هل من السنة الوعظ في مجلس العزاء
مدة الملف
حجم الملف :
2231 KB
عدد الزيارات 12302

السؤال:

بارك الله فيكم يقول: هل يجوز أن يحضر للتعزية أحد العلماء ليحمل أهل الميت على الصبر، ويذكرهم بفناء الدنيا، ويبين لهم فوائد الصبر، ويسليهم بحيث يكون في مجلس التعزية روضة من رياض الجنة، أفيدونا أيضاًً بهذه الفقرة من سؤالي؟ 

الجواب:


الشيخ: ليس هذا من السنة أن يحضر واعظ في مجلس التعزية؛ ليعظ أهل الميت ويسمعه الحاضرون؛ بل إن الاجتماع للتعزية مكروهٌ كما صرح بذلك كثيرٌ من العلماء؛ بل أطلق بعضهم عليه أنه بدعة، لذلك نحث إخواننا المسلمين على ألا يفعلوا ذلك؛ أي ألا يجلسوا للتعزية يستقبلون الناس أولاً؛ لأن ذلك لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولا من هدي أصحابه، وثانياً أن حال هذا الجالس الذي فتح بابه للناس، أو أن لسان حاله يقول: يا أيها الناس ائتوا إلي فإني مصابٌ فعزوني، وهذا أمرٌ لا يليق بالعاقل؛ بل الإنسان المصاب ينبغي له أن يتصبر ويتحمل دون أن يقول للناس بلسان الحال أو لسان المقال تعالوا عزوني، وثالثاً؛ أن هذه المجالس قد بالغ فيها بعض الناس حتى أصبحوا يجعلونها كأنها حفل زواج تمر في بعض المناطق في البيت مضاءً بقناديل الكهرباء مفتوح الباب قد بسط بالرمل أو بالفرش وبالكراسي والناس هذا داخلٌ، وهذا خارج، وكأنهم في محفل عرس وهذا لا شك أنه ليس من السنة؛ بل إنه خلاف السنة قطعاً؛ بل إنه يجعل الناس يحسون بهذه الأمور إحساساً ظاهرياً بدنياً، يريدون أن يسلوا أنفسهم بهذه المظاهر فقط لا برجاء الثواب وتحمل الصبر؛ لأن هذه عبارة عن سرورٍ ظاهري جسدي فقط؛ لكن إذا بقي البيت على ما هو عليه وبقي أهلهم على ما هم عليه وتصابروا فيما بينهم، وحث بعضهم البعض على الصبر كان هذا هو السنة؛ ولهذا لما جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم. ولم يقل: واذهبوا إليهم واجتمعوا إليهم وكلوا معهم، إنما قال: اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم يعني عن صنع الطعام؛ لأن النفوس مهما بلغت لا بد أن يتكدر ولا سيما إذا كان المصاب جللاً عظيماً؛ لكن كون الناس يجتمعون وتصنع الولائم وتبعث إليهم أو ربما يصنعونها هم؛ فإن الصحابة يعدون صنع الطعام والاجتماع واجتماع الناس إليه من النياح؛ ولهذا نقول لإخواننا: خففوا على أنفسكم، اربئوا على أنفسكم، لا تكلفوها مثل هذه الأعمال التي لا تزيدكم إلا إيغالاً في البدعة التي لم تكن معروفة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عهد أصحابه، ونحن نقول هذا الكلام ونقول لمن سمعه: إذا كان عندك شيء من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام يؤيد هذا، فأهده إلينا، وأنت مشكورٌ على ذلك، ونحن بحول الله سننقاد له، أما إذا لم يكن عندك شيء فماذا تحدث أمراً لم يصنعه الرسول عليه الصلاة والسلام ولا أصحابه ألم تسمع قول الرسول عليه الصلاة والسلام: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور. إذاً فنقول: لا تدعو عالماً يحضر مجلس أهل الميت من أجل أن يلقي فيهم المواعظ؛ بل إذا رأينا أن بعض الناس قد بلغ به الحزن مبلغاً عظيماً، فإننا نأتي إليه واحداً من العائلة، أو واحداً من طلبة العلم المعروف عنده يأتي إليه، ويتكلم معه كلاماً عادياً في المجلس، ويقول: اتق الله اصبر احتسب؛ فإن لله ما أخذ وله ما أبقى وكل شيء عنده بأجلٍ مسمى، هذا أمرٌ مكتوب قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والمكتوب لا بد أن يقع، قال النبي عليه الصلاة والسلام: واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك. وتشددك في الحزن والبكاء لا يرفع من الأمر شيئاً؛ بل يزيد الأمر شدة، ألم تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فيأتي إنسان عادي بصفة عادية يتكلم مع هذا الذي بلغت به المصيبة مبلغاً عظيماً ويخفف عليه، وأما الاجتماع وجلب الوعاظ للوعظ وما أشبه ذلك فكل هذا من البدع.