ما هي البدعة ؟
مدة الملف
حجم الملف :
8078 KB
عدد الزيارات 3491

السؤال:

مستمع البرنامج ط س ع استعرضنا سؤالا له في حلقة سابقة، وفي هذا السؤال يسأل ويقول: ما هي البدعة؟

الجواب:


الشيخ:  الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، البدعة الشرعية أعني التي تكلم عنها الشرع، هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه، من عقيدة أو قول أو فعل، هذه هي البدعة، لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو يخطب في الناس يوم الجمعة:  «أما بعد، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها»، فدل هذا على أن المحدثة كل ما خالف السنة وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإذن البدعة: هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل، مثاله في العقيدة: ما ذهب إليه أهل التعطيل الذين أنكروا كثيرا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، مثاله: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ﴾، قالوا: نحن لا نتعبد لله بأن الله يجيء بنفسه، ولا نعتقد بذلك، بل عقيدتنا أن الذي يجيء أمره، فيفسرون قول الله تعالى:﴿ وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، بأن المراد: جاء أمر ربك، ويعتقدون أن الجائي هو أمر الله لا الله، هذه بدعة؛ لأن الله تعالى لما خاطبنا بقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وكان القرآن نزل بلسان عربي مبين، فإن مقتضى هذه العبارة في اللسان العربي المبين أن يكون الجائي هو الله لا غيره، ويكون المشروع لنا أن نؤمن بأن الله يجيء هو بنفسه، فإذا اعتقدنا أن الذي يجيء أمره، وأن معنى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، جاء أمر ربك هذا بدعة، وكل بدعة ضلالة، كذلك قوله تعالى:﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، معناها علا العرش، كما يليق بعظمته وجلاله، وذلك أن هذا الفعل استوى إذا عدي بعلى صار معناه العلو على الشيء، كما قال الله تعالى لنوح: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، أي: ركبت عليه، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ * لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ، أي: لتعلو على ظهوره، ثم تذكروا نعمة ربكم إذا علوتم عليه، وقال الله تعالى: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، يعني سفينة نوح، أي: استقرت عليه على الجبل المعروف بالجودي، هذا معنى هذه الكلمة في اللغة العربية، والقرآن نزل باللغة العربية: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، أي: صيرناه باللغة العربية حتى تعقلوه، ولو يتكلم الله به باللغة الفارسية وهو يخاطب العرب، لكان هذا خلاف البيان، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، فنقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾  أي: على العرش علا، لكنه ليس كعلونا على ظهور بهيمة الأنعام أو على الفلك أو كعلو السفينة على الجودي، لا؛ لأنه استواء مضاف إلى الله عز وجل، فيكون استواء يليق بجلاله وعظمته ولا يشبه، أي: ولا يماثل استواء المخلوق على المخلوق، يعني الله قال:﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾، فيأتي الإنسان ويقول: أنا لا أعتقد أن الله استوى على العرش، بمعنى علا عليه، ولكني أقول: استوى على العرش أي: استولى عليه، فأنا أؤمن بأنه مستولي على العرش لا مستوي عليه، فنقول: هذا بدعة؛ لأن الله تعالى لم يخاطبك لتؤمن بأنه مستولي على العرش، إنما خاطبك لتؤمن أنه مستوي عليه، فقد تعبدت لله بما لم يشرعه، واعتقدت في الله ما لم يرد بهذه الآية الكريمة، هذان مثالان من البدعة في العقيدة، والأمثلة عن هذا كثيرة، كل من خالف ظاهر الكتاب والسنة فيما يتعلق بصفات الله، أو فيما يتعلق بأمور الغيب عامة بدون دليل شرعي، فإنه مبتدع. وأما البدعة في الأقوال فحدث ولا حرج، كثير من الناس يبتدع أقوالاً لم تكن مشروعة، إما في القدر، أو في الجنس، أو في الوقت، أو في السبب؛ وذلك لأن العمل لا يكون عبادة حتى يوافق الشرع في أمور ستة: في جنس العمل، وفي قدره، وفي كيفيته، وفي سببه، وفي زمانه، وفي مكانه، حتى لو ذكرت الله عز وجل في غير موضع مشروع فيه الذكر لكنت مبتدعاً، لو كنت إذا أردت أن تأكل قلت لا إله إلا الله، تتعبد لله بها كما يتعبد الآكل بقوله: بسم الله، لقلنا لك: أنت مبتدع، قلت: كيف أكون مبتدعاً وأنا أذكر الله لا إله إلا الله كلمة الإخلاص؟ نقول: نعم، ليس هذا مكانها، فأنت لم توافق الشرع في مكان العبادة هذه، فتكون مبتدعاً، لو أن الإنسان ذبح أضحيته في يوم عيد قبل الصلاة متعبدا لله بذلك، مع علمه بأن المشروع في الأضحية أن تكون بعد الصلاة، لقلنا: هذا إنسان مبتدع؛ لأنه أتى بالعبادة في غير وقتها، ولو وقف بعرفة في غير يوم عرفة متعبداً لله بهذا الوقوف لقلنا: هذا مبتدع؛ لأنه أتى بالوقوف في غير زمنه، ولو حبس الإنسان نفسه على طاعة الله لكن في حجرة من بيته يريد بذلك الاعتكاف قلنا هذا مبتدع، لأن الاعتكاف إنما يكون في المساجد، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾. وكذلك الأفعال البدع فيها كثيرة حدث ولا حرج، لهذا نقول القاعدة العامة في البدعة: هي أن يتعبد الإنسان لله تعالى بما لم يشرعه من عقيدة أو قول أو فعل، فإذا قال قائل: هل كل البدع مذمومة؟ نقول: نعم، كل البدع مذمومة، لقول أعلم الخلق وأصدق الخلق وأنصح الخلق محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم:  «كل بدعة ضلالة »، «كل بدعة» هذه جملة من صيغ العموم التي هي من أقوى الصيغ، صادرة ممن هو أعلم الخلق بشرع الله وأصدق الخلق فيما يقول، وأنصح الخلق لعباد الله، وأفصح الخلق في نطقه، قال: («كل بدعة ضلالة»، ولم يقسمها إلى بدعة حسنة ولا بدعة سيئة،  كل بدعة ضلالة، والضلالة سوء بلا شك، وأعتقد أنه لو كتبت هذه الجملة في كتاب، وكتب في كتاب آخر البدعة نوعان أو ثلاثة أنواع لكان الذي يحكي الأقوال سيقول: قال فلان كل بدعة ضلالة، وقسمها فلان إلى أقسام، فجعل القول الأول مقابلاً للقول الثاني، ولم يجعل الثاني تقسيماً للأول، بل جعله قسيماً له، فإذا كان هذا يحصل في كلام العلماء بعضهم مع بعض أن من قال: «كل بدعة ضلالة» فليس هو كقول من قال: إن البدعة تنقسم إلى كذا وكذا، بل هو قول مقابل له قسيم له، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال، وهو الحاكم على كل قول من البشر قال:  «كل بدعة ضلالة»، بدون تفصيل ولا تقسيم، ولهذا نقول فيمن قسم البدعة إلى قسمين حسنة وسيئة، نقول: هذا التقسيم خطأ؛ لأنه مصادم للنص، وما صادم النص فهو فاسد مردود على صاحبه، ولهذا قال العلماء: إن القياس إذا خالف النص فهو فاسد الاعتبار، ثم نقول لهذا الذي قسم البدعة إلى قسمين أو أكثر: إما أن يكون ما ذكرته ليس ببدعة، فينتفي عنه وصف البدعة، ثم قد يكون حسناً وقد يكون سيئاً، وإما أن يكون بدعة ولكنه ليس بحسن، وظنك أنه حسن ظن خاطئ؛ لأنه مصادم للنص. فإن قال قائل: أليس قد روي عن عمر رضي الله عنه أنه حين وحد الناس في رمضان في القيام على إمام واحد خرج ذات ليلة فقال: نعمة البدعة هذه؟ قلنا: بلى، صح ذلك عن عمر ، ولكن عمر رضي الله عنه سماها بدعة باعتبار ما سبقها من تفرق الناس، وإلا فهي سنة، فقد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بأصحابه جماعة في رمضان ثلاث ليال، ثم تركها وقال: « خشيت أن تفرض عليكم »، فلما زال هذا المحظور وهو أن تفرض علينا صارت إعادتها سنة، فهو في الحقيقة تجديد سنة وليس إحداث سنة، فهي بدعة إذن باعتبار ما سبق من كون الناس يصلون أوزاعاً. فإن قال قائل: لماذا غفل عنها أبو بكر و عمر في أول خلافته؟ قلنا: لا غرابة في ذلك، أبو بكر رضي الله عنه مدة خلافته قصيرة هي سنتان وأربعة أشهر وأيام، وكان رضي الله عنه مشغولاً بشئون المسلمون التي هي أكبر من هذا، أكبر من أن يجتمعوا في رمضان على إمام واحد؛ لأن أصل قيام رمضان سنة، ثم الاجتماع عليه سنة، فهو سنة في سنة، و أبو بكر مشغول بأمور المسلمين العامة داخل المدينة وخارج المدينة، فلا غرابة أن لا تطرأ هذه على باله، لا في خلافته ولا في أول خلافة عمر ، وبهذا بطل تقسيم البدعة إلى حسنة وسيئة. فإن قال قائل: كيف نجيب عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»؟ فنقول: البدعة داخلة في قوله: « ومن سن في الإسلام سنة سيئة»، والدليل على هذا أن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «كل بدعة ضلالة »، إذاً فمن ابتدع في الدين شيئاً فقد أساء، فيدخل في الجملة الثانية: «ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة»، أما الجملة الأولى: « من سن في الإسلام سنة حسنة»، فيراد بها أمران؛ الأمر الأول: أي: من بادر إلى فعلها، فيكون السن هنا بمعنى الامتثال؛ لأن الإنسان إذا امتثل فتح الطريق للناس، ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال ذلك حين حث المسلمين على الصدقة، فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت يده أن تعجز عنها فألقاها إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: « من سن في الإسلام سنة حسنة»، وهذا واضح في أن المراد من ابتدأ العمل بأمر مشروع فإنه يعتبر ساناً له، أي: قد سن الطريق للناس أن يقتدوا به، وهذا معروف بالفطر، والعادة أن الإنسان يتأسى بغيره، وإذا رأى فلان فعل على طول فعل مثله، أو يحمل على أن المراد:  «من سن في الإسلام سنة حسنة »، أي: من سن شيئاً من الوسائل التي يكون فيها تحقيق للمصالح وسائل، لكن يكون فيها تحقيق مصالح شرعية، فهذه سنة لا شك، مثلاً سن تأليف الكتب، تأليف الكتب غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، كذلك نفس القرآن ليس مكتوباً على هيئته اليوم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أخذ من صدور الرجال، ومما كتب في عسب النخل، واللخاف وهي الحجارة الخفيفة وما أشبه ذلك، لكن جمع في مصحف في عهد عثمان في مصحف واحد، هذه سنة حسنة؛ لأنها وسيلة إلى اجتماع الناس على أمر مشروع. كذلك بناء مدارس غير موجود في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كان فيه الصفة لفقراء المهاجرين، لكن على الشكل المعهود لا، هذه من السنة الحسنة؛ لأنها وسيلة من باب الوسائل إلى تحصيل أمر مشروع، فهذا هو الذي يحمل عليه قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»، ولا يمكن أن يراد بها من شرع شريعة لم يشرعها الله ورسوله؛ لأنه لو كان هذا هو المراد لكان يناقض قوله عليه الصلاة والسلام:  «كل بدعة ضلالة»، وكلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يفسر بعضه بعضاً، وإنما أطلت في جواب هذا السؤال لأنه مهم؛ ولأن كثيراً من الناس قد تشتبه عليه بعض النصوص وكيفية الجمع بينها، فكان لابد من الإيضاح. ثم إنني في ختام هذا الجواب أقول لإخواني وأخص بذلك طلبة العلم: إذا جاءتهم نصوص مشتبهة تحتمل معانٍ متعددة، سواء كانت من القرآن أو من السنة، فإن الواجب حملها على المحكم الواضح الذي لا اشتباه فيه، فتحمل على الاحتمال الذي يوافق ذلك المحكم، وتلغى الاحتمالات الأخرى، حتى ولو كان احتمال هذا النص المشتبه لهذه الاحتمالات على حد سواء، فإن النصوص المحكمة ترجح أحد الاحتمالات، وهو ما وافق النصوص المحكمة، وهذه الطريقة أعني رد المتشابه إلى المحكم هي طريقة الراسخين في العلم المؤمنين بالله وكتبه، يقول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾،  أي: بعضه، فمن هنا للتبعيض،﴿ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، أي: لا اشتباه فيها، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي: مرجع الكتاب الذي يجب أن يرد إليه ما تشابه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فيها احتمالات، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، أي: ميل عن الحق، ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ويأتون بالمتشابه، ليضربوا القرآن بعضه ببعض، ويجعلوه متشابهاً، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، يعني وأما الراسخون في العلم ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وإيمانهم به يقتضي أن يردوا المتشابه إلى المحكم، حتى يكون محكماً، ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعني فلا تناقض فيه، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾، فهناك آيات مشتبهة، تشتبه على القارئ، قد تشتبه على طالب علم الذي لم يدرك، لكن الواجب ردها إلى المحكم، الواجب رد هذه المتشابهات إلى المحكم لتكون محكمة، ولا حاجة أن أذكر شيئاً من الأمثلة على ذلك، أخشى أن يطول بنا الوقت أكثر مما ينبغي أن يستوعبه السامع، وأسأل الله أن يميتنا على سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.