تفسير آيات من سورة الطور
مدة الملف
حجم الملف :
4559 KB
عدد الزيارات 763

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فهذا هو اللقاء الستون بعد المائة من لقاءات الباب المفتوح التي تتم كل يوم خميس، وهذا الخميس هو الحادي والعشرون من شهر صفر عام (1418هـ). ونبتدئ به كالعادة بما تيسر من الكلام على آيات من كتاب الله عز وجل.

تفسير قوله تعالى: (إن المتقين في جنات ونعيم): 

انتهينا فيما سبق إلى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:17] هذه الجملة خبرية مؤكدة بـ(إن)، وسوف أشرح لكم التوكيد: إذا قلت مثلاً: العلم نافع، هذه جملة خبرية خالية من التوكيد، فإذا قلت: إن العلم نافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكد واحد وهو (إن) فإذا قلت: إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بمؤكدين: (إن، واللام) فإذا قلت: والله إن العلم لنافع، فهذه جملة خبرية مؤكدة بثلاثة مؤكدات وهي: (القسم، وإن، واللام) والتوكيد أسلوب من أساليب اللغة العربية مستعمل عند العرب، وهذا القرآن نزل بلغة العرب.

ففي الواقع أن خبر الله عز وجل لا يحتاج إلى توكيد؛ لأنه أصدق القول، فالله عز وجل إذا أخبر بخبر فإنه لا يحتاج إلى أن يؤكد؛ لأن خبر الله صدق، لكن لما كان القرآن العظيم نزل بلسانٍ عربي صار جارياً على ما كان يعرفه العرب في لغتهم.

وهنا أكد الله عز وجل هذه الجملة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:17] بـ (إن) أي: بمؤكد واحد. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:17] المتقون: هم الذين قاموا بطاعة الله امتثالاً لأمره واجتناباً لنهيه.

إذاً التقوى: طاعة الله بامتثال أمره واجتناب نهيه، فالذي يصلي امتثالاً لأمر الله نقول: هو متقٍ بصلاته، والذي يدع الزنا نقول: هو متقٍ بترك الزنا، وإنما سمي ذلك تقوى؛ لأنه وقاية من عذاب الله، فإن الإنسان إذا قام بطاعة الله فقد اتخذ وقاية من عذاب الله عز وجل، هؤلاء المتقون يقول الله عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:17] و(جنات) جمع جنة وهي: الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين في الآخرة، بدليل قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133] نحن قلنا: التي أعدها الله تعالى لعباده في الدار الآخرة فهل يمكن أن تكون في الدنيا؟ نقول: أما بالنسبة لدخول الجنة التي هي الجنة فهذا لا يمكن في الدنيا.

أما بالنسبة لكون الإنسان يأتيه من نعيم الجنة ما يأتيه، فهذا يمكن، وذلك في القبر إذا سئل الإنسان: عن ربه ودينه ونبيه، فأجاب بالصواب فإنه يفرش له فراش من الجنة، ويفتح له باب إلى الجنة، ويفسح له في قبره مد البصر.

إذاً. (جنات) جمع جنة وهي الدار التي أعدها الله للمتقين في الآخرة، وجمعها؛ لأنها أنواع ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن أربعة أنواع: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:46] ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن:62] إذاً: هذه أربع، وتختلف هذه الجنان الأربع فيما جاء في وصفها في سورة الرحمن.

يقول عز وجل: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ﴾ [الطور:17] (نعيم) أي: نعيم البدن ونعيم القلب، فهم في سرور دائم، وهم في صحة دائمة، وهم في حياة دائمة، فجميع أنواع النعيم كاملة لهم.

نسأل الله أن يجعلنا وإياكم منهم. 

تفسير قوله تعالى: (فاكهين بما آتاهم ربهم...): 

قال تعالى: ﴿فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ﴾ [الطور:18] (فاكهين) الفاكه: هو المسرور، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ [المطففين:31] أي: مسرورين. (بما آتاهم ربهم) أي: بما أعطاهم ربهم من النعيم.

﴿وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [الطور:18] فحصلوا على السلامة من الشرور بوقاية الجحيم، وعلى تمام السرور في جنات النعيم.

تفسير قوله تعالى: (كلوا واشربوا هنيئاً...): 

قال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:19] (كلوا) نعربه على أنه فعل أمر، وهذا الأمر أمر تكريم لا أمر تكليف؟ فالأمر هنا للتكريم أي: يقال لهم: كلوا واشربوا، كلوا من كل ما في الجنة من النعيم، ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾ [الرحمن:52]، ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن:68] وفيها من كل النعيم.

واشربوا مما فيها من أنهار، وأنهار الجنة أربعة ذكرها الله تعالى في سورة القتال، وهي في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾ [محمد:15]. هذه أربعة:

﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد:15] معنى: (غير آسن) أي: غير متغير، المياه في الدنيا إذا لم يأتها ما يمدها وبقيت راكدة لا بد أن تتغير فتكون آسنةً، لكن ماء الجنة لا يتغير (غير آسن).

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد:15] اللبن في الدنيا إذا بقي يتغير ويفسد، لكن في الآخرة لا.

﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:15] خمر الدنيا فيه رائحة كريهة، ثم فيه أنه يقلب العاقل إلى مجنون، وفيه أيضاً الصداع، وخراب المعدة، لكن في الجنة لا ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ [محمد:15] وقد قال الله تعالى في سورة الصافات: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات:47].

﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ [الطور:19] الهنيء: هو الذي لا يكون له عاقبة سيئة، ولا تبعة من تجاوز أو إسراف.

﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:19] أي: بسبب ما كنتم تعملون، فالباء هنا للسببية، وليست الباء للعوض، أقول هذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» وهنا قال: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطور:19] فجعل الله تعالى ذلك بسبب العمل.

فقال بعض العلماء: كيف يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل الجنة أحد بعمله» مع أن الله يقول: (بما كنتم تعملون)! والجواب على هذا الإشكال أن يقال: الباء تأتي للسببية، وتأتي للبدلية، فإذا قيل: دخل الرجل الجنة بعمله، فالمعنى: السببية، وإذا قيل: (لن يدخل الجنة أحد بعمله) فالمعنى: البدلية، وأضرب مثلاً يبين هذا: بعتك الثوب بدرهم، الباء للبدلية؛ لأن الدرهم صار عوضاً عن الثوب، هذه للبدلية، وإذا قلت: أدبت الولد بعبثه، هذه للسببية، إذاً: كلنا لن يدخل الجنة بعمله؛ لأن الله سبحانه وتعالى لو حاسبنا على عملنا ما قابل عملنا نعمة من نعم الله.

النفس الآن الذي هو من ضرورة الحياة، يخرج منك ويدخل بدون تعب ومشقة، وكم يتنفس الإنسان في الدقيقة؟ كثيراً، ولو أننا حوسبنا على أعمالنا بالمعاوضة، والمبادلة، لكانت نعمة واحدة تستوعب جميع العمل، ونحن الآن لا نحس بنعمة النفس، لكن لو أصيب أحد منا بكتم النفس لوجد أن النفس من أكبر نعم الله، لذلك نقول: إن الباء في قوله: (﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للسببية وليست للبدلية.

وفي قوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ شمول لكل العمل: عمل الجوارح والقلب واللسان.

فالجوارح هي: الأفعال كالركوع والسجود، والأقوال: كالأذكار، والقلوب: كالخوف، والرجاء، والتوكل، وما أشبه ذلك، فكل هذه تسمى أعمالنا.