: هذا للنبي أو لمن يصلح له الخطاب.
الشيخ: أو؟ إي نعم، للنبي واضح {تَحْسَبَنَّ}، لمن يصلحون للخطاب؛ لأن القرآن خطاب لجميع الناس، أين مفعول تحسب الأول؟
طالب: محذوف.
الشيخ: ويش التقدير؟
طالب: ولا يحسبن البخل.
الشيخ: بخلهم خيرًا لهم. ما معنى البخل؟
طالب: هو المنْع مع الشحّ.
الشيخ: إي، منع ما يجب بذله مع الشح. إذا ذكر البخل والشح جميعًا؟
طالب: (...) إذا اجتمعا.
الشيخ: طيب، إذا ذكرا جميعًا ما المراد بالبخل؟
طالب: قلنا: البخل المنع.
الشيخ: منع ما يجب، والشح: الطمع فيما ليس للإنسان. من جملة ما يبخلون به؟
طالب: قول النبي..
الشيخ: يعني من الأشياء التي يبخلون بها أيش مثل؟
طالب: مثل المال الذي آتاهم الله عز وجل، مثل الزكاة.
الشيخ: مثل منع الزكاة، هل تحفظ في هذا حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم؟
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ» .
الشيخ: لا.
الطالب: الذي بمعنى الزكاة؟
الشيخ: إي.
الطالب: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ.. يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِشُجَاعٍ أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يَأْخُذُ بِهِ..» .
الشيخ: بأيش؟ «بِلِهْزِمَتَيْهِ».
الطالب: «بِلِهْزِمَتَيْهِ».
الشيخ: يعني؟
الطالب: يعني شدقيه، يأخذ بِلهزمتيه.
الشيخ: يعني شدقيه، ويقول..
الطالب: «وَيَقُولُ: أَنَا كَنْزُكَ، أَنَا مَالُكَ».
الشيخ: تمام، طيب ما الفائدة من قوله: وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟
طالب: المراد البخل.
الشيخ: نعم.
الطالب: الذين يبخلون بالمال (...).
الشيخ: يعني معناه البخل، يبخلون عشان يجمعوه، فبيّن الله أنه..
الطالب: الله هو ما امتن به عليهم.
الشيخ: هو ما امتن به عليهم وسيرثه بعدهم، لو أبقوه سيرحلون عنه. {بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فيها قراءتان؟
طالب: قراءة {بِمَا يَعْمَلُونَ}، وقراءة: بِمَا تَعْمَلُونَ.
الشيخ: قراءة {بِمَا يَعْمَلُونَ}، وقراءة: بِمَا تَعْمَلُونَعرفت؟
ما معنى خبير؟
طالب: خبير تقتضي العلم.
الشيخ: عليم بأيش؟
الطالب: (...).
الشيخ: لا؛ لأن الخبرة أخص من العلم.
طالب: خبير ببواطن الأمور.
الشيخ: الخبير هو العليم ببواطن الأمور. هنا إشكال في قوله: بِمَا يَعْمَلُونَأنا لم أذكره إلا في زمن مضى بعيدًا، وهو أن المعروف أن تقديم المعمول يفيد الحصر، وهنا قدّم بِمَا يَعْمَلُونَعلى خَبِيرٌمع أنها متعلقة بها، فهل يعني ذلك أنه لا يكون خبيرًا إلا بما يعملون بناءً على هذه القاعدة؟
الطلبة: لا، يا شيخ.
الشيخ: إي، لكن ما الفائدة من أنه يقدّم ما حقه التأخير؟
طالب: قدم العامل على المفعول.
الشيخ: إي.
الطالب: يفيد الحصر يا شيخ.
الشيخ: طيب حصر أيش؟
طالب: التهديد يا شيخ.
الشيخ: ما وجه التهديد؟ ما وجه التهديد؟
الطالب: أن الله سبحانه وتعالى قص عليهم بما يعملون.
الشيخ: بما يعملون، تهديدًا لهم، ومبالغ في التهديد، لئلا يقولوا: إنه خبير بما يعمل الناس إلا ما نعمل نحن، واضح، ولهذا في القرآن يأتي: وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ [آل عمران: ١٥٣] في آية أخرى، عرفتم يا جماعة؟
إذن فائدة تقديم المعمول هنا غير الحصر، فائدته أيش؟ تهديد هؤلاء، وأنه عليم بما يعملون بالأخص وبغيره من باب أولى. بل في قوله: بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ؟
طالب: يعني هذا إضراب إبطالي.
الشيخ: إضراب إبطالي، هل هناك إضراب غير إبطالي؟
الطالب: عندي ما هو بصحيح.
الشيخ: مثل..
الطالب: (...).
الشيخ: هذه أيضًا ما ذكرناها لكم، لكن الظاهر أنها واضحة.
طالب: (...).
الشيخ: نعم؟
الطالب: (...).
الشيخ: والله إذا صح، أي مثال؟
الطالب: بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ(...).
الشيخ: نعم، بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِيعني بَعُدَ، بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَانعوذ بالله بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ [النمل: ٦٦]، هذه ما هو الثاني يبطل الأول، الثاني يؤكّده، ويسمى هذا عند النحويين إضرابًا انتقاليًّا، وأما الآية التي معنا فهو إضراب إبطالي.
تفسير الآيتين (181-182)
01:12:14

ثم قال الله تعالى: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ.
أولًا: نتكلم على ما في الآية من القراءات: يقول: فيها قراءات: {سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيقُولُ} اللي عندنا الآن: سَنَكْتُبُبالنون ونَقُولُبالنون أيضًا، وبناءً على هذه القراءة تكون (ما) مفعولًا به، وتكون: (قتل) معطوفة على المفعول به، والمعطوف على المنصوب منصوب.
على القراءة الثانية: {سَيُكْتُبُ مَا قَالُوا} تكون (ما) نائب فاعل مرفوعة مبنية على السكون في محل الرفع، ويكون (قتل) معطوفًا على مرفوع على نائب فاعل فيكون بالرفع، وعليه يكون قَتْلَهُمُمبنيًّا على قراءة أيش؟ (يُكتب)، ولا يجوز أن تقرأ: سنكتب ما قالوا وقتلُهم، لا، (قتل) ما يمكن يرفع إلا إذا قرأنا: {سَيُكْتُبُ}.
و{الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقُولُ} هذه: {يَقُولُ} تصادف أي القراءتين أو توافق أي القراءتين؟ {سَيُكْتُبُ} ولَّا سَنَكْتُبُ؟
الطلبة: {سَيُكْتُبُ}.
الشيخ: {سَيُكْتُبُ} {وَيَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ}.
أما: الْأَنْبِيَاءَففيها قراءتان: {الْأَنْبِئَاءَ}، والثاني: الْأَنْبِيَاءَبالياء كما في النَّبِيِّينَو{النَّبِيئِينَ} فعلى قراءة: {الْأَنْبِئَاءَ} تكون من النبأ بالهمز وهو الخبر، وعلى قراءة الياء تكون من (النُّبُوّة) أو (النَّبْوَة) وهي الارتفاع.
يقول الله عز وجل: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواأكّد الله هذا الخبر بثلاثة مؤكدات؛ الأول: القسَم المقدّر؛ لأن اللام هنا واقعة في جواب القسم، والثاني: (قد)، والثالث: (اللام) في قوله: لَقَدْ سَمِعَ. وإنما أكده سبحانه وتعالى للمبالغة في تهديد هؤلاء، وأما نحن المؤمنين فإننا نعلم أنه بمجرد ما يخبرنا عن شيء فهو مؤكَّد، لكن من أجل تهديد هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة الشنيعة.
لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌسَمِعَهنا بمعنى أدرك هذا القول، أي: سمعه سماعًا، ولا نقول: بأُذنه؛ لأنه لا يلزم من السماع الأذن، بخلاف قولنا: استوى على العرش فنقول: بذاته؛ لأن الله أضاف الفعل إلى نفسه، أما هنا ما نقول: سمع بأذنه، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السماع ثبوت الأُذن، فها هي الأرض يوم القيامة تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا [الزلزلة: ٤]، أي: تخبر عما فعل الناس عليها أو عما قالوا عليها، مع أنه ليس لها أُذن، الجلود والأيدي والأرجل تشهد يوم القيامة على الإنسان بما عمل، وهي ليس لها آذان، إذن لا يجوز أن نقول: إن الله له أُذن بناء على أن الله أثبت له السمع، لماذا؟ لأنه لا يلزم من السمع ثبوت الأذن.
إذا قال قائل: ألستم أثبتم لله عينًا؟
طالب: نعم.
الشيخ: ما نقول: نعم، نقول: بلى، ألستم أثبتم لله عينًا؟
الطلبة: بلى.
الشيخ: إي نعم، نقول: بلى، إذا قلنا: نعم، معناه ما أثبتنا، بلى؛ أثبتنا، كيف أثبتنا؟ من طريق أنه يرى أو من طريق أنه أثبت لنفسه عينين؟
الطلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، نعم، لولا أن الله أثبت لنفسه عينين ما جاز لنا أن نثبت العين، ولهذا نحن نؤمن بأن الله يتكلم، لكن هل نقول: بلسان؟ أبدًا لا نقولها، مع أن الله قال: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَبِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥] لكننا لا نقول: لله لسان، ولا نقول: لله شفتين؛ لأن الله لم يثبت ذلك لنفسه، ولا يلزم من الكلام اللسان، لا يلزم من الكلام ثبوت اللسان، بدليل أن الأرض تُحدّث أخبارها، والجلود تشهد، ويقول صاحب الجلد لجلده: لم شهدت علينا؟ فيقول: أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [فصلت: ٢١]، ولا يقول: لي لسان وشفتان، إذن لا يجوز أن نُثبت لله أيش؟ لسانًا ولا شفتين بمجرد ثبوت الكلام. واضح؟
كما أنه لا يجوز أن نثبت له أسنانًا؛ لأن الأسنان إنما تكون لمن يحتاج إليها لمضغ الطعام، ولا نثبت له أمعاء وما أشبه ذلك؛ لأن هذه تستلزم النقص؛ إذ إنها آلات لأيش؟ للأكل، والأكل مستحيل على الله عز وجل.
نحن نقول: يسمع، وهل يلزم من سماعه ثبوت الأذن؟ لا لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌوهم أناس من اليهود، منهم رجل يسمى (فنحاص)، ولكن الله عز وجل في كتابه لا يذكر شيئًا خاصًّا إلا لسبب لا بد من تعيين الشخص، ولهذا لم يذكر الله عز وجل أحدًا باسمه في القرآن إلا رجلًا مؤمنًا ورجلًا كافرًا فقط، مَنِ الرجل المؤمن؟
طلبة: زيد.
الشيخ: زيد بن حارثة فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا [الأحزاب: ٣٧]، والرجل الكافر؟
طلبة: فرعون.
الشيخ: لا لا لا، من هذه الأمة؟
طالب: أبو لهب.
الشيخ: أبو لهب، غيرهم ما ذُكر؛ لأن الوصف -انتبهوا يا إخوان هذا تعليم من الله لنا- لأن الوصف أفيد لعمومه، هذه من جهة، ومن جهة أخرى أنها قد تتغير حال المعيَّن، يكون بالأول فاسقًا ماردًا كافرًا، ثم يُسلم ويتوب الله عليه، فإذا تاب ولم يكن له اسم أحسن، لكن لو ذُكر اسمه بقي عارًا عليه ولو تاب، واضح يا جماعة؟
الثاني: أنه أعم؛ لأن تعليق الحكم بالوصف أعم من تعليقه بالشخص، ولهذا إذا عُلّق الحكم بالشخص احتمل الخصوصية، وإذا قلنا: بعمومه؛ بعموم الحكم المعلّق بالشخص فإنه ليس عمومًا شموليًّا، ولكنه عموم تمثيلي؛ يعني بالقياس، كلام واضح؟ واضح.
لهذا إذن ينبغي لنا في مثل هذه الأمور أن لا نعيّن الشخص بعينه، حتى مثلًا لو أردنا أن نتكلم على صحيفة خبيثة، فالأوْلى أن لا نعيّنها، نقول مثلًا: قالت بعض الصحف، وإذا ذكرنا الكلام عُرف، أولًا: لأن الصحيفة قد تتغيّر، وثانيًا: إذا حصرنا فقد يفهم السامع أنه لا يوجد سوى هذه الصحيفة، لكن إذا عمّمنا وجعلنا الحكم معلقًا بالوصف شمل غيرها، أما إذا عيّناها فقد يفهم السامع ولا سيما العامي اللي ما يعرف يقيس أن البلاء خاصّ بهذه الصحيفة مثلًا، لا يعرف أن يقيس، فإذا جعلنا المسألة معلّقة بالوصف صار هذا أنفع، وهذه مسألة يعني القرآن يدل عليه وكذلك السنة، السنة أيضًا تدل عليها، كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول: ما بال فلان يقول كذا، يقول: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ»، من أجل الفائدتين اللتين أشرنا إليهما.
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُهؤلاء اليهود، وسبب قولهم هذا أن الله قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ [البقرة: ٢٤٥]، فرحت اليهود بهذا وجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت: يا محمد، إن ربك قد افتقر، إن ربك قد افتقر . لأنه يطلب القرض منا -نسأل الله العافية- ولم يعلم هؤلاء البلهاء إن كانوا صادقين فيما ادعوا، وهم كاذبون فيما ادعوا حتى قولهم: إن الله قد افتقر، هم كاذبون، ما يعتقدون هذا، لكن تنزلًا معهم نقول: إن الله عز وجل جعل الإنفاق في سبيله له بمنزلة القرض إشعارًا للمنفِق بأنه سوف يُجازَى عليه، كما أن المقترض يجب عليه أن يُوفي من؟ قرضه، فهكذا جعل الله سبحانه وتعالى العمل له بمنزلة القرض تفضّلًا منه عز وجل وإحسانًا لعباده، واليهود لا يُستغرب أن يصفوا الله بمثل هذا، فهم قالوا: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤]، ووصفوه بالبخل، يد الله مغلولة ما يُنفق، وهم قالوا: إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثم تعب واستراح يوم السبت، ولهذا يجعلون يوم السبت هو يوم الراحة عندهم، قاتلهم الله، وهم كاذبون في هذا، قال الله تبارك وتعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ [ق: ٣٨].
الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌوليتهم اقتصروا على هذا، أقول: ليتهم بناء على ما بعده وإلا وصفهم الله بهذا الوصف منكر من أعظم المنكر، قالوا: وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُفجعلوهم أكمل من الله، جعلوا أنفسهم أكمل من الله، وهذا غاية ما يكون من الوقاحة، قال الله تعالى: سَنَكْتُبُ مَا قَالُواوإضافة الكتابة إليه؛ لأن جنوده يكتبون ذلك، ودليل هذا قوله تعالى: كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ [الانفطار: ٩ - ١١]، وقوله تعالى وهي أصرح: أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى. نسمع وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ [الزخرف: ٨٠]، إذن الكتابة هنا كتابة الله عز وجل بيده؟ لا، ولكن بملائكته، الملائكة تكتُب، وأضاف كتابة الملائكة إلى نفسه جل وعلا؛ لأنهم يكتبون بأمره وهم جنده، كما يقول القائد: فعلتُ كذا. والفاعل غيره، الفاعل الجنود، الفاعل هم الجنود، فالملك والسلطان يتكلم بالشيء مضيفًا إياه إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره وسلطته؛ إذن سَنَكْتُبُ مَا قَالُوابأيش؟ بملائكتنا، والله عز وجل أحيانًا يضيف الشيء لنفسه مريدًا به الملائكة، مثل قوله تعالى: فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ [الواقعة: ٨٣ - ٨٥] أقرب إليه بأيش؟ بملائكتنا، ولهذا قال: وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَمما يدل على أن القريب في نفس المكان، لكننا لا نبصره، وهؤلاء هم الملائكة، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق: ١٦] الراجح فيها أن المراد أقرب إليه بملائكتنا بدليل قوله: إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ [ق: ١٧] وهذا هو ما حققه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه؛ في مواضع من كلامه منها كلامه في شرح حديث النزول وهو مشهور متداول.
يقول: سَنَكْتُبُ مَا قَالُوالمجرد الاطلاع عليه أو للمجازاة؟ للمجازاة بدليل ما يأتي في آخر الآية.
قال: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّذكر قتل الأنبياء بغير حق مع أنهم لم يقولوا: إنا قتلنا الأنبياء، لكن ليبين أن هؤلاء اعتدوا على حق الله وعلى حق رسله وأنبيائه، فقتلوا الأنبياء بغير حق، وهو شامل لقتل الأنبياء والرسل؛ لأن كل رسول نبي. وقوله: وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّالقيد هنا قيد احترازي ولَّا قيد كاشف؟
طالب: كاشف.
الشيخ: قيد كاشف؛ يعني أن قتلهم للأنبياء بغير حق، وليس المعنى أن الأنبياء ينقسم قتلهم إلى حق وغير حق، كل قتل الأنبياء بغير حق، ومع ذلك لا يقتلون الأنبياء لشخصهم، يقتلونه لما جاء به من الحق؛ أي واحد يأتي بهذه النبوة يقتل. وقوله: الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِمتى؟
طلبة: يوم القيامة.
الشيخ: يوم القيامة؟ أو في القبر أيضًا. والقول هنا: نَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِيُقصد به الإهانة والإذلال، وإلا فإنهم سيذوقون عذاب الحريق قيل لهم ذلك أم لم يُقل، لكن من باب الإهانة، وانظر إلى الإهانة العظيمة والتهكم في قوله تعالى: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدخان: ٤٩]. يقال له وهو يُعذّب في النار: ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُإهانة له، أي: أن عزك وكرمك لم ينفعك.
وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ، في هذه الآية من الفوائد أولًا: إثبات سمع الله عز وجل؛ لقوله: لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ..