تفسير آيات من سورة البلد
مدة الملف
حجم الملف :
2622 KB
عدد الزيارات 742

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو يوم الخميس الثامن عشر من شهر ربيع الأول، والذي يتم فيه اللقاء مع الإخوة في كل أسبوع.

وهذا هو اللقاء الموفِي للسبعين لقاء، والذي يتم في شهر ربيع الأول من عام (1415هـ). ومن عادتنا أن نتكلم أولاً عن تفسير آيات كنا معها من سورة النبأ حتى انتهينا إلى أول سورة البلد في قوله -تبارك وتعالى-: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ۞أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ۞يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ۞أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:4-7]، بيَّنا أن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ [البلد:4] له معنيان عند أهل العلم:

المعنى الأول: التمام، والرفعة في الخِلْقَة، والعقل، وغير ذلك.

المعنى الثاني: مكابدة المشاق في الأعمال الدنيوية، والأخروية. والقاعدة في تفسير كتاب الله -عزَّ وجلَّ- يا إخواننا: أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا تناقض بينهما، فإنها تُحمل على المعنيين جميعاً؛ لأن ذلك أوسع في التفسير، والعلم.

تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لن يقدر عليه أحد): 

ثم قال الله -عزَّ وجلَّ-:﴿ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ [البلد:5] أي: أن الإنسان في نفسه، وقوته يظن أن لن يقدر عليه أحد؛ لأنه في عنفوان شبابه، وقوته، وكبريائه، وغطرسته، فيقول: لا أحد يقدر عَلَيَّ، فأنا أعمل ما شئتُ، ومن ذلك قوله -تبارك وتعالى-: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت:15] فقال الله -تعالى-: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ﴾[فصلت:15]. إذاً .. فالإنسان في حال صحته، وعنفوان شبابه يظن أنه لا يقدر عليه أحد، وهذا لا شك بالنسبة للكافر، حتى أنه يظن أن الرب -عزَّ وجلَّ- لا يقدر عليه. أما المؤمن فإنه يعلم أن الله قادر عليه، وأنه على كل شيء قدير، فيخاف الله.

تفسير قوله تعالى: (يقول أهلكت مالاً لبداً): 

قال تعالى: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً﴾ [البلد:6]: يقول الإنسان أيضاً في حال غناه وبسط الرزق له: أهلكتُ مالاً لُبداً، أي: مالاً كثيراً، أهلكه في شهواته، وملذاته.

تفسير قوله تعالى: (أيحسب أن لم يره أحد): 

يقول الله -عزَّ وجلَّ-: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ [البلد:7] أيظن هذا أنه لا يراه أحد في تبذيره للمال، وصرفه فيما لا ينفع؟! وكل هذا تهديد للإنسان ألا يتغطرس، وألا يستكبر من أجل قوته البدنية، أو كثرة ماله.

تفسير قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين ...): 

قال الله -تعالى-:﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ۞ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ ۞وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:8-10]: هذه ثلاث نعم من أكبر النعم على الإنسان.﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾ [البلد:8] أي: يبصر بهما، ويرى بهما، وهاتان العينان توصلان إلى القلب ما نظر إليه الإنسان، إن نظر نظرة محرمة كان آثماً، وإن نظر نَظَراً يقربه إلى الله كان غانماً، وإن نظر إلى ما يباح له، فإنه لا يُحْمَد، ولا يُذَم ما لم يكن هذا النظر مُفْضياً إلى محظور شرعي، فيكون آثماً بهذا النظر، أو العكس. قال تعالى:﴿ وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ﴾ [البلد:9]: لساناً ينطق به، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذه من نعم الله العظيمة؛ لأنه بهذا اللسان وبالشفتين يستطيع أن يعبر عمَّا في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يؤدي ما في قلبه؟! كيف يُعلم الناس بما في نفسه؟! اللهم إلا بإشارة فإنها تُتْعِب المشير، وكذلك المُشار الذي أُشِيْرَ له؛ ولكن من نعمة الله أن جعل له لساناً ناطقاً، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضاً من عجائب قدرته، فمن أين يأتي النطق؟! يأتي من هواء يكون في الرئة فيخرج من مخارج معينة، فإن مَرَّ بشيء صار حرفاً، وإن مَرَّ بشيء آخر صار حرفاً آخر، وهو هواء واحد، من مخرج واحد؛ لكنه يمر بشعيرات دقيقة في الحلق، والشفتين، واللثة، هذه الشعيرات تكوِّن الحروف، فنجد مثلاً: الباء، والشين كلاهما يحدث بهواء يندفع من الرئة، ومع ذلك تختلف باختلاف ما تمر عليه في هذا الفم من مخارجِ الحروف المعروفة، وهذا من تمام قدرة الله -عزَّ وجلَّ- .

تفسير قوله تعالى: (وهديناه النجدين): 

قال تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد:10]: هناك قولان في تفسير هذه الآية: القول الأول: أي بيَّنا له طريق الخير، وطريق الشر. القول الثاني: أي: دَلَلْناه على ما فيهما غذاؤه، وهما الثديان، فإنهما نجدان لارتفاعهما فوق الصدر، فهداه الله -تعالى- إليهما وهو رضيع لا يعرف شيئاً، فمن حين أن يخرج، وتضعه أمه يطلب الثدي، من الذي علَّمه؟! إنه الله عزَّ وجلَّ. فبيَّن الله عزَّ وجلَّ منتَه على هذا الإنسان، فمِن حين يخرج يهتدي إلى النجدين، وفي بطن أمه يتغذى عن طريق السرة؛ لأنه لا يستطيع أن يتغذى من غير هذا، فلو تغذى عن طريق الفم فإنه يحتاج إلى بول، وغائط، وكيف يمكن ذلك؟! لكنه عن طريق السرة يأتيه الدم من دم أمه، وينتشر في عروقه حتى يحيا إلى أن يأذن الله -تعالى- بإخراجه. والحمد لله رب العالمين.