حكم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وبجاه الأنبياء والصالحين
عدد الزيارات 2380

 

السؤال:

 يا فضيلة الشيخ هذه رسالة وصلت من المستمع "أبو حمزة" من المدينة المنورة استعرضنا بعضًا من أسئلته بقي له سؤال مهم جداً وهو عن التوسل يقول فضيلة
الشيخ: ما حكم التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم وكذلك التوسل بالأنبياء والصالحين وأسأل عن الفرق بين التوسل بالأحياء وبين التوسل بالأموات وما التوسل الجائز؟

الجواب:


الشيخ: الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، الحقيقة أن هذا السؤال كما ذكرت سؤال مهم ينبغي البسط في الإجابة عليه، فأقول: التوسل هو اتخاذ وسيلة لبلوغ الغاية المقصودة، وهو قريب من معنى التوصل؛ يعني أن الوسيلة للشيء الذي يوصل إلى المقصود، ولا بد أن تكون الوسيلة موصلة إلى المقصود حساً أو شرعاً، فإن لم تكن كذلك كان التشاغل بها من العبث، ثم إن كانت في مقام التعبد، كانت بدعة وإلا كانت لغواً وعبثاً، والتوسل إلى الله عزَّ وجلَّ كله من باب العبادة؛ لأن المقصود الوصول إلى الله عزَّ وجلَّ وإلى مرضاته، وما كان وسيلة إلى هذا، فهو عبادة، وإذا كان عبادة فإنه يتوقف على ما جاءت به الشريعة، ولا يجوز أن نحدث وسيلة لم تأت بها الشريعة؛ أي لا يجوز أن نحدث وسيلة إلى الله عزَّ جلَّ لم تأت بها الشريعة، وعلى هذا نقول: التوسل نوعان؛ توسل ممنوع، وتوسل جائز مشروع، أما التوسل الممنوع: فضابطه أن يتوسل الإنسان إلى الله بما لم يثبت شرعاً أنه وسيلة، فمن ذلك التوسل بالأموات، فإنه محرم، وربما يكون شركاً أكبر مخرج عن الملة، ومن ذلك أيضاً أن يتوسل الإنسان بجاه النبي صلى الله عليه وسلم على القول الراجح، وذلك لأن جاه النبي صلى الله عليه وسلم من أعظم الجاهات عند الله عزَّ وجلَّ، فإذا كان موسى وعيسى من الوجهاء عند الله، فمحمد صلى الله عليه وسلم أفضل وأولى بالجاه من غيره، ولكن الجاه لا ينتفع به إلا من استحق، وأما الداعي فلا ينتفع به؛ لأنه لا يستفيد منه شيئاً، والنبي عليه الصلاة والسلام منزلته عند الله إنما تكون نافعة له وحده، أما غيره فلا ينفع عند الله إلا الإيمان بالرسول عليه الصلاة والسلام، وبما جاء به، وما كان وسيلة شرعية، وأما النوع الثاني: وهو التوسل الجائز، فإنه أقسام: الأول: التوسل إلى الله بأسمائه؛ مثل أن تقول: اللهم إني أسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا أن تغفر لي مثلاً، فهذا جائز قال اللهتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ وفي حديث ابن مسعود المشهور في دفع الهم والغم أسألك اللهم بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي إلى آخره، فهنا قال: أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، الحديث فالتوسل إلى الله بأسمائه توسل صحيح مشروع، سواء توسلت بأسمائه عموماً؛ مثل أن تقول: أسألك بأسمائك الحسنى، أسألك بكل اسم هو لك، أو باسم معين من أسمائه، كما لو قلت: اللهم أنت غفور رحيم، فاغفر لي وارحمني، الثاني: التوسل إلى الله بصفاته؛ مثل أو كما جاء في الحديث: اللهم بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحييني إذا علمت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خيرًا لي، فهنا سأل الله بصفة من صفاته؛ بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق، ومنه توسل الاستخارة: اللهم إني استخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، الثالث: التوسل إلى الله بأفعاله بأن تتوسل بفعل من أفعال الله تعالى فعله لغيرك؛ ليجعل لك مثل ما فعل في غيرك، ومن ذلك: اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، فهنا توسلنا إلى الله بفعل من أفعاله، وهو صلاته على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم أن يصلي على محمد وعلى آل محمد، الرابع: التوسل إلى الله بالإيمان به ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ فتقول: اللهم إني أسألك بالإيمان بك وبرسولك أن تغفر لي، وأن تؤمنني من الفزع الأكبر يوم الدين، وما أشبه ذلك، الخامس: التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة بأن يتوسل الإنسان بعمل صالح إلى الله عزَّ وجلَّ؛ ليؤديه ما أراد، ومن ذلك قصة أصحاب الغار الثلاثة الذين انطبقت عليهم صخرة، وهم في الغار، ولم يستطيعوا زحزحتها، فتوسلوا إلى الله تعالى بأعمالهم الصالحة؛ توسل أحدهم ببر والديه، وتوسل الثاني بعفته عن الزنا، وتوسل الثالث بوفائه بأجر صاحبه؛ أي بأجرة صاحبه، فقبل الله منهم، وانفرجت الصخرة، وخرجوا يمشون، الثالث: التوسل إلى الله عزَّ وجلَّ بدعاء الصالحين؛ ومن ذلك طلب الصحابة رضي الله عنهم من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لهم؛ مثل طلب الرجل الذي دخل، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعو الله يغيثنا، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم، فأغاثهم الله، وكذلك قول عكاشا بن محصن حين تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، فقال: يا رسول الله ادعو الله أن يجعلني منهم، قال: أنت منهم. هذا هو التوسل المشروع بالنسبة إلى الصالحين أن تتوسل إلى الله بدعائهم، أما أن تتوسل إلى الله بذواتهم، هذا من التوسل غير المشروع، بل من التوسل الممنوع، والثابت أن يتوسل إلى الله عزَّ وجلَّ بنية حاله، وهذا هو التعطف والتحنن؛ أي طلب العطف وطلب الحنان، ومن ذلك قول موسى عليه الصلاة والسلام ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ فتقول: اللهم إني فقير عاجز معدم ضعيف، وما أشبه ذلك، فتشكو حالك إلى الله، فهذه الصفات تعتبر وسيلة إلى رحمة الله ومغفرته ومنته، هذه هي الأقسام المشروعة في التوسل، وأما التوسل بغير ما ورد فإنه يكون من التوسل الممنوع والله أعلم.