تفسير آخر سورة الشرح
عدد الزيارات 1868

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

هذا هو اللقاء الأسبوعي الذي يتم كل خميس، وهذا هو اللقاء الثمانون الذي يتم يوم الخميس الثامن والعشرين من شهر جمادى الثانية. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه اللقاءات، وأن يجعلنا وإياكم ممن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً حتى ييسر الله لنا بذلك طريقاً إلى الجنة. كنا نقدم في هذا اللقاء تفسيراً لكتاب الله العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:42] والذي يجب على كل مسلم أن يتعلم من معانيه ما يحتاج إليه في أمور دينه ودنياه؛ لأن الله إنما نزل القرآن للتلاوة والتدبر والاتعاظ; أي: ليس المقصود من إنزال القرآن أن نتعبد الله بتلاوته فحسب، بل أن نتعبد بتلاوته ومعرفة معانيه ونعمل به, والدليل على ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ ﴾[ص:29] ولم يقل ليتلوه تلاوة لفظية، قال: ﴿وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ [ص:29] يتدبرونها: يتفهمون معناها، ويتذكرون بها، ويعملون بها.

وقد وصلنا في هذا التفسير المبتدئ من سورة النبأ إلى سورة التين، انتهينا في سورة الانشراح وكنت أظن أننا أنهيناها ولكن انتهينا إلى قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ۞وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ ۞الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح:1-3].

تفسير قوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك): 

قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح:4]. فرفع ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام لا أحد يشك فيه؛ لأنه يرفع ذكره عند كل صلاة في أعلى مكان وذلك في الأذان: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله. ثانياً: يرفع ذكره في كل صلاة فرضاً في التشهد فإن التشهد مفروض وفيه: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. ثالثاً: يرفع ذكره عند كل عبادة، كل عبادة مرفوع فيها ذكر الرسول عليه الصلاة والسلام. كيف ذلك؟ لأن كل عبادة لا بد فيها من شرطين أساسيين هما: الإخلاص لله، والمتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، ومن المعلوم أن المتابعة للرسول سوف يستحضر عند العبادة أنه متبع فيها لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهذا من رفع ذكره.

تفسير قوله تعالى: (فإن مع العسر يسراً...): 

قال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ۞إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾[الشرح:5-6] هذه بشارة من الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ولسائر الأمة، ونسأل الأخ: هل جرى على الرسول عليه الصلاة والسلام عسر؟ حين كان بمكة يضيق عليه بمكة والطائف، وكذلك أيضاً في المدينة من المنافقين فالله يقول: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً [الشرح:5]؛ أي: كما شرحنا لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك، ورفعنا لك ذكرك. وهذه نعم عظيمة، كذلك هذا العسر الذي يصيبك لابد أن يكون له يسر. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ۞إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:5-6] قال ابن عباس عند هذه الآية: [لن يغلب عسر يسرين] فكيف توجيه كلامه رضي الله عنه مع أن العسر ذكر مرتين واليسر ذكر مرتين؟ قال أهل البلاغة: توجيه كلامه: أن العسر لم يذكر إلا مرة واحدة: (فإن مع العسر يسراً) (إن مع العسر يسرا) العسر الأول أعيد في الثانية بأل. فأل هنا للعهد الذكري، وأما اليسر فإنه لم يأت معرفاً بل جاء منكراً، والقاعدة: أنه إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير أن الثانية غير الأول إلا ما ندر، والعكس إذا كرر الاسم مرتين وهو معرف فالثاني هو الأول إلا ما ذكر; يعني: انتبهوا لهذه القاعدة. القاعدة الآن: إذا كرر الاسم مرتين بصيغة التعريف فالثاني هو الأول إلا ما ندر، وإذا كرر الاسم مرتين بصيغة التنكير فالثاني غير الأول؛ لأن الثاني نكرة فهو غير الأول. إذاً: في الآيتين الكريمتين يسران وفيهما عسر واحد؛ لأن العسر كرر مرتين بصيغة التعريف. (فإن مع العسر يسرا) هذا الكلام خبر من الله عز وجل، وخبره أكمل الأخبار صدقاً، ووعده لا يخلف. فكلما تعسر عليك الأمر -يا أخي- فانتظر التيسير. أما في الأمور الشرعية فظاهر «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب»هذا تيسير، إذا شق عليك القيام اجلس، وإذا شق عليك الجلوس فصلِّ وأنت على جنب. في الصيام إن قدرت وأنت في الحضر فصم وإن لم تقدر فأفطر، إذا كنت مسافراً فأفطر. في الحج إذا استطعت إليه سبيلاً فحج، وإن لم تستطع فلا حج عليك. بل إذا شرعت في الحج وحصل لك ظرف لا تتمكن معه من استكمال الحج فتحلل، افسخ الحج واهدِ; لقول الله تعالى: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة:196]. إذاً: كل عسر يحدث للإنسان في العبادة يجد التسهيل واليسر، وكذلك في القضاء والقدر;يعني: تقدير الله على الإنسان من مصائب وضيق عيش وضيق صدر وغيره لا ييئس. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ﴾[الشرح:5] التيسير قد يكون أمراً ظاهراً حسياً مثل: أن يكون الإنسان فقيراً فتضيق عليه الأمور فيوسع الله له الغنى، هذا تيسير حسي. إنسان مريض يتعب فيشق عليه المرض فيشفيه الله عز وجل هذا أيضاً تيسير حسي، هناك تيسير معنوي وهو معونة الله الإنسان على الصبر. هذا تيسير, إذا أعانك الله على الصبر تيسر لك العسر، صار هذا الأمر العسير الذي لو نزل على الجبال لدكها وصار بما أعانك الله عليه من الصبر صار أمراً يسيراً;أي: لا تظن أن اليسر معناه أن ينفرج شيء مرة، لا.اليسر أن ينفرج الكرب ويزول وهذا يسر حسي، وأن يعين الله الإنسان على الصبر، حتى يكون هذا الأمر الشديد العسير أمراً سهلاً عليه، نقول هذا: لأننا واثقون بوعد الله ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ۞إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً﴾ [الشرح:5-6].

تفسير قوله تعالى: (فإذا فرغت فانصب):

قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۞وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:7-8] المعنى في هذه الآية: إذا فرغت في أعمالك فانصب في عمل آخر; أي: اتعب لعمل آخر، لا تجعل الدنيا تضيع عليك؛ ولهذا كانت حياة الإنسان العاقل حياة جد، كلما فرغ من عمل شرع في عمل آخر، لا يوجد ضياع وقت. الزمن لا يرحم كما يقولون، الزمن يمشي ويفوت على الإنسان في حال يقظته ومنامه، وشغله وفراغه، يسير، هل يمكن لأحد أن يمسك الزمن؟ لا. لا يمكن، لو اجتمع الخلق كلهم يوقفون الشمس حتى يطول النهار ما تمكنوا، الزمن لا يمكن لأحد أن يمسكه. إذاً: اجعل حياتك جداً، إذا فرغت من عمل فانصب في عمل آخر، إذا فرغت من عمل الدنيا عليك بعمل الآخرة، فرغت من الآخرة اشتغل في أمر الدنيا، فإذا قضيت الصلاة يوم الجمعة يكتنفها عملان دنيويان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة:9]؛ أي: وأنتم مشتغلون في دنياكم.﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ۞فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة:9-10] اسعوا بيعوا واشتروا، فرغنا من شغل اشتغلنا في آخر، فرغنا منه اشتغلنا في آخر، وهكذا ينبغي أن يكون الإنسان دائماً في جد. فإذا قال قائل: لو أنني استعملت الجد في كل حياتي لتعبت ومللت؟ قلنا: إن استراحتك لتنشيط نفسك وإعادة النشاط يعتبر شغلاً وعملاً; يعني: ليس اللازم الشغل بالحركات. لا، فراغك من أجل أن تنشط للعمل الآخر يعتبر عملاً، المهم أن تجعل حياتك كلها جداً وعملاً. ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ ۞وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:7-8];أي: إذا عملت الأعمال التي فرغت منها ونصبت في الأخرى فارغب إلى الله عز وجل في الثواب، في حصول الأجر في الإعانة، كن مع الله عز وجل قبل وبعد العمل، قبل العمل كن مع الله تستعينه عز وجل، وبعده ترجو منه الثواب. ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:8].

تفسير قوله تعالى: (وإلى ربك فارغب):

في قوله: ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح:8] فائدة بلاغية أسألكم عنها: (إلى ربك) متعلقة بماذا؟ متعلقة من حيث الإعراب، فارغب مقدمة عليه، وتقديم المعمول يفيد الحصر؛ أي: إلى الله لا إلى غيره فارغب في جميع أمورك,وثق بأنك متى علقت رغبتك بالله عز وجل فإنه سوف ييسر لك الأمور. وكثير من الناس تنقصهم هذه الحالة; أي: ينقصهم أن يكونوا دائماً راغبين إلى الله. فتجدهم يختل كثير من أعمالهم; لأنه لم يكن بينهم وبين الله تعالى صلة في أعمالهم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممتثلين لأوامره، مصدقين بأخباره، إنه على كل شيء قدير.