شروط خطبة الجمعة
مدة الملف
حجم الملف :
3807 KB
عدد الزيارات 5396

السؤال:

ما الشروط التي يجب أن يأخذ بها الخطيب في خطبة الجمعة، وماذا يجب أن تشتمل عليه؟

الجواب:


الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الجواب عن هذا أن يعلم أن خطبة الجمعة خطبة عظيمة مهمة، أمر الله تعالى بالسعي إليها فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾. وأثنى الله سبحانه وتعالى على من قام بها وصلى، فقال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ وحرم النبي عليه الصلاة والسلام الكلام حال الخطبة، وأوجب الاستماع إليها، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: إذا قلت لصاحبك: أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب؛ فقد لغيت. وقال: الذي يتكلم يوم الجمعة والإمام يخطب كمثل الحمار يحمل أسفاراً، وهذا يدل على أهمية الخطبة، وأنها مما يجب الاستماع إليه، ولهذا لما دخل رجل يوم الجمعة والإمام يخطب والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، قال له: أصليت؟ قال: لا. قال: فقم فصلى ركعتين، وتجوز فيهما، فأمره أن يتجوز في الصلاة حال الخطبة، بأن لا ينشغل بتطويل الصلاة عن الاستماع للخطبة، وإذا كانت هذه أهميتها، فإن الواجب على الخطيب أن يخطب خطبة مؤثرة نافعة تعالج ما كان الناس عليه، وذلك يختلف باختلاف الأحوال والأزمان، فليراع الخطيب هذا؛ أعني يراعي ما تقتضيه المصلحة فيما يلقيه من الخطب التي يعالج بها ما كان الناس عليه؛ فمثلا إذا كان الخطيب يخطب بين يدي شهر رمضان، فإن من المناسب أن يتكلم عن أحكام الصيام، وأحكام القيام، وأحكام الزكاة؛ لأن كل هذه مما تفعل في شهر رمضان، أما الصيام والقيام، فظاهر، وأما الزكاة؛ لأن غالب الناس يخرجون زكاة أموالهم، أو على الأقل يحسبون أموالهم؛ ليعرفوا الزكاة في شهر رمضان، وإذا كان في زمن جفاف وجدب ذكّر الناس ما سبب هذا الجفاف والجدب، وأنه الذنوب والمعاصي كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وإذا كان في زمن غفلة من الناس عما ينبغي أن يقبلوا عليه من العبادة والعلم وما أشبه ذلك، ذكّرهم بما يفوتهم في هذا، وإذا كان في أيام زمن الحرب ذكّرهم بما يناسب الحال، وإذا كان في وقت يكثر فيه الوافدون إلى البلد كالبلاد السياحية أو البلاد ذات المشاعر ذكّرهم بما يناسب حال هؤلاء الوافدين، حتى يحملوا معهم إلى أقوامهم ما ينتفعون به، هذا هو أهم ما تجب مراعاته بالنسبة على الخطيب، أما آداب الخطبة فإنها كثيرة؛ منها أن يكون الخطيب قوياً في خطبته، مؤثراً منفعلاً حسب ما يسوق من المعاني، حتى يؤثر على الناس استيقاظهم، واستيعابهم لما يقول، وشد ضمائرهم وقلوبهم إليه؛ لينتفعوا بهذه الخطبة، أما أن يلقيها إلقاء كما يلقي أي كتاب يقرأه فإن هذا قد يجلب النوم للمستمعين، بخلاف الذي ينفعل ويتفاعل، ولهذا قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه وعن أبيه: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيشاً يقول: صبحكم ومساكم. وكذلك أيضا ينبغي للخطيب أن يبدأ في مقدمة الخطبة بالأهم فالأهم، فمن ذلك حمد الله عزَّ وجلَّ في أول الخطبة، وهو ركن من أركان الخطبة، فيحمد الله عزَّ وجلَّ، ويثني عليه بما هو أهله، ومن خير ما تفتح به الخطب خطبة الحاجة؛ أن الحمد لله نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتون إلا وأنتم مسلمون. ويا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. واتقوا الله الذي تسائلون به والأرحام أن الله كان عليكم رقيبا. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. ثم يأخذ في الموضوع الذي يريد أن يتحدث فيه، ويفصل بين الخطبتين بجلسة خفيفة لا طويلة، ويجعل الخطبة الثانية أقصر من الخطبة الأولى؛ لأن الناس قد يكونون لحقهم الملل والسآمة في الخطبة الأولى، فتأتي الثانية على غير استعداد تام لاستماعها، وهذه من الحكمة أن يراعي الإنسان أحوال مستمعيه، ثم أنه مما ينبغي أن يعلم أن هذه الساعة ساعة حضور الإمام، وإلقاء الخطبة، وإقامة الصلاة من أرجى ساعة يوم الجمعة في الإجابة كما رواه الإمام مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أنها من حين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة، وهذا الوقت وقت مناسب؛ لأن الناس فيه حال اجتماع، وعلى عبادة عظيمة، وفي حال تفكير، والاجتماعات كلها من أسباب إجابة الدعاء، فينبغي للناس أن يستغلوا في هذه الساعة دعاء الله عزَّ وجلَّ سواء كان ذلك بين الخطبتين أو إذا دعا الإمام الخطيب فيؤمنون على دعائه، لكن بغير رفع صوت، أو إذا كان في أثناء الصلاة في حال السجود، وبعد انتهاء التشهد الأخير، ثم أنني أنبه هنا على مسألة يفعلها بعض الإخوان رجاء ثواب الله عزَّ وجلَّ وهم مجتهدون فيما يفعلون أن الواحد منهم؛ أي من الخطباء يأتي إلى المسجد متقدماً ويصلى ما يشاء الله أن يصلي، ثم يجلس ينتظر دخول الوقت، وهذا خلاف السنة؛ فإن السنة للخطيب يوم الجمعة أن يبغي في بيته، أو في أي محل كان قبل أن يأتي للمسجد، والسنة أن لا يأتي إلى المسجد إلا حين وقت الخطبة، والصلاة كما كان رسول الله صلى عليه وآله وسلم يفعل ذلك، ولكن كأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وآله سلم، وليعلم الإمام أنه يتأخر إلى وقت مجيئه عند زوال الشمس أنه لن يحرم الأجر الذي حصل عليه من تقدم، وذلك أن من اغتسل يوم الجمعة في بيته، وخرج من بيته مغتسلاً، فأنه إذا راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، وإذا راح في الساعة الثانية كأنما قرب بقرة، وإذا راح في الساعة الثالثة كأنما قرب كبش أقرن، وإذا راح في الساعة الرابعة كأنما قرب دجاجة، وإذا راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، ثم إذا خرج الإمام طويت الصحف ولم يكتب لأحد أجر تقدم، وإن كان يدرك أجر الجمعة، ولكن يحرم أجر التقدم، أما الإمام فلا يحضر إلا عند حضور وقت الصلاة.