القول الراجح في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه
مدة الملف
حجم الملف :
2844 KB
عدد الزيارات 2992

السؤال:

أحسن الله إليكم وبارك فيكم فضيلة الشيخ. هذا السائل يقول: يا فضيلة الشيخ، اختلاف السلف في العقيدة في مسألة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لربه أم لا، نريد توجيهاً سديداً  في هذه المسألة مأجورين.

الجواب:


الشيخ: القول الراجح في هذه المسألة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ربه؛ لأنه نفسه صلوات الله وسلامه عليه سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: «نور أنّى أراه». وفي رواية: «رأيت نوراً». والله عز وجل قد يحتجب عن عباده بحجب النور لا يمكن اختراقها، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم نفسه نفى أن يكون رأى الله فلا يمكن بعد ذلك أن يدعي مدعٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه، وما ذكر عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه فقد قال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن عباس لم يصرح أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعينه يقظة، وأن قوله أي ابن عباس  يعني أنه رآه بفؤاده، وهو كناية عن العلم اليقيني الذي يكون في القلب حتى كأنه رآه بالعين، وما قاله شيخ الإسلام رحمه الله هو الحق، ولم يتمكن أحد في الدنيا أن يرى ربه يقظة أبداً؛ ولهذا لما قال موسى عليه الصلاة و السلام: ﴿ربِّ أرني أنظر إليك﴾ شوقاً إلى الله عز وجل، قال الله له: ﴿لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾. فعلق الرب عز و جل  على أمر مستحيل؛ لأنه يستحيل على الجبل أن يصمد على رؤية الله عز وجل وهو جبل أصم حجر غليظ قاسٍ، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً﴾. اندك الجبل أمام موسى وهو يشاهده بعينه، فصعق  عليه الصلاة والسلام من هول ما رأى، فلما أفاق قال: سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين، فشكر الله له وقال: ﴿إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين﴾. فالمهم أنه لا يمكن لأحد أن يرى الله تبارك وتعالى يقظة في الدنيا، ولن يستطيع أحد أن يثبت لذلك، أما في الآخرة  فقد دل القرآن والسنة المتواترة و إجماع الصحابة رضي الله عنهم أن الله سبحانه وتعالى يرى في الآخرة رؤية حقيقة بالعين. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلى ربها ناظرة﴾. وهذا صريح بأن الإنسان يرى ربه بالعين، إذ أن ما تحصل به الرؤيا هو العين وهي موجودة في الوجه لكن أضاف الله تعالى  النظر إلى الوجه لأن هذه النظرة إلى الرب عز وجل  يحصل بها سرور القلب ونور الوجه، حتى كأن الوجه كله ينظر إلى الله عز وجل لتأثره بهذه النظرة التي أسأل الله تعالى أن لا يحرمني وإخواني منها. ومن الأدلة على ذلك على أن الله تعالى يرى في الآخرة قول الله تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾. فالحسنى هي الجنة، والزيادة هي النظر إلى وجه الله كما فسرها بذلك أعلم الخلق بالله وآياته محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. واستدل  العلماء بقوله تعالى في أهل الجنة: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد﴾. وقالوا: إن هذا المزيد هو الزيادة التي ذكرت في الآية التي سقناها الآن، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل. واستدلوا أيضا بقول الله تبارك وتعالى  في الأبرار: ﴿على الأرائك ينظرون﴾. قالوا إنهم ينظرون لله عز وجل، وينظرون ما أعد الله لهم من النعيم لقوله في الفجار:  ﴿كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون﴾. فلما حجب الفجار  في حال الغضب جعل النظر للأبرار في حال الرضا. فهذه أربع آيات من كتاب الله، أما السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو أعلم الخلق بالله وأشدهم تنزيها لله، فقد تواترت السنة عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بثبوت رؤية الله تعالى في الجنة، حتى إن الرسول عليه الصلاة والسلام قال ذلك في وجه صريح أصرح من الشمس في رابعة النهار، حيث قال: «إنكم  سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته». وقال: «إنكم ستلقون ربكم عياناً كما ترون الشمس صحواً ليس دونها سحاب». وأما أقول الصحابة فقد أجمع الصحابة رضي الله عنهم على ثبوت رؤية الله تعالى في الآخرة، فما منهم أحد قال ولا بحرف واحد أن الله تعالى لا يرى في الآخرة، وهذه أقوالهم مأثورة في كتب السنة، ما منهم أحد نفى أن يرى الله تعالى في الآخرة، بل كلهم مجمعون على هذا، حتى إن بعض أهل العلم قال: من أنكر رؤية الله تعالى في الآخرة فهو كافر؛ لوضوح الأدلة فيها وصراحتها وإجماع الصحابة عليها وإجماع الأئمة المتبوعين عليها، ولم يرد عن أحد منهم إنكارها. أسأل الله تبارك وتعالى لي ولإخواني النظر إلى وجه الله الكريم،  وأسأل الله الهداية لمن أنكروا هذه الرؤية العظيمة  التي هي ألذ ما يجده أهل الجنة في الجنة. والله على كل شيء قدير.