تفسير سورة التكاثر
مدة الملف
حجم الملف :
5672 KB
عدد الزيارات 1582

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فهذا هو اللقاء الثامن والتسعون من لقاء الباب المفتوح الذي يتم كل يوم خميس من كل أسبوع، وهذا هو الخميس الثامن من شهر صفر عام (1416هـ).

تفسير قوله تعالى: ألهاكم التكاثر:

نفتتح هذا اللقاء بما انتهينا إليه من تفسير جزء سورة النبأ، حيث وصلنا إلى سورة التكاثر يقول الله -عز وجل-: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۞ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:1-2] هذه الجملة جملة خبرية، يخبر الله -عز وجل- بها العباد مخاطباً لهم يقول: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ[التكاثر:1] ومعنى (ألهاكم) أي: شغلكم حتى لهوتم عما هو أهم من ذكر الله تعالى والقيام بطاعته.

والخطاب كما تعلمون لجميع الأمة، إلا أنه يخصص بمن شغلتهم أمور الآخرة عن أمور الدنيا وهم قليل، وإنما نقول: هم قليل؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن الله -تبارك وتعالى- يقول يوم القيامة: «يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون» واحد في الجنة والباقي في النار، وهذا عدد هائل إذا لم يكن من بني آدم إلا واحد من الألف إلى الجنة والباقون من أهل النار، إذاً فالخطاب بالعموم في مثل هذه الآية جارٍ على أصله؛ لأن الواحد من الألف ليس بشيء بالنسبة إليهم.

وأما قوله: ﴿التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:1] فهو يشمل التكاثر بالمال، والتكاثر بالقبيلة، والتكاثر بالجاه، والتكاثر بالعلم، وبكل ما يمكن أن يقع فيه التفاخر، ويدل لذلك قول صاحب الجنة لصاحبه: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً﴾ [الكهف:34] فالإنسان قد يتكاثر بماله فيطلب أن يكون أكثر من الآخر مالاً وأوسع تجارة، وقد يتكاثر الإنسان بقبيلته، يقول: نحن أكثر منهم عدداً كما قال الشاعر:

ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
أكثر منهم حصى؛ لأنهم كانوا فيما سبق يعدون الأشياء بالحصى، فمثلاً: إذا كان هؤلاء حصاهم عشرة آلاف والآخرون حصاهم ثمانية آلاف صار الأول أكثر وأعز، فيقول الشاعر:

ولست بالأكثر منهم حصى *** وإنما العزة للكاثر

كذلك يتكاثر الإنسان بالعلم، فتجده يفخر على غيره بالعلم، لكن إن كان بالعلم الشرعي فهو خير، وإن كان بالعلم غير الشرعي فهو إما مباح وإما محرم، المهم أن مما يقع فيه التكاثر العلم، وهذا هو الغالب على بني آدم التكاثر فيتكاثرون في هذه الأمور عما خلقوا له من عبادة الله -عز وجل-.

تفسير قوله تعالى: حتى زرتم المقابر:

قال تعالى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:2] يعني: إلى أن زرتم المقابر، يعني: إلى أن متم، فالإنسان مجبول على التكاثر إلى أن يموت، بل كلما ازداد به الكبر ازداد به الأمل، فهو يشيب في السن، ويشب في الأمل، حتى إن الرجل له تسعون سنة مثلاً تجد عنده من الآمال وطول الأمل ما ليس عند الشاب الذي عمره خمس عشرة سنة.

هذا معنى الآية الكريمة، أي: أنكم تلهوتم بالتكاثر عن الآخرة إلى أن متم، وقيل إن معنى: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:2] حتى أصبحتم تتكاثرون بالأموات كما تتكاثرون بالأحياء، فيأتي الإنسان فيقول: أنا قبيلتي أكثر من قبيلتك، وإذا شئت فاذهب إلى القبور، عد القبور منا وعد القبور منكم فأيهم أكثر، لكن هذا قول ضعيف، بعيد من سياق الآية، والمعنى الأول هو الصحيح، هو أنكم تتكاثرون إلى أن تموتوا. وقوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:2] استدل به عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: على أن الزائر لا بد أن يرجع إلى وطنه، وأن القبور ليست بدار إقامة.

وكذلك ذكر عن بعض الأعراب أنه سمع قارئاً يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ [التكاثر:1-2] فقال: والله لنبعثن؛ لأن الزائر كما هو معروف يزور ويرجع فقال: والله لنبعثن، وهذا هو الحق، وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها، يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أن هذا كلام باطل وكذب؛ لأن القبور ليست هي المثوى الأخير.

بل لو أن الإنسان اعتقد مدلول هذا اللفظ لصار كافراً بالبعث، والكفر بالبعث ردة عن الإسلام، لكن كثيراً من الناس يأخذون الكلمات ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثة عن الملحدين الذين لا يقرون بالبعث بعد الموت.

تفسير قوله تعالى: كلا سوف تعلمون.:

قال الله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ۞ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:3-4] قيل: إن كلا بمعنى: الردع، يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: أنها بمعنى حقاً، ومعنى: (سوف تعلمون) أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم إذا رجعتم إلى الآخرة، وأن هذا التكاثر لا ينفعكم، وقد جاء في الحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم: «أن العبد يقول: مالي مالي -يعني يفتخر به- وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت» والباقي تاركه لغيرك، وهذا هو الحق، الآن أموالنا التي بين أيدينا إما أن نأكلها فتفنى، وإما أن نلبسها فتبلى، وإما أن نتصدق بها فنمضيها وتكون أمامنا يوم القيامة، وإما أن نتركها لغيرنا، لا يمكن أن يخرج المال الذي بأيدينا عن هذه القسمة الرباعية ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:3] أي: سوف تعلمون عاقبة أمركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخرة.

﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر:4] وهذه الجملة تأكيدٌ للردع مرة ثانية.

تفسير قوله تعالى: كلا لو تعلمون علم اليقين:

ثم قال تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:5] يعني: حقاً لو تعلمون علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال، ولكنكم لا تعلمون علم اليقين؛ لأنكم غافلون، لاهون في حديث الدنيا، ولو علمتم علم اليقين لعرفتم أنكم في ضلال وفي خطأ عظيم.

تفسير قوله تعالى: لترون الجحيم:

قال تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ  ۞ ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:6-7] (لترون) هذه جملة مستقلة ليست جواب لو، ولهذا يجب على القارئ أن يقف عند قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:5] ونحن نسمع كثيراً من الأئمة الذين عندهم علم يصلون فيقولون: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۞ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:5-6] وهذا الوصل إما غفلة منهم ونسيان، وإما أنهم لم يتأملوا الآية حق التأمل، وإلا لو تأملوها حق التأمل لوجدوا أن الوصل يفسد المعنى؛ لأنه إذا قال: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۞ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:5-6] صار رؤية الجحيم مشروطة بعلمهم، وهذا ليس بصحيح، لذلك يجب التنبه والتنبيه لهذا إذا سمعتم أحداً يقرأ: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۞ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:5-6] نبهوه، قل: يا أخي، وصلك هذا يوهم فساد المعنى، وأنت قف أولاً: لأنها رأس آية، والمشروع أن يقف الإنسان عند رأس كل آية.

وثانياً: أن الوصل يفسد المعنى ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ۞ لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:5-6] إذاً ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [التكاثر:6] جملة مستأنفة لا صلة لها بما قبلها، وهي جملة قسمية فيها قسم مقدر والتقدير: والله لترون الجحيم.

ولهذا يقول المعربون في إعرابها: إن اللام موطأة للقسم، وجملة ترون هي جواب القسم، والقسم محذوف، والتقدير: والله لترون الجحيم. والجحيم اسم من أسماء النار.

تفسير قوله تعالى: ثم لترونها عين اليقين:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر:7] تأكيداً لرؤيتها، يوم القيامة، يؤتى بها تجر بسبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، فما ظنك بهذه الدار والعياذ بالله؟ إنها دار كبيرة عظيمة؛ لأن فيها سبعين ألف زمام، كل زمام يجره سبعون ألف ملك، والملائكة عظام شداد، فهي نار عظيمة أعاذنا الله وإياكم منها.

تفسير قوله تعالى: ثم لتسألن يومئذٍ عن النعيم:

قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:8] يعني: ثم في ذلك الموقف العظيم تسألن عن النعيم، واختلف العلماء -رحمهم الله- في قوله: ﴿لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر:8] هل المراد الكافر، أو المراد المؤمن والكافر؟ والصواب: أن المراد به المؤمن والكافر.

كلٌ يسأل عن النعيم، لكن الكافر يسأل سؤال توبيخ وتقريع، والمؤمن يسأل سؤال تذكير، والدليل على أنه عام: ما جرى في قصة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر وعمر حيث خرجوا ذات يوم من الجوع، فذهبوا إلى بستان رجلٍ يقال له أبو الهيثم بن التيهان فاستأذنوا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «السلام عليكم» -وكانت امرأته وراء الباب- فردت عليهم السلام، وفدت بالأم والأب، فسألوا عن زوجها فقالت: إنه ذهب يستعذب الماء، أي: يأتي بالماء العذب الطيب، فجلسوا ثم جاء الرجل ففرح بهم فرحاً عظيماً، وقال: إنه لا أحد أكرم أضيافاً مني اليوم، ثم قطع لهم عذقاً من النخل وأتى به وألقاه بين أيديهم فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «هلا جنيت» يعني: خرفت.

وتعلمون أن الخراف أن يأخذ الإنسان الرطب فقط، فقال: أردت يا رسول الله، أن يكون بين أيديكم البسر والرطب والمذنب؛ لأن العذق يشمل كل الثلاثة، فأكلوا ثم دعوا بالماء فشربوا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ماء طيب، وطعام طيب، وظل طيب، لتسألن يومئذٍ عن النعيم» وهذا دليل على أن الذي يسأل المؤمن والكافر، لكن يختلف السؤال، سؤال المؤمن سؤال تذكير بنعمة الله -عز جل- عليه، حتى يفرح ويعلم أن الذي أنعم عليه في الدنيا أكرم من أن ينعم عليه بالآخرة، بمعنى: أنه إذا تكرم عليه في الدنيا تكرم عليهم بنعمته في الآخرة. أما الكافر فإنه سؤال توبيخ وتنبيه.

نسأل الله تعالى أن يستعملنا وإياكم في طاعته، وأن يجعل ما رزقنا عوناً على طاعته، إنه على كل شيء قدير.