تفسير آيات من سورة النجم
مدة الملف
حجم الملف :
8365 KB
عدد الزيارات 911

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين. أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثاني والسبعون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح، التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو السابع والعشرون من شهر رجب عام (1418هـ).

نبتدئ هذا اللقاء بما كنا نعتاده من تفسير لكلام الله عز وجل، وإني أحثكم على الحرص على تدبر القرآن ومعرفة معناه؛ لأنه إنما أنزل لهذا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص:29]. 

تفسير قوله تعالى: ﴿ذلك مبلغهم من العلم...﴾

لقد انتهينا إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [النجم:30] في سورة النجم؛ أي: (ذلك) والمشار إليه كونهم متولين معرضين لا يريدون إلا الحياة الدنيا؛ أي: ذلك منتهى بلوغ علمهم؛ لأن علمهم قاصر لا ينظرون إلى المستقبل ولا يصدقون بخبر. فتجد أكبر همهم أن يصلحوا حالهم في الدنيا، معرضين عن حالهم في الآخرة ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ﴾[النجم:30] وفي الدعاء المأثور «اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا». ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم:30] هو أعلم عز وجل بمن ضل عن سبيله فعلاً ومن سيضل؛ لأنه عالمٌ بما كان وما يكون، فقوله: (بمن ضل) لا تعني أنه لا يعلم إلا من حصل منه الضلال بالفعل، بل هو يعلم من حصل منه الضلال بالفعل ومن سيحصل منه؛ لأن الله سبحانه وتعالى موصوفٌ بالعلم التام في الحاضر والمستقبل والماضي، وقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم:30] ضد الضلال، فالناس بين فئتين: إما مهتدٍ، وإما ضال، وإنما بيّن الله سبحانه وتعالى أنه (أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) لفائدتين:

الفائدة الأولى: أن نعلم أن ما وقع من الضلال والهداية فهو صادرٌ عن علم الله وبإرادته؛ إذ لا يمكن أن يوجد في خلقه خلاف معلومه، لو قدر أن يوجد في خلقه خلاف معلومه لكان الله جاهلاً وحاشاه من ذلك.

الفائدة الثانية: التحذير من الضلال والترغيب في الاهتداء. ما دام أن الإنسان يعلم أن أي عملٍ صدر منه فعلمه عند الله فإنه سوف يخشى أن يعصي الله، وسوف يرضى أن يرضي الله عز وجل، فإذاً الفائدة أمران:

الأولى: أنه لا يحصل شيء في الكون إلا بعلم الله سبحانه وتعالى.

والثانية: الترغيب في الهداية أو في الاهتداء والترهيب من الضلال؛ أي: كأنه يقول: إن ضللت فالله عالمٌ بك، وإن اهتديت فالله عالمٌ بك، فيجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ﴿ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى﴾ [النجم:30].

تفسير قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي...﴾ :

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [النجم:31] يقول علماء البلاغة: إنه إذا تقدم ما حقه التأخير فهو دليلٌ على الحصر والتخصيص، ولننظر في هذه الآية هل فيها تأخير وتقديم؟ (لله ما في السماوات وما في الأرض) (لله) خبر مقدم، و(ما في السماوات) مبتدأ مؤخر. إذاً قدم فيها ما حقه التأخير وهو الخبر؛ لأن حق الخبر أن يكون متأخراً عن المبتدأ تقول: الرجل قائمٌ، ولا تقل: قائمٌ الرجل. فالأصل أن المبتدأ على اسمه يكون هو الأول والخبر هو الثاني، لكن أحياناً يقدم الخبر لفائدة. فهنا الفائدة: (ولله ما في السماوات) والفائدة الحصر، والحصر يعني: لله لا لغيره (ما في السماوات وما في الأرض) ولا أحد يملك ما في السماوات وما في الأرض إلا الله تبارك وتعالى، نحن نملك ما نملك من أموالنا لكن هل ملكنا عام؟ ليس عاماً، حقيبتي ليست حقيبة لك، وحقيبتك ليست حقيبةً لي، فأملاكنا ليست عامة. ثم هل نحن نملك التصرف بما هو ملكنا كما نشاء! لا. تصرفنا محدود حسب الشريعة، ولهذا لو تراضى اثنان في بيع الربا قلنا: إنكما لا تملكان ذلك، لو أراد الإنسان أن يحرق ماله قلنا: هذا ممنوع. إذاً: ملك غير الله قاصر غير شامل، وملك غير الله قاصر حتى بالتصرف، الواحد منا لا يملك أن يتصرف في ماله كما يشاء؛ لأن تصرفنا في المال محدود حسب ما جاءت به الشريعة. إذاً: الملك التام الواسع الشامل لله عز وجل؛ ولهذا قال: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى:49] فهو مالكٌ لذواتهما، مالكٌ لما فيهما أيضاً، وكم من ملك في السماوات؟ كم من مخلوقٍ في الأرض؟ كله ملكٌ لله عز وجل يتصرف فيه كما يشاء، حسب ما تقتضيه حكمته، وإيماننا بأن الله ملك السماوات والأرض يفيد أيضاً فائدتين عظيمتين:

الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله عز وجل لو قضى عليك مرضاً لا تعترض، ولو قضى عليك فقراً لا تعترض؛ لأنك ملكه يتصرف فيك كيف يشاء، فهو كما يتصرف في السحاب يمطر أو لا يمطر، يمضي أو لا يمضي، ويتصرف في الشمس والقمر، ويتصرف في المخلوقات، يتصرف فيك أيضاً كما يشاء، إن شاء أعطاك صحة وإن شاء سلبها، إن شاء أعطاك عقلاً وإن شاء سلبه، إن شاء أعطاك مالاً وإن شاء سلبك، أنت ملكه، فإذا آمنت بهذا رضيت بقضائه.

الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبول شرعه والقيام به؛ لأنك ملكه، قال لك: افعل افعل، قال: لا تفعل لا تفعل، أرأيت لو كان لك ملك عبد رقيق فأمرته ولكنه لم يفعل، هل تعتقد أن سيادتك تامة عليه؟ لا. أو نهيته ففعل فالسيادة ناقصة.

إذاً: أنت إذا عصيت ربك إما بفعل المحرم وإما بترك الواجب. فإنك خرجت عن مقتضى العبودية التامة؛ لأن مقتضى العبودية التامة أن تخضع لشرعه كما أنك خاضعٌ كرهاً أو طائعاً لقضائه وقدره، وليس معنى قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشورى:49] أن يخبرنا أنه مالك فقط، لكن من أجل أن نعتقد مقتضى هذا الملك، وما هو مقتضاه؟ الرضا بقضائه والرضا بشرعه، فهذا حقيقة الملك. ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:31] انظر جاءت كلمة (ليجزي) كأن قائلاً يقول: وإذا تبين أن الملك لله فما النتيجة؟ أن الناس بين محسن وبين مسيء، كما قال عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن:2] إذا كانوا بين محسن ومسيء فما جزاء كل واحد؟ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا [النجم:31] (الذين أساءوا) وهم الذين خالفوا المأمور أو ارتكبوا المحذور، هذا هو الضابط، هؤلاء أساءوا، (ليجزيهم بما عملوا) السيئة بالسيئة لا تزيد، أو يعفو عز وجل عمن يستحق العفو، وهو كل من مات على غير الشرك فهو مستحق للعفو ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:48] المهم أنه لا يمكن أن يزيد سيئة لم يعملها الإنسان؛ ولهذا قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم:31] بدون زيادة ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:31] ولم يقل: بما عملوا؛ لأن فضل الله أوسع من أعمالهم ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:31] أنت إذا فعلت حسنة تكون عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة. انظر الآن مثلاً صلاة الظهر بقي لها ثلث ساعة عندما تتوضأ وتسبغ الوضوء ثم تخرج من الصلاة لا يخرجك من بيتك إلا الصلاة فما الثمرات التي تحصل عليها؟ كل خطوة تخطوها يرفع الله لك بها درجة ويحط عنك بها خطيئة، كم عدد الخطوات؟ لا يحصيها إلا الله عز وجل، مع أن المقصود شيء واحد وهو الصلاة، لكن سعيك إلى الصلاة فيه أجر. ما دمت خرجت من بيتك لا يخرجك إلا الصلاة وتأهبت في بيتك، وأسبغت الوضوء في بيتك، فأنت لا تخطو خطوة إلا رفع الله لك بها درجة وحط عنك بها خطيئة، وهذه الخطوات لا يحصيها إلا الله. ثم إذا وصلت المسجد وصليت ما شاء الله ثم انتظرت الصلاة ولو تأخر مجيء الإمام عن صلاة الجماعة يكتب لك أجر المصلي «لا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة» أليس هذا أحسن من أعمالنا! بلى; ولهذا قال: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ [النجم:31] ;أي: بما هو أحسن وأكثر من عملهم، وهذا يدلك على سعة فضل الله عز وجل وإحسانه وكمال أدبه، فالمسيئون يجازيهم بالعدل أو يعفو، والمحسنون يجازيهم بالفضل.

تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم ...﴾:

ثم ذكر شيئاً من صفاتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:32] (الذين يجتنبون)؛ أي: يبتعدون عنه، وسمي الابتعاد اجتناباً؛ لأن الإنسان يقع في جانب والذي أبعد عنه يقع في جانبٍ آخر، فيبتعدون ولا يتصلون بكبائر الإثم والفواحش. (إلا اللمم) كبائر الإثم هي الكبيرة؛ لأن (كبائر) جمع كبيرة، والكبيرة بعض العلماء عدها، وبعض العلماء حدها، والصواب الحد؛ أي: أنها محدودة وليست معدودة.والذين ذكروها حداً الظاهر -والله أعلم- أنهم أرادوا المثال، فمثلاً: إذا قال الإنسان هي: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، هذه سبع، إذا قال الإنسان: هذه الكبائر، ليس معنى قوله: إنها محصورة في هذا. إذ من الممكن أن يحمل كلامه على أن ذلك على سبيل التمثيل فقط. أما الذين حدوها -أي: جعلوا لها ضابطاً- فقالوا في ضابطها: كل ذنبٍ رتب الله عليه لعنة، أو غضب، أو سخط، أو تبرأ منه، أو ما أشبه ذلك فهو كبيرة.ورأيت لبعضهم ومنهم شيخ الإسلام رحمه الله أنه قال: كل ذنبٍ جعلت له عقوبة خاصة إما في الدنيا أو في الآخرة فهو كبيرة، وعلى هذا فالزنا فيه عقوبة وهو الجلد أو الرجم، والسرقة كبيرة، قطع الطريق كبيرة، وعقوق الوالدين كبيرة، وهلم جراً، كلما رأيت شيئاً من الذنوب جعل الشارع له عقوبة خاصة فهو كبيرة.

أما الذنب الذي نهي عنه فقط فهو صغيرة، كنظر الرجل مثلاً للأجنبية لشهوة هذا ليس كبيرة، هو صغيرة من الصغائر، لكن إن أصر الإنسان عليه وصار هذا ديدنه صار كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة.

فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله عز وجل، وأنه غير مبال بما حرم الله.

إذاً:كبائر الإثم: كل ذنبٍ رتب الشارع عليه عقوبة خاصة إما في الدنيا وإما في الآخرة، وأما ما حرمه وسكت ولم يذكر له عقوبة خاصة بل دخل في العموم فهذا من الصغيرة، ولكن الصغائر إذا أصر عليها صارت كبيرة من حيث الإصرار.

وقوله: (والفواحش) هذه كبائر الكبائر؛ لأن الكبائر منها ما هو فاحش يستفحش ويستعظم ويستقبح بشدة، ومنها ما هو دون ذلك، فمثلاً: الزنا فاحشة، قال تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:32] واللواط فاحشة أعظم من الزنا؛ لأن الله قال في الزنا: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:32] وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [الأعراف:80] فأتى بـ(أل) الدالة على القبح، وأنها جامعة لكل أنواع الفواحش. نكاح المحارم فاحشة، قال الله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [النساء:22] فهو أشد من الزنا؛ أي: لو زنا الإنسان بامرأة أجنبية منه، وبأم زوجته مثلاً، صار الثاني أعظم وأشد وأشنع؛ ولهذا كان القول الراجح من أقوال العلماء: أن من زنا بامرأة من محارمه وإن لم يكن محصناً فإنه يرجم؛ يعني: الزنا بذوات المحارم ليس فيه جلد ما فيه إلا الرجم؛ لأن الله فرق بين الزنا وبين نكاح ذوات المحارم. نكاح ذوات المحارم وصفه بوصفين: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ [النساء:22] والزنا وصفه بوصف واحد وهو: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:32]. وجاءت السنة للتفريق بينهما -أي: بين من زنا بامرأة من محارمه أو بامرأة أجنبية- فجعلت حد الأول القتل بكل حال وإن لم يتزوج، وإن لم يكن ثيباً؛ لأن هذا أعظم -والعياذ بالله- إنسان يزني بأمه أو أخته أو أم زوجته أو بنت زوجته التي دخل بها، هذا فاحشة عظيمة.

إذاً: (يجتنبون كبائر الإثم والفواحش) قلنا: الفواحش كبائر الكبائر أعظم. لكن هل نأخذ من هذه الآية أن الكبائر تختلف والفواحش تختلف؟ نعم نأخذ من الآية أنها تختلف؛ لأن الكبائر وصف كلما كان أعظم صار أشد كبيرة، والفواحش كذلك، ولهذا سمعتم ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً﴾ [النساء:22] .﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء:32] ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف:80] فرق الله مع أنها كلها فواحش لكن بعضها أعظم من بعض. ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم:32] قيل: إنه استثناء متصل، وقيل: إنه استثناء منقطع؛ لأن اللمم الشيء القليل، فهل المعنى: إلا الشيء القليل من الكبائر؛ أي: أنهم يأتون الشيء القليل من الكبائر، أو المعنى: إلا الصغائر من الذنوب؟ إن قلنا بالأول فالاستثناء متصل، وإن قلنا بالثاني فالاستثناء منقطع، وتكون (إلا) بمعنى: لكن، والمعنى الثاني أقرب من حيث التقسيم؛ لأن الله ذكر الكبائر والفواحش والصغائر، وعلى هذا فيكون معنى: (إلا اللمم)؛ أي: إلا أن هؤلاء الذين أحسنوا يأتون الصغائر، والصغائر -والحمد لله- مكفرة بالحسنات، قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء:31] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «أن الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»وقال عليه الصلاة والسلام: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» وعلى هذا فيكون المعنى: أن الصغائر تقع مكفرة إما باجتناب الكبائر، أو باجتناب الكبائر مضموماً إليها فعل هذه الحسنات العظيمة؛ الصلوات الخمس، الجمعة إلى الجمعة، رمضان إلى رمضان.

والخلاصة: أن الصغائر تكفر عن الإنسان منها إذا اجتنب الكبائر، وإذا أحسن في الصلوات الخمس والجمعة ورمضان. قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم:32] في هذه الجملة إشارة إلى قوله: (إلا اللمم)؛ أي: أن اللمم يقع في سعة مغفرة الله عز وجل فيغفره الله، والمغفرة: هي ستر الذنب مع التجاوز عنه، أن الله يستر عليك الذنب ويتجاوزه، ولا يكفي ستر الذنب بل لا بد من تجاوزه، والدليل على هذا أمران: لغوي، وسمعي: أما اللغوي: فلأن المغفرة مشتقة من المغفر؛ والمغفر: هو ما يوضع على الرأس عند القتال ويسمى خوذة، ويسمى بيضة، يوضع على الرأس من أجل أن يتقي السهام، هذا الذي وضع على الرأس جمع بين أمرين: الوقاية والستر، فإذاً: المغفرة لا بد من ستر ووقاية. أما السمعي: فهو قوله تبارك وتعالى إذا خلا بعبده المؤمن يوم القيامة وقرره بذنوبه وأقر قال: «قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم» فدل هذا على أن الوقاية من الذنوب وعدم المؤاخذة من المغفرة.

نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ولكم ما تقدم من ذنوبنا وما تأخر إنه على كل شيء قدير.